الجزء الخامس والثلاثون: البحر الذي يسكن النص
في تلك الليلة، لم تكن باريس تشبه نفسها. كان المطر يهطل على استحياء، كأنه يخشى إزعاج الحزن الجالس إلى جواري. أما أنا فكنت أجلس أمام الورقة البيضاء وأتأملها كما يتأمل الناجون البحر بعد الغرق. كلما حاولت أن أكتب عن شيءٍ آخر انتهيت إليك، وكلما حاولت...
جاء إبريل، وولّى الشتاء، وقلتُ: سأنام هادئ البال.
احتسيتُ آخر كأس شايٍ مُرّ، وفرشتُ فرشتي الممنوحة، والتحفتُ بالبطانية الخشنة. وكان الجوُّ رائقًا، والسماءُ تلوّنت بزرقةٍ مدهشةٍ لم تشبها شائبة، فيها جلس القمر متفاخرًا، لا ينافسه في مُلكه العالي ملك.
وكان مرصدي ثقبٌ في الخيمة جاور جبهتي؛ منه أختلس...
حين أفتح باب بيت أبي، أشعر أن الزمن لم يغادره. إبريق القهوة النحاسي ما زال في مكانه، وستارة النافذة تتحرك مع الهواء كما كانت أيام أمي. حتى رائحة الهيل، كلما دخلت، تخيلت أنها ستخرج من المطبخ وتمسح يديها بمئزرها وتقول:
ـ تأخرتِ يا سارة.
لكن البيت لم يعد بيتًا، وأمي لم تعد هنا.
بعد وفاة أبي، كنا...
كان اهتمامي، ولا يزال، بالغباء في صدارة هواياتي قراءةً وكتابة كذلك.ففي الغباء، في الكثير مما قرأتُ، تبيّن لي أن هناك من يتَّصفون وحيث عشتُ وأعيش، بدرجة عالية من الذكاء والفطنة. وعليَّ أن أصحح حقيقة ذات صلة بالغباء، كامنة في النظرة الأحادية إليه.
هناك أشخاص ممَّن عرفتهم وأعرفهم، وممن تابعتُهم...
في المخيم، لم يعد النسيان عارضًا عابرًا، بل صار جارًا قديمًا يشارك الناس خبزهم، ويجلس معهم أمام الخيام، ويزاحم أسماءهم في الذاكرة.
كان أبو العبد يسير بمحاذاة بسطات السوق، حتى لمح أبا سالم.
ابتسم، وربت على كتفه بحماس.
قال: تعال... بدي أعرّفك على زلمة محترم. من أحسن الناس بالمخيم.
تقدما نحو...
في منطقة العلواية خلف محطة مصر أزقة ضيقة تتعفن فيها المياه الراكدة تحت أقدام المارة وبيوت قديمة أنهكها العمر، وفي بيتٍ صغير يتنفس العفن والظلام يثير رهبة البيوت المسكونة في النفس.
على بابه الخشبي المتهالك تمساحٌ صغير محنط مفتوح الفم وبجواره خفاشٌ أسود متدلٍ من حبل مهترئ تدفعه الريح فيدور كجثةٍ...
نزلت من قطار الخامسة فجرا الذي وصل المحروسة مشرق الشمس، توجهت إلى بوابة المحطة المصرية، أوصتني أمي أن أزور السيدة أم هاشم، حملت حقيبتي التي وضعت فيها طعامي وثيابي وبضعة من أوراقي الشخصية، حذرني شيخ الجامع الكبير من نساء المحروسة، يسرقن الكحل من العيون، على أية حال، أرتدي جلبابا من الصوف، أضع...
حلفت أني لن أتعلم لغة الغصن حين تتسلقه الريح.
ولن أتبدل اذا ما بدل المطر اسماء الاحجار
وان صوتي عاصفة لن تموت عند أول هدوء
حلفت أن أنصت إلى الصمت وهو يروي حكايا الشمس والمطر
حكايا الجدران التي أتعبتها الشقوق
حلفت أن أبقى واقف
في الساحات القديمة
و الأبواب الصدئة
التي لم يعد أحد يتذكرها...
شاهدتُ على مسافة قريبة، من الصريفة التي أسكنها في هور الجبايش، امرأة تجلس على حافة الهور، تعطيني ظهرها، يلامس شعرها الذهبي مؤخرتها الكبيرة، ترتدي ثوباً أخضر مكشوف الذراعين، مزخرف بحبات فضية، تتلامع مع شعاع شمس الصباح .
أرتبكتُ، ذعرتُ، لا أعرف ماذا أفعل، هذه المرأة غريبة، ربما جاءت مع وفد سياحي...
قال لها : خذيها.
قالت له: هاتِها
بعد قليل .
قالت له: خذْها
قال لها: هاتيها.
توقفا، وهما يتبادلان النظرات.
توقفا، كان هناك شيء يثير الصمت القابع وراء الكلمات عينها تلك التي نطقاها.
توقفا. إدراكٌ مشترك، ليس بالدلالة ذاتها، حرَّك كلاً منهما ليس في اتجاه الآخر تحديداً، إنما في اتجاه أشعراهما...
ما زلت لحد الآن، رغم مرور أكثر من خمس سنوات، ألهث خلف اللحن الذي جرفتني إيقاعاته المتدفقة من الغرفة الموصدة، في تلك الليلة المذهلة.
كان الكمان قد استعصى على أناملي طيلة شهور، حتى استبد بي اليقين بأن قريحتي الموسيقية قد أضحت جدباء، وغمرني شعور طاغ بالقلق. «فلأغير الجو لعل وعسى..»، قلت...
حزينة تلك العصافير أم أننا نحبسها في أقفاص خشبية ؛ ومعدنية لنشعر فقط بالسعادة قليلاً؟!.
العصفور حزين؛ يتألم من الحبس بينما نحن نضحك ونلهو ونستمتع بآلام الآخرين !!.
متى ستخرج تلك العصافير لتنطلق في الفضاء حرة؛ تزقزق للوجود كله؟!.
دارت برأسي هذه الأفكار وأنا أقف أمام أقفاص العصافير أمام منتجع...
استلقى على ظهره، تاركاً وجهه لموجات الهواء الحار التي تدفعها المروحة السقفية ببطء فوق رأسه. كان العرق يلمع على ملامحه التي حفرت سبعون عاماً أخاديدها . تدور المروحة بصوتها الرتيب في الغرفة العلوية المتهالكة، كأنها تقلب الزمن لا الهواء.
مع كل دورة كانت تزيح شيئاً من الغبار الراقد في زوايا ذاكرته...
7
الطاهر
صحوت اليوم شاعرا بأن رأسى ثقيلة، غير راغب فى الذهاب للشغل. لكن المرأة ضربتنى بساقها وهى نائمة. لم أفتح عينى. ظلت خيالات سوداء تتراءى لى كأننى فى بيت واسع كبير متعدد الفتحات. تطل منه رؤوس مخيفة.. أهرب. رغم يقينى أن نجلاء لكزتنى ثانية ولم أنهض. كررت، فانتفضت بضيق. كان ريقى ناشفا، شربت...