سرد

" اِنتبه يا ولدي، أنت لا تبصر أمامك!"، تردد التحذير في أذني تماماً كما كان يحدث في طفولتي كلما أوشكتُ على الاصطدام بشيء، قبل أن تستدركني أمي مُلتقِطةً إياي لِتنقذني كعادتها من الخطر. تحذيرها ذاك استمررتُ في سماعه حتى بعد وفاتها بسنوات، حتى بعد غياب ذراعيها المنقِذتين، فصِرتُ أتلقى الضربة تلو...
حيدر عاشور لم يكن صادقٌ مجردَ قصابٍ عاديٍّ في الحي، بل كان فنانًا في الخداع. كان يملك لسانًا ينطق بالقسم الغليظ أسرع من حركة ساطوره: «والله العظيم، لحمُ بقرٍ بلديٍّ يذوب في الفم!». هكذا كان يصرخ بزبائنه وهو يبيعهم لحمَ الحميرِ المفرومَ بعناية، بعد أن يخلطه بنسبة ذكية من ليَّةِ الخروف الدسمة...
في صباحٍ صاخبٍ وغريبٍ، كانَ شيءٌ ما يركلُني في بطني، يدعسُني بقدمِهِ، وعندما قلبتُ جسدي بقصدِ الحمايةِ، بالغَ في الدعسِ والدَّكِّ فوقَ ظهري، لم أتذكرْ لحظتَها أني إنسانٌ، شعرتُ وكأني خنفساءُ، حشرةٌ صغيرةٌ وحقيرةٌ، تلتحفُ أرضَ خيمةٍ. فتحتُ عينيَّ ونظرتُ في سقفِ الخيمةِ، الذي اختفى ولم يعدْ لهُ...
يا مسافر وحدك... دقات الساعة تأتي رتيبةً مملةً. متثاقلة تنهض من رقدتها. تزيح الغطاء عن جسدِها. تغادر سريرَها البارد. رائحة الصباح الطرية النديانة تشيع في قلبها الأسى. يهاجمها برد أول الشتوية. يضرب العظام فتسري رعشةٌ خفيفةٌ ينتفضُ لها البدنُ، وتشيع لذةٌ خاطفةٌ في منابت العصب. تبحث بباطن قدمها عن...
استشعر ابتهاجاً غير مسبوق.لعلها المرة الأولى التي ينتابه فيها شعور لم يعش نشوته من قبل، وهو يرى نفسه إزاء تمثال لطالما حلَم به مجسَّداً أمام عينيه. لكَم طال انتظاره له، وهو محمول بمخاضه أياماً وليال ٍ، قلْ سنوات تترى. لم يصدّق أنه صنيعه وهو يدور حوله، لقد كان دورانه أشبه بطواف، وهو يمعن فيه...
يَرشف حمزة مِن كأس الشّاي بأناة، وحين يُحاوِل أنْ يبدأ في التّرنّم ببداية قصيدة يحفظها منذ أيّام الدّراسة الثّانويّة، يعابث نفسه، ساخِراً : "ترغب في التّمويه على نفسك؟ كنْ واقِعِيّاً، إنّك قلق، متوجّس مِن أنْ ينفتح الباب فيطِلّ عليك الوجه الذي لا ترغب في رؤيته - وجه محسن - عِوَض الوجه الآخر"...
"خراريف" على شاطيء قرية الدير المنامة – جعفر الديري: هذه خرافات شعبية، سمعتها من ألسنة كبار السن في قرية الدير بمملكة البحرين، وأعدت كتابتها بأسلوبي الأدبي. خرافات ارتبطت في أذهان الناس منذ عقود طويلة، بالمخلوقات الخرافية، أو الأساطير. أتمنى أن تثير شهية الباحثين في علم الفلكلور، أو المأثورات...
لم يكن في الحسبان أنه سيعود لقد كان غائبا!! سبعة عشر عاما وهو في طي النسيان، عاش في دائرة خارج الوجود إلا أنه لم يكن غائبا عن نفسي كثيرا ما راودتني الاحلام انه يتلمسني يداعب خصلات شعري الذي كان يشاركه الهواء في مداعبتها... كنت الى الجنون أسير دون وعي قادتني مشاعري الى الضرب بعرض الجدار كل من...
حيدر عاشور اعتاد عَليٌّ أن يزن صِلاته بالبشر بميزان صائغٍ حذر. يغزل للجميع أدباً جماً، ويقف من العالم على مسافة أمانٍ دقيقة؛ مسافةً تصون سلامته الداخلية وتفرض مهابته على الآخرين. تلك كانت نبتة تربيته الأولى، وعقيدته التي رعتها الأيام، فترسخت في نفسه فضيلة التسامي عن هفوات الأقربين وعابري...
في الصَّباح، رأيتُ أمي كأنَّها لا تتعرف على المنزل، ظلَّت تدور فيه كضيفة تخشى أن تَسأل، تتحدث إلى نفسها وتكرر كلمة واحدة لا تكتمل؛ كأنَّها تخجل مِنْ نهايتها، ثُمَّ وجدتها تحمل فستانها الأبيض الذي لم أرَه يخرج مِن الخزانة يومًا، والذي تحول لونه إلى لون رمادي غريب، ترفعه عن الأرضِ وكأنَّها تخشى أن...
رفعت المرأة ربطة الخبز أمام وجه أبي سليم. — شمّ. شمّها. — خبز. شقّت الكيس، وأعطته رغيفًا. — لا. هذا ليس خبزًا. قرّبه من أنفه. كانت رائحة الخميرة أقوى من رائحة الطحين. قال صاحب المخبز، وهو يناول الناس أرغفتهم مسرعًا: المهم نلحق نخبز الكمية. سأله أبو سليم: والعجين؟ — ما له؟ — لم يأخذ وقته. أشاح...
العمة الحنونة حيدرعاشور لم تكن عمتي مجرد عابرة في شجرة العائلة، بل كانت شمس طفولتنا ونورها المتدفق. كنا نرقب خطوها بلهفة الطيور، ونلتف حولها وهي تنثر من كفها الطاهرة دراهم معدودة، كانت في عيوننا الصغيرة ثروة تشتري العالم بأسره. نركض بها في الأزقة وكأننا نملك الأرض، لنقايضها بسكاكر غزلناها من...
تمثال شدا بأغنيةٍ مجلوبةٍ من خزانة زمنٍ فات، غنّاها قديمًا رجلٌ ذو بشرةٍ سمراء تشبه بشرته، وطيبةٍ في عينيه تشبه طيبته، كانت المدة الزَّمنية بين غناء الأصل وغناء الصّورة مائة عامٍ، وما زاد الأمر غرابةً أنّ صوتيهما الرّخيمين تطابقا إلى درجةٍ مذهلةٍ.. لم يستطيع الجزم بصحة تلك المقارنة سوى...
هادئة، جميلة، قليلة الكلام. تجلس في خجل، وتخفض عينيها كلما ارتفع صوت أحد. سأل عنها، فأخبرته إحدى صديقاتها بحكايتها. قالت له: — أريد رجلًا أشعر معه بالأمان. قال ممدوح: — لن أسمح لأحد أن يؤذيك بعد اليوم. رفعت عينيها إليه بثقة، ولم تقل شيئًا. تزوجها. في البداية أحب هدوءها. لم تكن كثيرة...
.كانت باريس في تلك الليلة أكثر برودة من المعتاد. جلستُ قرب النافذة، أراقب أضواء الشارع وهي تتكسر فوق زجاجها، كأن المدينة تحاول أن تقول شيئًا ولا تجد اللغة المناسبة. كان هاتفي إلى جواري. لم أكن أنتظر رسالة. أو هكذا حاولت أن أقنع نفسي. ثم ظهر اسم حمد على الشاشة. ترددتُ طويلًا قبل أن أفتحها...
أعلى