ما فعله الوالي

غلظة في الحديث. يلوّح بيده في حدّة تعكس غضبًا يكاد أن يفلت منه..
مفرداته اللغوية متقطعة، اللهجة صارخة، حتى أنني لم أتمكن من فهم الداعي لثورته هذه بخاصة وأن ليس ثمة سابق معرفة بيننا!

أشرت له بالدخول ورحَبت به بعدما وقفت تقديرًا لدخوله عليّ، خشية رد فعل لا أعرفه، قلت:

-تفضل بالجلوس أولًا، ثم رجاء أخفض صوتك لكي أستطيع أن أسمعك.

فامتثل وجلس، قال:

-أنا "مصطفى أبو حجر" ثم مدّ يده بالسلام، لم أرغب أن أردّها خالية، فسلّمت عليه، شددنا على أيدي بعضنا البعض.... ثم السؤال المقتضب: خير؟

-قلت لك أنا "مصطفى أبو حجر"، أنا من قطّعت النساء فروتي في السنوات الماضية ولا يزلن يفعلن.

قلت باهتمام: مصطفى من؟

ردّ وهو يتنهّد: حسنًا، أنا ذلك الخائن في أعين الجميع، من تراه النساء العدو الأول لهن، يحذّرن الصبايا من السير في طريقي ولو صدفة، لعلهن يرينني وراء طرد آدم وزوجه.

تذكّرت أنني سمعت بهذا الاسم من قبل – مصطفى أبو حجر – في ندوات ثقافية، لقاءات مع زميلات في العمل، من جارات يتبادلن النميمة علانية، يقذفن الرجال في جرأة بكل نقيصة، ودائمًا ما يرد ذكر هذا الغائب الغامض على ألسنتهن ولا تأتي سيرته أبدًا بالخير.

تداعت ذكريات كثيرة عن الرجل، استعدت قراءات عنه أغلبها ليست في صالحه. عُدت ونظرت له ، قلت:

-سمعت عنك، لمَ جئتني؟ ماذا أفعل لك؟

-أن ترد لي اعتباري، أن أسترد على يديك كرامتي المهدرة حتى أستطيع أن أسير مرفوع الرأس في المدينة. لذلك حرّرت لك توكيلًا قانونيًّا للدفاع عنّي. لن نختلف على الأتعاب. ثم أخرج رزمة مالية كبيرة من فئة المائتي جنيه، ألقاها على المكتب أمامي ومعها أصل التوكيل.

قلت وأنا أضع النقود في جيبي:

-لكن- عفوًا - سُمْعتك بين النصف الآخر من المجتمع ليست بخير، استعادة بياضها الناصع – على فرض نصاعته - أظنها مهمة شاقة وغير مُجدية..

لكنه بيأس قاطعني: قلت لك أنني بريء، أقسم على ذلك.

قلت وأنا أقرأ بياناته من واقع التوكيل على مهل:

- مفيش شاهد لصالحك؟ صعب أن يكون الكل خصوم ضدك؟

-شاهد؟

قلت: ولو امرأة واحدة تشهد لصالحك، تخبر المحكمة أنك لست مسئولًا عن مقتل "ابن يعقوب"، وأن دمه – على فرض أن ما جاء به أخوته على القميص هو دم بشري – لم ينهمر بسبب أظافرك أو أنيابك.. أقصد امرأة واحدة أو صبية تشهد أنك حمل وديع أو وليّ لقضي الأمر لصالحكَ . أفهمت؟

قال أبو حجر وهو ينتفض من مكانه: أفعل، سآتيك بهن جميعًا، يشهدن بين يديّ المحكمة لصالحي.

-كلهن؟

-نعم.

قلت في استغراب: إذن فمن المدّعي؟ من يناصبك العداء ويتهمك بالخيانة وأنك الذئب البشري الوحيد الباقي على قيد الحياة؟

بل قيل أنك لم ولا تقل بشاعة عن الوالي الكبير، فهو وإن قضى على خصومه من المماليك وقتلهم شر قتلة، فإنك كنت الأسوأ، فلم تدع نهدًا على حاله، لم تترك واديًا لامرأة إلا وقد غرست رايتك بقسوة في أرضه.

لقد غفر المصريون للوالي صنيعه الأسود، لكن النساء لن يغفرن لك أبدًا، فهل سمعت من قبل عن امرأة تغفر غفرانًا حقيقيًا لرجل؟ ثم بعد ذلك تأتيني أنت وتقول أنك بريء؟!

ما كدت أنتهي من إلقاء خطبتي النارية في وجهه حتى قاطعني قائلًا:

-يا سيدي.. كلها أقوال مرسلة، لا دليل مادي يؤيدها؛ إشاعات من سنين بعيدة، والإشاعة كما تعرف أشد فتنة من القتل؛ ثم انهمرت دموعه على خديه، علا نحيبه وتشنّج جسده بعدما ارتج بشدة. لما أزعجني أمره قمت من مكاني، طبطبت على ظهره، ناولته منديلًا ليمسح دموعه، داعبت شعر رأسه وقلت:

-هدوء يا درش؛ خلاص قبلت القضية، لكن.. لك أن تعرف أنني مُطالبْ أمامك مهنيًّا ببذل مجهود فقط. لن أقف ضد الوالي من أجلك إن أراد الغدر بك.. معلش يا روح ما بعدك روح .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى