[ أيرضيك يا صاحبي
أن أعود مع المساء
بشبكة خاوية
وسمكةٍ مُشتراة ]
توفيق صايغ
الخيبة -1-
ذلك الصباح أفاق حرب مسروراً. حمل أوراقه واتجه الى مبنى الادارة المدنية حتى يحصل على اذن بالسفر. همس : «ها هي، أخيراً، اتفاقية السلام تنجز شيئا ما، سوف يسمحون لي بالسفر». وكان حرب الذي ينتمي الى فصيل معارض، في ايامه الأخيرة، يبدي عدم اكتراث لما يجري، فقد اكتفى بما اكتفت به فصائل المعارضة، في معظمها : الرفض اللفظي لاتفاقية السلام.
ذلك الصباح، سار حرب في الشارع مزهوا. مّر بالقرب من المكتبات التي تعرض صحف الصباح. تصفح عناوينها بسرعة واقفا عند الاخبار التي تتعلق باتفاقية السلام. قرأ منها ما هو ايجابي، ولم يلتفت يميناً أو يسارا. لم يلتفت الى صديقه الذي وقف بالقرب منه منتظرا أن يلتفت اليه.
ذلك الصباح، ذهب حرب، كعادته، الى المقهى الذي يذهب اليه كل يوم. تناول كأساً من «القينر» حتى يشعُرَ بالدفءِ ويطردُ قليلا من برد شباط اللعين. وتحدث بفرح الى صديقه الذي ذهب معه الى المقهى. قال له : لقد ذهبت، قبل اسبوع، الى مبنى الادارة المدنية وسمحوا لي بالسفر. وها أنا ذاهب اليوم لأحصل على التصريح. وصمت قليلا ثم أضاف : «وها هي اتفاقية السلام تعود علينا ببعض المنافع. صحيح أنني معارض، ولكنني فرح لها على مستوى شخصي».
بعد اسبوع من ذلك الصباح كان صديق حرب، يذرع الشوارع كعادته. مّر بالقرب من المكتبة. ألقى نظرة على عناوين الجرائد. سار باتجاه المقهى. شرب الشاي وذهب وهو يهمس : « الحمد الله : لقد سافر حرب اذن، فشكراً لاتفاقية السلام ». وأخذ، من جديد، يذرع الشوارع، تماما كما كان حرب نفسه، منذ الصباح، يذرع الشوارع نفسها.
6/10/1994
الخيبة -2-
مساءً اجتمعت العائلة لتصغي الى نشرة الأخبار المصورة التي يقدمها التلفاز الاسرائيلي. وخلافا للمرات السابقة التي كانت فيها العائلة لا تكترث للنشرة وما يرد فيها حيث كانت تثرثر أكثر مما تصغي، فقد ساد الصالة جو من الهدوء.
مساءً كان المذيع يقرأ نشرة الأخبار ويتحدث عن الاتفاق الذي وقعه الطرفان: الفلسطيني والاسرائيلي، الاتفاق الذي بموجبه، كما قال المذيع، سيفرج عن آلاف الأسرى المعتقلين في السجون الاسرائيلية.
مساءً، بعد نشرة الأخبار، ساد المنزل جو من الهرج والهرف. أخذ الكبير يتحدث عمّا سيقدمه الى أخيه عند لحظة خروجه. قال انه سيذبح له خروفين بالتمام والكمال، وسيحضر أيضا المشايخ لاقامة احتفال ديني. وتحدث الأوسط عن المساعدات التي سيقدمها له. قال: لن أتركه وشأنه، لقد ضحى من أجل الوطن وفقد مصدر رزقه، ولا أقل من أن نجد له عملاً يعيش من ورائه. وكانت الأم، في هذه الأثناء، تعد لأبنائها الجالسين كؤوس الشراب احتفالا بخروج ابنها السجين.
كل مساء، ومنذ 13/9/1993، تجلس العائلة في الصالة نفسها. تقتح التلفاز ولا تكترث كثيرا لنشرات الأخبار. وغالبا ما يسود الجو هرج وصخب يدور حول موضوعات عديدة وغالبا ما يتساءلون عن موعد زيارة ابنهم وما سيأخذونه له أيضا.
كل مساء، تجلس العائلة التي ما زال ابنها يقبع في سجون الاحتلال الاسرائيلي غير مكترثة لكلام القيادتين الفلسطينية والاسرائيلية عن الامن والسلام العادل الشامل وحق تقرير المصير.
6/10/1994
الخيبة 3
الفتاة الطويلة النحيفة ذات الشعر المربوط تقف وراء ماكنة التصوير وتنجز عملها بغير شهية. تأخذ الأوراق من الزبون وتصورها وتعيدها، من ثمّ، اليه تاركة لزميلها أن ينهي الاجراءات المالية.
الفتاة الطويلة النحيفة كانت تتحدث عن السفر والخروج، ولو قليلا، من أجواء المدينة المحاصَرة المحاصِرة. «الجنود الاسرائيليون يحتلون المدينة، والناس يحتلون بعضهم البعض كانت تقول لذلك الشخص الذي أخذ يتردد على محلها لتصوير بعض الأوراق.
الفتاة الطويلة تجلس، تارةً، وحيدة، وطورا تغادر المحل لتشرب، في الكافتيريا القريبة، القهوة. تجلس وتأخذ تراقب المارة، لتتحدث، فيما بعد، لزميلها عن حركات الفتيات والفتيان.
الفتاة الطويلة أخذت تنتظر ذلك الشخص الذي أخذ يتكرر يوميا ليصور وثائقه، القديمة وليواصل، في الوقت نفسه، مع الفتاة الحوار الذي لم يكتمل، وليصغي ايضا الى أحاديثها عن السفر والدراسة والحرية وعن أحواله الأسرية التي لفتت انتباهها، لتصبح محور تفكيرها.
الفتاة الطويلة شغلت حيزاً من تفكيره، وحين كانا يلتقيان يتبادلان التحايا، ويدعو أحدهما الآخر لشرب القهوة ومواصلة الحديث، وأخذ يفكر في أمرها جيدا، فقد بدت له هادئة ووديعة ومتزنة.
الفتاة الوديعة الهادئة المتزنة كانت، بعد أن يفترقا، تنقل كل ما أصغت اليه الى الآخرين، وكانت مع الايام تذبل رويداً رويدأ. وكان هو يواصل صعود الدرج، دون أن يلتفت اليها. لقد كانت وثائقه كلها عند الآخرين.
6/10/1994
الخيبة -4-
الشاعر الذي أعجب به وأخذ يقرأ له ويكتب عنه العديد من المقالات، ما زال يقيم هناك، بعيداً عن أرض الوطن الذي لم يتحرر، لأنه لا يريد أن يعود الى وطن يحتله أعداء يوافقون على عودته ضمن شروط مذلة.
الشاعر الذي أعجب به، ما زال يواصل كتابته عن الوطن والحرية والمرأة اليهودية التي أحبها، ذات نهار، غير مكترث للفارق القومي، قال لها : «كل قومياتنا قشرة موز» وتابع : «والحب مثل الموت وعد لا يُرَدّ ولا يزول».
الشاعر الذي أعجب به، ما زال عند رأيه، فيما كتبه، بخصوص الثورة وأوضاعها الداخلية. فهو ينتقد القيادة لتفردها في اتخاذ القرار، وقد انسحب منها لأنه غير راضٍ عن اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والاسرائليين. وهو يكتب عن حرب كلام لا ضوابط أخلاقية لها.
الشاعر الذي أعجب به يقف الى جانب أولئك الذين يشوهونه لأنه يتحدث عن العودة غير المحمودة للقيادة الفلسطينية ولأنه يكتب عن الوطن والحرية والمرأة اليهودية المرسلة من الموساد والقيادة المتسرعة، ولأنه أيضا لا يوافق على مواقف الأدباء من اتفاقية السلام، وفوق هذا لأنه ضد الحرب الكلامية التي لا ضوابط أخلاقية لها.
6/10/1994
الخيبة -5-
وهو هناك، كان يتحدث للآخرين عن وطنٍ يحتله الذين ذبحهم النازيون. لم يكن يكترث ان كان بين أولئك الذين يصغون اليه نازيٌ واحد قد يأتيه ليلا ليهدده أو يقتله.
وهو هناك، كان الوطن الذي لم يستطع أن يعود اليه، بسبب الانتفاضة وخوفا من عدم السماح له، ثانية، بالسفر، يحضر الى غرفته كل مساء. يشاهد الناس. يحزن على ما يجري، وقد يخرج عن طوره فيدخن سيجارة أو يشرب كأساً من النبيذ، وأحيانا يخرج الى الشارع ليمشي وحيداً حزينا علىما رأى.
وهو هناك، كان يقتل الوقت بالعمل حتى يعود الى الوطن : يتذكر أهله وأصدقاءه ومعارفه، ويحِن الى الشوارع المتسخة والساحات التي تعج بالفوضى والمقاهي المكتظة بالرواد، ولم يكن جمال الطبيعة الأخاذ قادراً على سرقة الوطن من قلبه. «انه وطني» كان يقول.
وهو هناك كان الوطن يفشي أسراره ويقول عنه مافيه وما ليس فيه، وكان الأهل والأصدقاء والمعارف ينسقون مع الذين يذبحونهم الذين كانوا، بدورهم ينسقون أيضا مع الذين ذبحوهم.
وهو هناك كان يحن الى هذا الوطن.
وهو هنا، في هذا الوطن، يحن الى ذاك الوطن.
6/10/1994
الخيبة -6-
ذلك الصديق الذي علّمه، ذات نهار، كان يبدو هادئا ووديعا، وحين التقى به، بعد عودته، قال له : «انني سأقف الى جانبك ما استطعت الى ذلك» وهنأه على نجاحه متمنيا له المزيد من التقدم.
ذلك الصديق أخذ يتردد عليه في مكتبه ويبثه أحزانه، يتحدث له عن الصعوبات التي يواجهها، ويطنب في الحديث عن أولئك الذين يحولون دون توظيفه، وبعد أن يتساءل عن السبب يهمس «ولكنهم سيرون!».
ذلك الصديق كان يبدي له وداً عجيبا، ويقول له ما يشيعه الآخرون عنه، ولم يكن يكتفي بذلك، فلقد كان يقص عليه كيف وقف الى جانبه وأخذ يدافع عنه عندما سمع تلك الاشاعات الباطلة.
ذلك الصديق تحدث له عن كفاءته العلمية وذكره بما افاد منه يوم كان طالبا من طلابه، وأخذ يفاضل بينه وبين زملائه الآخرين الذين لم يكونوا يرتقون الى ما ارتقى هو اليه.
ذلك الصديق كان يقول، للآخرين، عنه : انه لا يستحق الوظيفة وأنه هو الذي يحول دون توظيفه، وكان أيضا يشيع عنه ما أورده على لسان غيره، وكان، أمام الآخرين، يفاضل بينه وبينهم ليقول لهم، عكس ما كان قال له، وليذهب الى ما هو أكثر من ذلك، فيزعم أنه كتب له أطروحة الدكتوراة.
6/10/1994
الخيبة -7-
ابن المخيم الذي ولد بعيدا عن مدينته السليبة شتم، طويلا، القيادات العربية التي نادت بالصلح مع العدو الاسرائيلي، وحمّلها، دون غيرها، مسؤولية ضياع فلسطين وسوء الأوضاع التي يحياها وغيره من أبناء الأمة العربية.
ابن المخيم الذي عانى، في المخيم وفي غيره من الأمكنة التي عاش فيها، ما عاناه من مشاكل كثيرة كقلة فرص العمل وشح المياه وعدم الحرية في التنقل بين هذا البلد العربي وذاك.
ابن المخيم الذي شتم أباءه وأجداده حين كان هؤلاء يصفقون للحاكم العربي، ويقفون له احتراماً، ويخرجون ليهنئووه في المناسبات وفي غير المناسبات، ويعلقون صورته في البيت وفي مكان العمل.
ابن المخيم هذا الذي لم تأت اتفاقية اوسلو في 13/9/1994 على ذكر مشاكله وسببها وطرق حلها خرج في ذلك اليوم، يوم توقيع الاتفاقية، ليهتف للحاكم وليرفع صورته ويعلقها في كل مكان. ابن المخيم هذا هو نفسه الذي ما زال يعيش في المخيم الذي عاش فيه من قبل بشروط أقل سوءاً.
6/10/1994
الخيبة -8-
وهو هناك، استلم الرسالة الأولى من صديقه الأستاذ الجامعي الذي أهمل الرسالة التي ارسلها له قبل عامين يسأله فيها عن احواله، ويطلب منه أن يراسله حتى يظل على اتصال بأخبار الناس وأحوال الوطن، وحتى يطرد قليلا من برد الغربة.
وهو هناك فرح كثيرا وهو يقرأ الرسالة التي جاءت، بعد عامين، جوابا على الرسالة التي كان أرسلها، وهمس : « ما زال الناس بخير»، ثم أخذ الرسالة وعلقها على باب الغرفة ليقرأها كلما انتابته موجة حنين الى أرض الوطن وناسه.
وهو هناك أهمل الرسالة الثانية التي استلمها بعد الرسالة الأولى بأسبوعين لأنه أدرك أن الأولى لم تكن الا توطئة للثانية التي يطلب فيها منه أن يتصل له باستاذ جامعي يوافق على استضافته لمدة شهرين ونصف في الصيف القادم، ولكنه عاد وفعل ما ورد فيها وسأل المؤسسة التي كان زميله على اتصال معها ان كانت وافقت له على الزيارة.
لم يكن يدري، وهو هناك، أن صديقه الذي اتصل به في منتصف الليل ليسأله عمّا فعل، كان ينسق مع المؤسسة نفسها، ويقول لها ما يعرف عنه وما لا يعرف، وأنه لم يكن بحاجة الى رسالة أستاذ جامعي يبدي له فيها استعداده لاستضافته. فصديقه هذا كان باعه منذ زمن، وبالتحديد يوم لم يكتب له رداً سريعاً على رسالته الأولى التي كان أرسلها اليه ولم يأت الرد عليها الا بعد عامين.
الخيبة -9-
مساء ذلك الصباح الذي نهضت فيه مبكراً لأصل الى الجامعة وأذهب في رحلة الى مدينة البتراء ذرعت شوارع عمّان الرئيسة. مررت على المقاهي التي كنت أتردد عليها وأصدقائي لنجلس سوية نشرب الشاي ونتذكر أخبار الوطن فلم أجد ايا منهم.
مساء ذلك الصباح ذهبت الى مبنى الجريدة لاستلم المكافأة التي وعد صاحب الجريدة أن يصرفها، في ذلك اليوم، حتى أتمكن من الذهاب في رحلة، وسألت عن المسؤول المالي الذي غاب، على ما يبدو، بالاتفاق مع صاحب الجريدة فلم ألقّ جوابا.
مساء ذلك الصباح تابعت طريقي باتجاه البيت الذي أقيم فيه في حي الأشرفية فلم أجد سيارة تقلني الى ذلك الحي. انتظرت طويلا ثم تابعت المسير، وكنت آمل أن أجد صديقي في الغرفة حتى نثرثر معا فأنسى ما ألم بي، غير أني لم أجده.
ذلك الصباح أفقت في الساعة السادسة. تناولت قطعة من البسكويت وشربت القهوة، ثم سرت باتجاه منزل صديقي الذي قرّر ان يذهب معي، بعد أن وعدنا الفتاتين بالذهاب معهما الى البتراء، فوجدته نائما.
ذلك الصباح انتظرت الفتاتان، ثم صعدتا، مع غيرهما، في الباص قبل الأخير، على أمل أن نفي بوعدنا ونلحق بهما في الباص الذي يليه، الباص الذي حين هممنا بالصعود اليه نادى علينا المسؤول ليبدي اعتذاره، فالمقاعد الخالية محجوزة للاساتذة الذين عليهم أن يصطحبوا الطلبة.
الخيبة -10-
ظهيرة ذلك اليوم من شهر تشرين ثاني كان الجو بارداً في مدينة الحرية التي كان يتعلم فيها اللغة الالمانية، ولعن، بسبب برودة الجو، اليوم الذي سبق اليوم الذي هو فيه لأن الجو كان، نوعاما، حاراً، وبالتالي كان يوحي له أن بامكانه غدا أن يخرج بدون سترة.
ظهيرة ذلك اليوم ذَهَبَ الى مطعم الطلبة ليتناول وجبة الغداء، فقد كان جائعا، ونصحه الاساتذة وغيره من الطلبة ممن جاؤوا من امريكا اللاتينية، أن يأكل جيداً فالنبيذ يضر بصحة الشخص الذي يحتسيه، ان احتساه وهو جائع. غيره أنه، لما رآى وجبة الطعام التي بدت غريبة، لم يأكل شيئا.
ظهيرة ذلك اليوم تسكع وزميل آخر في شوارع مدينة الحرية حتى يقتلا الوقت المتبقي لانطلاقة الباص في الموعد المحدد. مرّا على فتاتين تعملان في مكتب «سافِرْ مَعْ» وأخذ يسألانهما عن امكانية السفر، في نهاية الاسبوع، الى مدينة أخرى، غير أنهما لم يفهما ما قالته الفتاتان لهما.
ظهيرة ذلك اليوم، واصلا المشي، باتجاه المكان المتفق عليه للذهاب مع الطلبة والاساتذة الى مصنع النبيذ حتى يريا كيف يصنع ويحتسيا منه ما استطاعا، غير أنهما حين وصلا كان الباص قد انطلق للتو.
6/10/1994
الخيبة -11-
يزورك الصديق بعد عودتك. يبدي لك وداً كبيراً. يعبر عن احترام عميق يكنه لك. وبعد أن تنفقا ساعتين من الوقت وأنتما تثرثران في أمور شتى يهم بالمغادرة، ولا ينسى أن يدعوك لزيارته وتناول الطعام معا.
يلتقيك الصديق في الشارع. تلحظ، من بعيد، ابتسامة عريضة تعلو على شفتيه. يدعوك لتناول بعض الحلوى أولاً ثم احتساء القهوة من بعد. يأخذ رأيك في بعض ما يكتب ويطلب منك أن تساعده في قراءة بعض النصوص التي أشكلت عليه عروضاً.
تزور الصديق في بيته. تسلم على زوجته وتداعب أطفاله، وتتناولان معا طعام الافطار، ويبدأ، من ثمّ، حديثه عن البناية الجديدة والبحوث المنجزة وصعوبة الحياة، ويسألك ان كنت تنوي الاقدام على مغامرة جديدة، ثم يعبر عن حزنه لما ألمْ بك، ويشهد الله أنه كان - وما زال- يعمل لصالحك أسريا وعلميا.
تلتقي والصديق في المؤسسة. يدعوك لاحتساء الشاي معا. يدخن سيجارة ثم يطلب منك أن تكتب له، على المغلف الذي كتبت ما بداخله، عنوان ذلك المستشرق الذي يود زيارته في الصيف القادم.
الصديق هذا هو نفسه الذي كان يقول، بعد أن تفترقا، كلاما لا يعبر عن ذاك الود الذي كان قبل الفراق بدقائق، وهو نفسه الذي أخذ، من خلال قريبته التي تدرسها، يشوهك علميا ويقول لذلك المستشرق، عنك، انك غيّرت تخصصك في الدراسة.
7/10/1994
الخيبة -12-
يأتيك الكاتب كل نهار جمعة. يسرقك من أطفالك وزوجتك. تنفقان معاً، في القدس، النهار كله وأنتما تتحدثان والكتاب الناشئين عن ضرورة تطوير الحركة الأدبية والثقافية ودفعها للأمام. وحين تبدي أحيانا، عدم الرغبة في السفر يتهمك بالبرجزة وعدم ابداء الاستعداد للتضحية في سبيل الوطن.
تلتقي والكاتب في الشارع، فيحدثك عن تضحياته الجسام. يقص عليك أشياء وأشياء عن السنوات التي أنفقتها في السجن دفاعاً عن الفكرة التي يتبناها : مقاومة الذين يدعون الى الحكم الذاتي ومواصلة النضال من أجل اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ودحر الاحتلال.
تزور الكاتب في البيت وتنجزان المجلة التي سيصدرها الفصيل الذي ينتمي اليه. يتحدث عن الرفاق الأشاوس. يمدحهم ويشيد بنضالاتهم وتضحياتهم. يخبرك، مثلا، كيف أن فلاناً سهر ليالي عديدة وهو يطبع المواد دون أن يتقاضى أي أجر.
الكاتب هذا هو الكاتب الذي ينفق، الآن، نهار الجمعة مع زوجته وأطفاله، وهو نفسه الذي يدافع بقوة عن الحكم الذاتي والتحاور مع الاسرائيلين، وهو نفسه الذي يشتم الرفاق الذين ظلوا على ما كانوا عليه، ويتهمهم بأنهم انتهازيون، تماماً كما يتهمك بأنك لست سوى برجوازي صغير.
7/10/1994
الخيبة -13-
تتردد الفتاة عليك. تطلب منك أن تساعدها في بعض الأمور، وحين تغدرك تذهب الى مكتب زميل لك لتقص عليه كل ما قلته لها. تزعم مثلا أنك لا تعرف، وأنت المختص، في هذا الموضوع أو ذاك ما يدرج تحت تخصصك.
ترى الفتاة في الممر فتأتي فرحة لتحدثك عمّا كتبته في الجريدة. تستفسر منك عن بعض النقاط التي وردت في المقال، ثمّ تقول لك شيئا لم يرد في المقال لتسألك عنه، كما لو أنه ورد في المقال، وبعد ان تفترقا تزعم أنك لست كاتبه - اي المقال-.
تزورك الفتاة فتتذكر الفتاة الألمانية التي تشبهها. تحمل الحقيبة السوداء في يدها اليمنى لتقول لك ان شهادتك سوداء، وأحيانا تتمادى في لغتها الاشارية فتضع يدها على أذنها اليمنى لتقول لك انك أذن. وقد تعلم أنك من أصحاب الحوار مع الاسرائيليين فتتحدث لك عنهم وعن زيارات قريبها لمعهد خاص أنشأه الاسرائيليون حتى يشجعوا، من خلاله، اللقاءات مع الفلسطينيين.
الفتاة هذه هي الفتاة نفسها التي تأتي الآن اليك لتقول لك أنها لم تعد على صلة بذلك الزميل، وأنك الأكثر اثارة في محاضراتك، كما أنها تسألك عن المقالات التي تكتبها لتأخذها حتى يقرأها آخرون مِمّنْ يهتمون بأمرك. وهي الفتاة نفسها التي تحمل حقيبة سوداء ذات ممسك أصفر اللون لتقول لك : انها غيرة الآخرين منك، وهي نفسها التي لم تعد تتحدث عن زيارات قريبها لمحاورة الاسرائيليين، لأنها عرفت أنك لست من أنصار الحوار.
7/10/1994
الخيبة -14-
يزورك كاسب كل صباح. يشرب القهوة معك. يتحدث لك عن مشاريعه التي ينوي القيام بها حين ينهي دراسته ويعود قافلاً الى أرض الوطن. ولا ينسى كاسب أن يذكرك بأيام جميلة قضيتماها، وأنتما تعملان، هناك في المؤسسة.
تلتقي وكاسب في الجامعة. يسألك عن بعض المصادر والمراجع ويخبرك عن حوارٍ تمّ بينه وبين صديق لم تعد تلتقي به. يقول لك انه يغار منك، ولا تكترث لما يقول، ويتابع كلامه مؤكداً لك بأنه دافع عنك دفاعاً قويا.
تجلس وكاسب في المحاضرة. يسألك عمّا فعلته مع الاستاذ «رجل السَمعْ» فتقص عليه وتساعده حتى ينجز ما هو منه مطلوب. ثم يهمس لك: «تلك الاستاذة التي أحضرتنا حقيرة. قالت لنا ونحن هناك نأتي الى هنا ونكتب الرسالة، فقد مدحت الجامعة العبرية التي درست فيها، وها هي هنا تختلف كليا، كما أنها لم تفِ بما وعدت به بخصوص العمل».
كاسب هو كاسب نفسه الذي انقطع عن زيارتك حين سلبته الفتاة عقله. وهو نفسه الذي، للسبب نفسه، أخذ يخاصم زوجته التي جلبت له، من الكنيسة الأموال. وكاسب هو الذي جلس، يوم اختلفت معه، مع ذلك الصديق الذي قصّ لك كل ما قاله لك ووعدك أن يدافع عنك دفاعاً قويا. وهو أيضا نفسه الذي أخذ يشيد بالدكتورة التي وعدته أن تقرأ له، وبسرعة، وغضّت الطرف عن مواصلته الحضور الى الجامعة لأنه أخذ يعمل عملاً أسود.
7/10/1994
الخيبة -15-
تأتي الزوجة، وأنت جالسٌ على كرسيك وراء طاولتك، فتقدم لك القهوة. تحضر سيجارة تدخنانها معاً ثم تنظر في الأوراق التي كتبت، وتهمس : « ما دمت أنهيت الفصل الأول من أطروحة الدكتوراة فسنخرج معاً في رحلة».
تسألك الزوجة ان كنت استلمت راتب المنحة، وحين تذهبان في الساعة الواحدة لاعادة الاطفال الى الروضة تصطحبك الى المحل التجاري. تبدي لك قليلا من التردد ثم تفصح عن رغبتها في اقتناء ذلك المعطف الشتوي الأنيق، فتشتريه لها دون تردد.
تشعر الزوجة بالضجر لكثرة الجلوس في المنزل. تطلب منك أن تخرجا مساءً، بعد أن ينام الأطفال، وتخبرك أن صديقتها الامريكية أبدت استعدادها للبقاء في المنزل حتى تعودا. وتذهبان لتنفقا ثلاث ساعات في مقهى هادىء.
الزوجة هذه هي الزوجة نفسها التي قالت عنك حين اختلفتما انك كنت تعتمد على الطلبة في كتابة رسالة الدكتوراة، وهي نفسها التي قالت لأهلك ولأهلها أيضا، وكذلك للقاضي، انك بخيل. وهي نفسها التي زعمت أنك لم تخرج معها في اية رحلة، ولم تصطحبها، مساءً للخروج الى مقهى من تلك المقاهي الهادئة الرائعة.
7/10/1994
الخيبة -16-
تتصل أمك بك، وأنت بعيد. تستفسر عن أخبارك في الغربة وتطلب منك أن تواصل البقاء هناك، حتى تنجز كل ما ذهبت لأجله فثمة أناس لا يتمنون لك أن تواصل رحلتك.
تذهب الأم، حين تخبرها عمّا ألم بك من مشاكل، الى أطراف عديدة وتخبرها بما قلته لها. تطلب منهم المساعدة ولا تستطيع النوم لأنها خافت مما قلته لها.
تأتي الأم لاستقبالك بعد عودتك حيا يُرزق. تفرح لأنك أنجزت ما أنجزت وعدت أخيراً. تعد لك الطعام. تسألك عما لاقيت وتلح عليك أن تنسى ما حدث وأن تقدم على حياة جديدة.
الأم هذه هي الأم نفسها التي مازالت، على الرغم من أنك طلبت منها، كما طَلَبَتْ منك، أن تنسى الموضوع نهائيا والا تتدخل في أمورك، ما زالت تلح عليك بعدم نسيان الماضي، وهي نفسها التي أخذت تضع لك في الطعام ما كانوا، هناك، يضعونه لك ليختبروا قواك وفحولتك.
7/10/1994
الخيبة -17-
يذهب مع صديقه الى مكاتب الشركة سابقا. يهربان من المطر ويتحدثان حديثا لا يتواصل. يصعدان الدرج المؤدي الى مكاتب الشركة. يلتقيان بأخ طالب يدرسه. يلمح له أن يقول ما يعرفه عنها. يحضر له آلة حاسبة سوداء، ويكتب مفردة «أكل». ولا يلتفت هو الى ما ألمحا اليه ويفترقان.
يزور وأمه وأخوه خالته في المستشفى. يلتقيان، هناك بابنائها. يتحدث الكبير عن الناس والحياة ويأتي على ذكرها. يرفع الكبير يده اليسرى التي تحمل ساعة سوداء، ثم يقول كلاما مغايراً لذلك الذي ألمح اليه صديقه يوم زارا مكتب الشركة سابقا. يقول: «لم يستطع أن يتزوجها فافترقا».
يراها تحت الدرج ترتدي الأبيض والأسود. تبدو عجيزتها، من خلال بنطال التايت الأبيض الذي ترتديه كبيرة بعض الشيء. يتحاوران اشاريا. لا يقول عنها اي شيء. يهمس : «ربما يكون الكلام مجرد اشاعات» ويتابع: «ففي هذه المدينة يجعلون من الفتاة التي ما زالت بكراً اماً لسبعة أطفال»، ويواصل ايامه دون ان يتغير موقفه.
الفتاة هذه، كما عرف من خلال الآخرين، أخذت تشيع عنه أنه أسود وأنه هومو وأن غيره ينجز له أعماله لأنه يظل في المنزل مستلقيا على الكنبة يشاهد البرامج التي يعرضها التلفاز الاسرائيلي ليل نهار.
7/10/1994
الخيبة -18-
يفكر الأب في طفلتيه طويلا. وهو هناك في بلاد الغربة، كان يلصق صورتهما على جدار الغرفة التي يقيم فيها وحيداً، وحين تزوره فتاة تفكر في الارتباط به، تسأله عنهما فيقول لها : انهما طفلتاي وتسأله من جديد: «وهل ستعود اليهما؟» «نعم» يجيب فتحزن الفتاة التي قد توافق على اقامة علاقة عابرة وقد لا توافق.
يترك بلاد الغربة ويعود. لا يفكر كثيراً فيما قالته تلك الفتاة الألمانية الممتلئة البضة الأجمل من كل الفتيات اللاتي رآهن هنا من قبل. وحين سألته ان كان سيبقى في المانيا بعد أن ينهى دراسته أجابها: «لا بد من أعود وبعد ذلك أقرر» ولم يواصل معها، لهذا ولغيره، اقامة علاقة.
يعود الأب الى وطنه. يضع صورة طفلتيه في غرفة ضيوفه. يعرف أنهما اسيرتان وأن ليس باستطاعتهما فعل شيء. يهمس: «هؤلاء الأطفال أحباب الله ونحن الذين نفسدهم فنلقنهم الكلام الذي لا يدركون معناه» ولا يضع عليهما اي ذنب حين لا تأتيان.
يفكر الأب في قادم الايام ويتساءل : ولكن ماذا ستقولان حين تكبران؟ ويتذكر ما قاله لأبيه : لقد جنيتم، أنتم جيل الآباء، علينا نحن جيل الأبناء، ويردد بيت المعري :
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد وعلى الرغم من ذلك يواصل النظر الى صورة طفلتيه.
7/10/1994
الخيبة -19-
تجلس وزميلك في الغرفة المطلة على البوابة الكبيرة. تراقبان المارة وتعلقان على الغادين والرائحين. يعجب زميلك بفتيات المدينة الجميلات، وحين يزرنه في المكتب لا يتردد في ابداء اعجابه بهن. يتحدث عن لطفهن وأناقتهن.
يمدح زميلك جهودك في الكتابة. يخاطبك قائلا: «تذكرني بماضي» ويتابع : «ويوم كنت في مثل سنك كنت أقاوم غير جهة». ولا يتردد الزميل لحظة واحدة في كتابة توصية لك، تعطي المؤسسة التي تقدمت لها بأبحاثك لنيل جائزتها، انطباعاً جيداً.
يزور زميلك هذا غير طالب. يحثهم على الكتابة في موضوعات شتى، ويعدهم بأنه سوف ينشر لهم ما يكتبونه، ويطلب منهم أن يبحثوا له عن هذا الموضوع أو ذاك في هذا المصدر أو ذاك. وحين ينجزون ما طلبه منهم يكتب اسمه مضافا الى أسماء الطلبة.
زميلك هذا هو زميلك الذي يتحدث عن عنصرية أهل المدينة وطيبة أهل الريف وبساطة فتياتهن اللاتي يقدرن الزوج ويحترمنه. وهونفسه الذي ذهب الى المؤسسة التي تقدمت لها لنيل جائزتها ليقول للمسؤول عنها انه يَلُصُ ابحاث طلابه.
7/10/1994
الخيبة -20-
يعود الرفيق بعد أن أنهى دراسته التي استغرقت خمس سنوات من عمره المديد. تلتقي به في المؤسسة فيسلم عليك سلاما حاراً. يسألك عن أحوال الوطن ويستفسر عن بعض الأصدقاء الذين لمّا يلتق بهم بعد.
يزورك الرفيق في المنزل ويتحدث معك عن فصيل الجبنة الدنمركية. يأتي على ذكر الانشقاق الذي تمّ ويشتم ياسر عبد ربه ورفاقه، ثم يعرض عليك أن تعمل معه في الصحيفة التي ستصدرها الجبنة الدنمركية التي ما زال ينتمي اليها.
يلفت الرفيق انتباهك الى تلك الفتاة ويحثك على الاقتراب منها. يقول لك انها فتاة رصينة عفيفة، ويتحدث عن رئيس المؤسسة حديثا غير ودي، ولا ينسى أن يطلب منك بعض ما تكتب حتى يرسله الى المجلة الناطقة باسم الفصيل.
رفيق الجبنة الدنمركية هذا، حين يلحظ أحيانا أنك لا تسير كما يريد لك أن تسير يبتعد عنك ويشوهك، وهو نفسه الذي حين يعرف انك تفكر بالارتباط بالفتاة التي ذكر اسمها لك وحثك على الاقتراب منها، يضع يده في جيبه ليقول لك انك تبحث عن المال، وهو نفسه الذي أخذ مؤخراً يتحدث عن رئيس المؤسسة حديثا فيه قدر غير قليل من الود.
7/10/1994
الخيبة -21-
تزور محاضرات استاذ الاستشراق الذي كنت كتبت له قبل خمس سنوات رسالة تسأله فيها إن كان على استعداد للاشراف على اطروحة دكتوراة تنوي كتابتها، فجاءك، يومها، الاعتذار من صديق لك كان يدرس معه ، لان الاستاذ لايحب ان يشرف على الطلبة العرب، فهؤلاء، لا يجيدون سوى لغتهم ثم انهم يأتون ليحصلوا على الدكتوراة دون ان يبذلوا جهدا كبيرا.
تتبادل واستاذ الاستشراق التحية، وقد تتبادلان، في الممر حيث ينتظر موعد محاضراته عن القومية العربية، حديثا عابرا . ولاتعرف عنه اي شيء سوى ماتقوله لك الطالبة الفلسطينية رائحة.
تبدأ حرب الخليج الثانية فيعتذر الاستاذ عن القاء محاضراته في النقد الادبي عند العرب، ويخوض في الامر الطاريء وحين يصغي الى رأيك يدعوك الى مكتبه فيسألك عن مصدر معلوماتك، تخبره انها مجرد اجتهاد شخصي حيث ذكرتك هذه الحرب بحرب عام 1967 التي انتظر العرب فبها حتى هوجموا فهزموا.
تغادر مكتب الاستاذ الذي استراح لانك لم تكن على صلة باية جهة فلسطينية، ولايصدق مايشاع عنك، وحين تطلب منه ان يكون مشرفا ثانيا على رسالة الدكتوراة، يستفسر منك عن السبب فتقول له الكلام نفسه الذي قالته له استاذتك عن خلافك مع استاتذك الثانية هناك.
يتأكد الاستاذ مما قلت ويرى ان ما أشاعه الآخرون عنك كان باطلا، ويقول لك، وانتما في الممر، في شهر آيار، انني اثق فيك علميا مائة بالمائة. وحين تغادر يفاوضك على ان تنسى كل ماحدث معك ويخاطبك بعبارة السيد الدكتور.
استاذ الاستشراق هذا هو نفسه الذي يشيع عنك الآن، لأنك لم تَنْسَ كل ما حدث معك، بل ودونته في نص روائي فقلت انه جَرّبَ في جسدك الأدوية بناءً على ماسمعه من الآخرين، انك لست كفئا علميا وانك لست سوى نزار قباني آخر.
8/10/1994
الخيبة -22-
يتصل بك قريبك من مدينة مانهايم. يخبرك انه قدم الى المانيا منذ اسبوع. تهنئه للحصول على المنحة وتحدد موعدا لزيارته. تذهب في الموعد المحدد لتقيم، عنده، مدة يومين يحدثك فيها عن الوطن الذي تركه ينتفض. يقص عليك اخبار الناس الشخصية وغير الشخصية. تشجعه على مواصلة الدراسة وتتمنى له ولزميله اياما جميلة هادئة.
يتصل بك قريبك في فترة اعياد الميلاد. يخبرك انه وحيد ، فقد غادر الطلبة كلهم الى اماكن اخرى، ويحدد موعداً لزيارتك. يأتي في الموعد المحدد فيستقبله الألماني الذي اسلم ويصطحبه الى البار حتى تعود من بيت فالتر التي دعتك لقضاء أمسية عيد الميلاد معها ومع زوجها وجارتها العجوز التي تقيم وحيدة في الشقة المجاورة.
تستقبل قريبك بفرح. تذهبان معا الى المنزل وتعد له طعام العشاء. تثرثران في امور شتى. يخبرك انه مستاءٌ جدا من تعلم اللغة وانه فكر في العودة الى الضفة الغربية لولا اتصاله الهاتفي مع امه التي طلبت منه ان لايبقى وحيدا وان يزورك.
تعطي قريبك، لانك اوشكت على انهاء الدراسة والعودة، ماعندك من اغراض: التلفاز وأواني المطبخ والأغطية، وتذهب لتقيم، معه، في شقته لمدة أسبوعين. وهناك يعلمك انه بحاجة الى مبلغ خمسة الآف مارك ليضعها في المصرف حتى يسمحوا له باستدعاء زوجته والاقامة في المانيا.
قريبك هذا كان يحصي عليك حركاتك كلها ويتصل، هاتفيا، بجهة ما ليخبرها عن تصرفاتك. وهو نفسه الذي اخذ يسهم، فيما بعد، بالاساءة اليك علميا، فيردد ما يقوله استاذ الاستشراق الذي كان على صلة به. قريبك هذا كان يفعل ذلك لأنه كان يخشى من الفشل والعودة خائبا.
8/10/1994
الخيبة -23-
تتذكر ذلك الرفيق جيدا. يقدمه لك صديقك الصحفي فيخبرك هو عن دراسته التي اتمها في احدى الدول الاشتراكية. يمدح البلد الذي منحه الشهادة، ويشتم الامبريالية التي يزعم انها ستؤول الى خراب، خلافا للاشتراكية التي سيكون انتصارها حتمية تاريخية.
تتذكر ذلك الرفيق جيدا. يحدثك عن دراسته في احدى جامعاتنا المحلية وعن صداقاته المتعددة مع الفتيات اللاتي درسن معه، يحدثك عن هذا بفرح لايوصف، فرح لايختلف عن الفرح الذي يلم به وهو يتذكر الفتيات اللاتي عرفهن يوم كان يدرس في تلك الدولة الاشتراكية.
تتذكر ذلك الرفيق جيدا. يحدثك عن العلم والعلماء هناك حين يشتم الدراسة والتدريس هنا. يقول لك : كل استاذ جامعي هناك يشكل مدرسة خاصة، له تلاميذه واتباعه وكتبه التي لاتعد ولاتحصى.
ذلك الرفيق اخذ يردد انه لم يعد بؤمن بالحتمية التاريخية، كما اخذ يصف الفتيات اللاتي يصادقن شخصا باللااخلاقيات، واخذ يسعى للحصول على مِنْحَة دراسية في الولايات المتحدة ليمحو، كما يقول، العار الذي ألمّ به يوم حصل على شهادة من احدى الدول الاشتراكية، وبخاصة ان المؤسسة التي يعمل فيها تنظر باحترام الى اصحاب الشهادات القادمين من الولايات المتحدة.
الرفيق هذا تتكرر زياراته لمباني القنصليات الغربية دون ان يتذكر ما كان يقوله عن اولئك الذين ترددوا عليها من قبل.
8/10/1994
الخيبة -24-
تلتقي والسيدة العجوز التي فضلت، بعد أن رأت ما رأت من فارق بين البلدين، البقاء في المانيا الغربية على العودة الى المانيا الشرقية، وتبتسم لك حين تقول أمامها انطباعاتك التي تكونت لديك بعد زيارتك الأولى لبرلين الشرقية.
تمدح السيدة العجوز الوضع في المانيا الغربية وتبحث لها عن وظيفة. وحين تلتقيان تتبادلان التحية وقد تخوضان في موضوعات شتى أبرزها الشكوى المتبادلة من سوء سلوك المسؤولة عنكما. تشكو لها همك وتشكو لك همها. تثق فيها وتثق فيك، فقد ارتاحت لك كما ارتحت لها.
تستدعيك السيدة العجوز الى منزلها. تطلب منك أن تساعدها في قراءة بعض النصوص التي أشكل فهمها عليها. تشربان، معا، القهوة، ثم تزورك في منزلك فترد لها، فيما بعد الزيارة. وحين تلتقيان في المكتبة تستفسر منك عمّا كتبت وتطلب منك أن تحضر لها الفصول التي أنجزت لتقرأها. تذهب اليها ظهيرة يوم الجمعة، وبيدك أوراقك، فتجلس السيدة العجوز بالقرب منك بعد أن كانت أعدت، لك ولها، وجبة غداء مكونة من رغيفين من البيتزا. تقبلك ثم تمد يدها ...، فتعتذر وتغادر.
السيدة العجوز التي وثقت فيها وارتَحْتَ لها وبثَثْتَها همومك، تماماً كما وثقت فيك وارتاحت لك وبثتك همومها هي السيدة العجوز نفسها التي أخذت تشيع عنك أنك تتناول الحشيش وتكرر ما يقوله الآخرون عنك من أنك عاجز جنسياً.
9/10/1994
الخيبة -25-
يزورك أبوك الذي تقاعد منذ عشر سنوات أو أكثر. يجلس معك على الشرفة. يدخن سيجارة امبريال ويطلب منك أن تصنع له الشاي الذي تعدّه باتقان. يمدح الانجازات الت حققتها ويقارن بين ما أنجزته أنت وما أنجزه اخوتك. ثم يعطيك سيجارة امبريال، وسرعان ما يطلب منك شيئا ما.
يذكرك أبوك بما كان فعله لأجلك ولأجل اخوتك يوم كنتم صغاراً. يتذكر ماضيه جيداً. يتحدث عن شبابه ويقص عليك بعضاً من مغامراته يوم كان في فلسطين التي أصبحت بعد أن هجّر منها اسرائيل. يذكر أسماء الفتيات اليهوديات اللاتي عرفهن واحدة واحدة ويبدأ بترداد مقطع من أغنية عبرية حفظها منذ تلك الايام.
يدخن أبوك سيجارة ثانية. يتحدث عن الجيران الذين كانوا، بدورهم، يتحدثون عن غيرهم من الجيران الحديث الذي يعيده على مسامعك، ويأتي أيضا على ما كان أصغى اليه صباح هذا اليوم، حين كان في المخيم، فيقص عليك بالتفصيل ما قصه كل واحد عن معارفه وجيرانه وأناس المخيم. يكرر أبوك، كلما زارك، الكلام نفسه : فلان يتحدث عن فلان وينعته بأبشع النعوت، وفلان لا يتحدث الا عن شبابه وفحولته، وفلان يمدح الواحد منا فاذا ما انصرف أخذ يشتمه. يدخن أبوك سيجارته الثالثة ويشرب، من جديد، الشاي ويذهب.
أبوك هذا، حين لا تعطيه ما يريد، يقول لأخيك عنك الكلام الذي قاله لك عنه، ويتحدث عن جيرانه ومعارفه وأصدقائه بالطريقة نفسها التي يتحدثون فيها عن بعضهم البعض، وحين يأتي على ذكر أولئك الذين يمارسون سلوكاً لا أخلاقيا ينعتهم بأبشع النعوت، وحين تقول له مالا يسره يشتمك ويغضب عليك وقد يقاطعك لعدة أيام ترتاح فيها من سماع الشريط الذي يملكه، ولكنه يعود اليك، من جديد، ليمارس هوايته - هوايتهم.
9/10/1994
الخيبة -26-
يتصل بك رئيس تحرير الجريدة التي ستصدر عمّا قريب. يعرض عليك أن تعمل معه محررا ثقافيا، ويخبرك أن جريدته ليست ذات امكانيات كبيرة. يشكو كثيرا حتى تطلب قليلا، ويتوسم فيك الخير.
تكتب في الجريدة بلا مقابل. تذهب اليه وتزوره في مكتب الجريدة. تعطيه المقال، ليعطيه، بدوره، الى الطابعة التي تتباطأ في طباعته. تتحمل هذا ولا تغضب، لأنك تريد مساعدته حتى يحقق حلمه في اصدار الجريدة.
ينشر صاحب الجريدة ما تكتبه ثم يعترض، فجأة، على مقال كتبته تتحدث فيه عن ظاهرة شهدتها الضفة الغربية يوم عاد الملك حسين من سفره. ويوقف صاحب الجريدة المقال. يقول لك : أنا موظف أردني، فلا تكتب شيئا مثل هذا. تترك صاحب الجريدة وتغادر.
تمر الأيام فيسألك موظف فيها ان كنت على استعداد لتنشر من جديد. تعطيه مقالاً فينشره ليكون مقدمة لمقالات اسبوعية عديدة، ولا تسأل عن أي أجر. تقول له : ما أريده فقط ألاّ يشطب اي مقال. ولكن سكرتير التحرير، بالاتفاق مع رئيس التحرير، يشطب بعض الفقرات التي تمس الحكم الأردني والحكم الفلسطيني فتتوقف عن النشر.
رئيس التحرير هذا هو نفسه الذي كان يشيع أن هناك من يصحح لك ما تكتبه، وأنك توقفت عن الكتابة، في المرة الأولى، لأنك لم تتقاضَ أجراً على ما كتبته، وهو نفسه الذي، حين عاد من زيارة لأمريكا، أهداك قلما ذا لونين أبيض وأسود، قلما حبره أسود ليقول لك ان كتابتك سوداء، وهو نفسه الذي اعترضت على أسلوبه الصحفي في الكتابة، وأريته، حين صححت له مقالا، الطريقة المثلى للكتابة، وهو نفسه الذي يشتم، في السِرْ، بعض القيادات.
9/10/1994
الخيبة -27-
اليهودي الذي عرّفك عليه صديقك العربي الذي يقيم، في قريته، في البلاد التي كان اسمها فلسطين وأصبح اسمها اسرائيل يأتي بين الفينة والفينة ليحادثك. يريد أن يطرد الغربة التي يعاني منها بسبب الوحدة وعدم الانسجام مع الألمان الذين يبدون عنصريين.
يتحدث لك اليهودي عن المذابح التي ارتكبها، بحق بني دينه، الأغيار. يأتي على ذكر البوغروم في روسيا القيصرية والهولوكست في المانيا النازية. يتكلم بنبرة حزينة ورثها عن أجداده الذين لاقوا العذاب على مدار آلاف السنين.
تحدث اليهودي عمّا يجري في المناطق المحتلة. تقول له ان الاسرائيليين يقتلون الفلسطينيين بوحشية كبيرة، وانك تشاهد هذا من على شاشة التلفاز الألماني والفرنسي، وحين يسألك عن رأيك في الحل تقول له : يوافق الفلسطينيون على اقامة دولتين في فلسطين، فيبدي امتعاضه من هذا الكلام.
اليهودي هذا الذي يتحدث عن عدم قدرته على الانسجام مع الألمان لا يفكر الاّ في فتاة يهودية، فتاة تعرف تقاليد يوم السبت جيداً. وهو نفسه الذي يوافق على ضرب العراق وتدميرها ومن ثم حصارها، وهو نفسه الذي يجد مبرراً لما يفعله الاسرائيليون بأهل الضفة الغربية وقطاع غزة، وحين تقارن بين ما فعله النازيون بهم وما يفعلونه بالفلسطينين تثور ثائرته ويتهمك بأنك إرهابي.
9/10/1994
الخيبة -28-
تنظر الى الفتاة التي تنظر اليك باحترام، باحترام مماثل. تتبادلات النظرات، وسرعان ما تتبادلان حديثا عابراً. تعرفك بنفسها وتقص عليك شيئا من أخبار أسرتها لتشعرك بالود الذي تكنه لك، فتبادلها الشيء نفسه.
تزورك الفتاة في مكان عملك. تسألك عن بعض الأشياء التي تعرف فيها جيداً. وتستأذن منك أن تجلس قليلا، فتأذن لها. تتكلم بفرح وتشعر بالطمانينة فتعرض عليك أن تذهب لتحضر، لك ولها، القهوة.
تزورك الفتاة من جديد. تسألك العديد من الأسئلة عن أحوالك الشخصية، فتستغرب أنت من المعلومات التي جمعتها عنك. وتطلب منك نسخة من كتاب ألفته، كما تحدثك عن مقالك الأخير عن الشاعر اراحل ولا تبدي أي تعليق سلبي. وتغادر الفتاة.
الفتاة هذه هي الفتاة نفسها التي أخذت تشيع أنك أنت الذي لاحقتها وسألتها عن أحوالها سؤال مخبر مختص وهي نفسها التي أظهرت لك، حين لم تبد استعداداً لاقامة علاقة معها، من البغض بمقدار الود الذي أظهرته في البداية، وهي نفسها التي أخذت تشرب القهوة بطريقة مبتذلة، كما أنها هي نفسها الفتاة التي كانت تحمل في حقيبتها مسجلا لتسجل الحوار الذي دار بينك وبينها، وفوق هذا كله فهي الفتاة التي أرسلت لك مع صديقة لها ورقة كتبت لك فيها أنك لا تختلف كثيراً عن الشاعر الذي كتبت عنه، الشاعر الذي هو أفضل منك.
9/10/1994
الخيبة -29-
يجلس أخوك، مساءً، بالقرب منك. ينظر الى التلفاز ليشاهد الصور التي يعرضها المحرر في نشرة الأخبار. يتأفف حين يصغي الى المذيع وهو يتحدث عن الضرائب المفروضة وفصل المعلمين واغلاق المحلات التجارية ومنع التجول. يتحسس جيبه ليرى ان كانت هويته الاسرائيلية في جيبه، فتهمس: محتلون ونحن في بيوتنا.
تنظر في أحوال أخيك فلا يعجبك وضعه. تَحزَنْ للبطالة التي يعاني منها الفلسطيني بسبب ظروف الاحتلال، وتفكر في أمر الانتفاضة وجلوس الناس على رصيف الدكان بعد الساعة الثالثة ظهراً. وتحاول مساعدة أخيك نوعا ما. فتقول: «مساكين هؤلاء الشباب. انهم يعانون من مشاكل عديدة : السكن والأسرة والبطالة». وتصمت.
تكتب لأخيك الرسائل وتحافظ على منزله في غيابه. تسأله، عن أحواله، ولا تتردد، حين يعود، في العمل على مساعدته، ولكنك تفشل، فَأنتَ لا تعرف للواسطة سبيلا. تتذكر ما ألم بك يوم ذهبت لتسأل المدير ان كان باستطاعته أن يساعده: تصبب جسدك عرقا وَشرِبْتَ الشاي وانصرفت دون أن تقول شيئا.
أخوك هذا يصبح ملازما لك ملازمة هويته الاسرائيلية له. لا يختلف عن الآخرين. يراقب حركاتك و يزعم أنك لم تساعده اطلاقا، ويروج ما أشاعه الآخرون عنك، وهو أخوك الذي يفتح، في غيابك عن منزلك المنزل ليقرأ الأوراق التي تركت ويقول ما فيها للآخرين.
9/10/1994
الخيبة -30-
وأنا صغير صفقت مع الذين صفقوا لجمال عبد الناصر فهزم جمال عبد الناصر.
وأنا صغير كنت أرى الدنيا كلها أبا وأما وحين كبرت رأيت أنها غير ذلك.
وأنا صغير حلمت بيافا والبحر وتحرير فلسطين وغنيت مع من غنوا «عائدون» والآن أرى الذين غنوا لهذا وحلموا به يقتلون الذين يواصلون الحلم.
وأنا في مقتبل العمر صفقت للمنظمة ورددت أغانيها «دبوا النار بها الخيام وارموا كروتة التموين» والآن يطلب مني الذين علموني هذا أن أصمت.
وأنا في مقتبل اعمر كنت صديقا للرفاق الذين كانوا يأتون لأساعدهم في النادي واصدار المجلة، والآن يتهمني الرفاق بأنني برجوازي صغير.
وأنا في مقتبل العمر كنت ناقدا صحفيا وكاتبا قصصيا ومحرراً ثقافيا، ولم يكن يومها يكتب الا القليلون، والآن أنا لص أكاديمي وكاتب غير موهوب.
الآن وأنا في خريف العمر أنظر خلفي وحولي فلا أرى مما كنت أراه وأحلم به سوى :
- الاقرار بالهزيمة واعتبارها نصراً
- التصفيق، ليل نهار، للقائد الذي لم ينجز لبلاده اي شيء.
- الحنين الى حكم ملك ضاعت، خلال حكمه، نصف مملكته وظل ملكا.
- القبول بأقل من الحكم الذاتي على الضفة الغربية وقطاع غزة.
- مسخ القضية الفلسطينية ونسيان ما ألم بالفلسطينيين واعتبار ذلك ضربا من العيش في الماضي الذي كله كراهية.
- السعي الدؤوب من أجل الحصول على مساعدات من الأمم المتحدة، خلافاً لما كان حيث اعتبرنا ذلك ذلاً وعاراً.
الآن اقرّ واعترف بأنني رجل خائب في كل شيء، فلا تستغربوا لماذا كتبت قصص الخيبة والمفارقة !! ويبدو أن الشيء الوحيد الذي لم أخب فيه هوكتابة القصص التي لا أدري ما هو موقف النقاد منها. آمل ألاّ أكون خيبت آمالهم !!.
9/10/1994
أن أعود مع المساء
بشبكة خاوية
وسمكةٍ مُشتراة ]
توفيق صايغ
الخيبة -1-
ذلك الصباح أفاق حرب مسروراً. حمل أوراقه واتجه الى مبنى الادارة المدنية حتى يحصل على اذن بالسفر. همس : «ها هي، أخيراً، اتفاقية السلام تنجز شيئا ما، سوف يسمحون لي بالسفر». وكان حرب الذي ينتمي الى فصيل معارض، في ايامه الأخيرة، يبدي عدم اكتراث لما يجري، فقد اكتفى بما اكتفت به فصائل المعارضة، في معظمها : الرفض اللفظي لاتفاقية السلام.
ذلك الصباح، سار حرب في الشارع مزهوا. مّر بالقرب من المكتبات التي تعرض صحف الصباح. تصفح عناوينها بسرعة واقفا عند الاخبار التي تتعلق باتفاقية السلام. قرأ منها ما هو ايجابي، ولم يلتفت يميناً أو يسارا. لم يلتفت الى صديقه الذي وقف بالقرب منه منتظرا أن يلتفت اليه.
ذلك الصباح، ذهب حرب، كعادته، الى المقهى الذي يذهب اليه كل يوم. تناول كأساً من «القينر» حتى يشعُرَ بالدفءِ ويطردُ قليلا من برد شباط اللعين. وتحدث بفرح الى صديقه الذي ذهب معه الى المقهى. قال له : لقد ذهبت، قبل اسبوع، الى مبنى الادارة المدنية وسمحوا لي بالسفر. وها أنا ذاهب اليوم لأحصل على التصريح. وصمت قليلا ثم أضاف : «وها هي اتفاقية السلام تعود علينا ببعض المنافع. صحيح أنني معارض، ولكنني فرح لها على مستوى شخصي».
بعد اسبوع من ذلك الصباح كان صديق حرب، يذرع الشوارع كعادته. مّر بالقرب من المكتبة. ألقى نظرة على عناوين الجرائد. سار باتجاه المقهى. شرب الشاي وذهب وهو يهمس : « الحمد الله : لقد سافر حرب اذن، فشكراً لاتفاقية السلام ». وأخذ، من جديد، يذرع الشوارع، تماما كما كان حرب نفسه، منذ الصباح، يذرع الشوارع نفسها.
6/10/1994
الخيبة -2-
مساءً اجتمعت العائلة لتصغي الى نشرة الأخبار المصورة التي يقدمها التلفاز الاسرائيلي. وخلافا للمرات السابقة التي كانت فيها العائلة لا تكترث للنشرة وما يرد فيها حيث كانت تثرثر أكثر مما تصغي، فقد ساد الصالة جو من الهدوء.
مساءً كان المذيع يقرأ نشرة الأخبار ويتحدث عن الاتفاق الذي وقعه الطرفان: الفلسطيني والاسرائيلي، الاتفاق الذي بموجبه، كما قال المذيع، سيفرج عن آلاف الأسرى المعتقلين في السجون الاسرائيلية.
مساءً، بعد نشرة الأخبار، ساد المنزل جو من الهرج والهرف. أخذ الكبير يتحدث عمّا سيقدمه الى أخيه عند لحظة خروجه. قال انه سيذبح له خروفين بالتمام والكمال، وسيحضر أيضا المشايخ لاقامة احتفال ديني. وتحدث الأوسط عن المساعدات التي سيقدمها له. قال: لن أتركه وشأنه، لقد ضحى من أجل الوطن وفقد مصدر رزقه، ولا أقل من أن نجد له عملاً يعيش من ورائه. وكانت الأم، في هذه الأثناء، تعد لأبنائها الجالسين كؤوس الشراب احتفالا بخروج ابنها السجين.
كل مساء، ومنذ 13/9/1993، تجلس العائلة في الصالة نفسها. تقتح التلفاز ولا تكترث كثيرا لنشرات الأخبار. وغالبا ما يسود الجو هرج وصخب يدور حول موضوعات عديدة وغالبا ما يتساءلون عن موعد زيارة ابنهم وما سيأخذونه له أيضا.
كل مساء، تجلس العائلة التي ما زال ابنها يقبع في سجون الاحتلال الاسرائيلي غير مكترثة لكلام القيادتين الفلسطينية والاسرائيلية عن الامن والسلام العادل الشامل وحق تقرير المصير.
6/10/1994
الخيبة 3
الفتاة الطويلة النحيفة ذات الشعر المربوط تقف وراء ماكنة التصوير وتنجز عملها بغير شهية. تأخذ الأوراق من الزبون وتصورها وتعيدها، من ثمّ، اليه تاركة لزميلها أن ينهي الاجراءات المالية.
الفتاة الطويلة النحيفة كانت تتحدث عن السفر والخروج، ولو قليلا، من أجواء المدينة المحاصَرة المحاصِرة. «الجنود الاسرائيليون يحتلون المدينة، والناس يحتلون بعضهم البعض كانت تقول لذلك الشخص الذي أخذ يتردد على محلها لتصوير بعض الأوراق.
الفتاة الطويلة تجلس، تارةً، وحيدة، وطورا تغادر المحل لتشرب، في الكافتيريا القريبة، القهوة. تجلس وتأخذ تراقب المارة، لتتحدث، فيما بعد، لزميلها عن حركات الفتيات والفتيان.
الفتاة الطويلة أخذت تنتظر ذلك الشخص الذي أخذ يتكرر يوميا ليصور وثائقه، القديمة وليواصل، في الوقت نفسه، مع الفتاة الحوار الذي لم يكتمل، وليصغي ايضا الى أحاديثها عن السفر والدراسة والحرية وعن أحواله الأسرية التي لفتت انتباهها، لتصبح محور تفكيرها.
الفتاة الطويلة شغلت حيزاً من تفكيره، وحين كانا يلتقيان يتبادلان التحايا، ويدعو أحدهما الآخر لشرب القهوة ومواصلة الحديث، وأخذ يفكر في أمرها جيدا، فقد بدت له هادئة ووديعة ومتزنة.
الفتاة الوديعة الهادئة المتزنة كانت، بعد أن يفترقا، تنقل كل ما أصغت اليه الى الآخرين، وكانت مع الايام تذبل رويداً رويدأ. وكان هو يواصل صعود الدرج، دون أن يلتفت اليها. لقد كانت وثائقه كلها عند الآخرين.
6/10/1994
الخيبة -4-
الشاعر الذي أعجب به وأخذ يقرأ له ويكتب عنه العديد من المقالات، ما زال يقيم هناك، بعيداً عن أرض الوطن الذي لم يتحرر، لأنه لا يريد أن يعود الى وطن يحتله أعداء يوافقون على عودته ضمن شروط مذلة.
الشاعر الذي أعجب به، ما زال يواصل كتابته عن الوطن والحرية والمرأة اليهودية التي أحبها، ذات نهار، غير مكترث للفارق القومي، قال لها : «كل قومياتنا قشرة موز» وتابع : «والحب مثل الموت وعد لا يُرَدّ ولا يزول».
الشاعر الذي أعجب به، ما زال عند رأيه، فيما كتبه، بخصوص الثورة وأوضاعها الداخلية. فهو ينتقد القيادة لتفردها في اتخاذ القرار، وقد انسحب منها لأنه غير راضٍ عن اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والاسرائليين. وهو يكتب عن حرب كلام لا ضوابط أخلاقية لها.
الشاعر الذي أعجب به يقف الى جانب أولئك الذين يشوهونه لأنه يتحدث عن العودة غير المحمودة للقيادة الفلسطينية ولأنه يكتب عن الوطن والحرية والمرأة اليهودية المرسلة من الموساد والقيادة المتسرعة، ولأنه أيضا لا يوافق على مواقف الأدباء من اتفاقية السلام، وفوق هذا لأنه ضد الحرب الكلامية التي لا ضوابط أخلاقية لها.
6/10/1994
الخيبة -5-
وهو هناك، كان يتحدث للآخرين عن وطنٍ يحتله الذين ذبحهم النازيون. لم يكن يكترث ان كان بين أولئك الذين يصغون اليه نازيٌ واحد قد يأتيه ليلا ليهدده أو يقتله.
وهو هناك، كان الوطن الذي لم يستطع أن يعود اليه، بسبب الانتفاضة وخوفا من عدم السماح له، ثانية، بالسفر، يحضر الى غرفته كل مساء. يشاهد الناس. يحزن على ما يجري، وقد يخرج عن طوره فيدخن سيجارة أو يشرب كأساً من النبيذ، وأحيانا يخرج الى الشارع ليمشي وحيداً حزينا علىما رأى.
وهو هناك، كان يقتل الوقت بالعمل حتى يعود الى الوطن : يتذكر أهله وأصدقاءه ومعارفه، ويحِن الى الشوارع المتسخة والساحات التي تعج بالفوضى والمقاهي المكتظة بالرواد، ولم يكن جمال الطبيعة الأخاذ قادراً على سرقة الوطن من قلبه. «انه وطني» كان يقول.
وهو هناك كان الوطن يفشي أسراره ويقول عنه مافيه وما ليس فيه، وكان الأهل والأصدقاء والمعارف ينسقون مع الذين يذبحونهم الذين كانوا، بدورهم ينسقون أيضا مع الذين ذبحوهم.
وهو هناك كان يحن الى هذا الوطن.
وهو هنا، في هذا الوطن، يحن الى ذاك الوطن.
6/10/1994
الخيبة -6-
ذلك الصديق الذي علّمه، ذات نهار، كان يبدو هادئا ووديعا، وحين التقى به، بعد عودته، قال له : «انني سأقف الى جانبك ما استطعت الى ذلك» وهنأه على نجاحه متمنيا له المزيد من التقدم.
ذلك الصديق أخذ يتردد عليه في مكتبه ويبثه أحزانه، يتحدث له عن الصعوبات التي يواجهها، ويطنب في الحديث عن أولئك الذين يحولون دون توظيفه، وبعد أن يتساءل عن السبب يهمس «ولكنهم سيرون!».
ذلك الصديق كان يبدي له وداً عجيبا، ويقول له ما يشيعه الآخرون عنه، ولم يكن يكتفي بذلك، فلقد كان يقص عليه كيف وقف الى جانبه وأخذ يدافع عنه عندما سمع تلك الاشاعات الباطلة.
ذلك الصديق تحدث له عن كفاءته العلمية وذكره بما افاد منه يوم كان طالبا من طلابه، وأخذ يفاضل بينه وبين زملائه الآخرين الذين لم يكونوا يرتقون الى ما ارتقى هو اليه.
ذلك الصديق كان يقول، للآخرين، عنه : انه لا يستحق الوظيفة وأنه هو الذي يحول دون توظيفه، وكان أيضا يشيع عنه ما أورده على لسان غيره، وكان، أمام الآخرين، يفاضل بينه وبينهم ليقول لهم، عكس ما كان قال له، وليذهب الى ما هو أكثر من ذلك، فيزعم أنه كتب له أطروحة الدكتوراة.
6/10/1994
الخيبة -7-
ابن المخيم الذي ولد بعيدا عن مدينته السليبة شتم، طويلا، القيادات العربية التي نادت بالصلح مع العدو الاسرائيلي، وحمّلها، دون غيرها، مسؤولية ضياع فلسطين وسوء الأوضاع التي يحياها وغيره من أبناء الأمة العربية.
ابن المخيم الذي عانى، في المخيم وفي غيره من الأمكنة التي عاش فيها، ما عاناه من مشاكل كثيرة كقلة فرص العمل وشح المياه وعدم الحرية في التنقل بين هذا البلد العربي وذاك.
ابن المخيم الذي شتم أباءه وأجداده حين كان هؤلاء يصفقون للحاكم العربي، ويقفون له احتراماً، ويخرجون ليهنئووه في المناسبات وفي غير المناسبات، ويعلقون صورته في البيت وفي مكان العمل.
ابن المخيم هذا الذي لم تأت اتفاقية اوسلو في 13/9/1994 على ذكر مشاكله وسببها وطرق حلها خرج في ذلك اليوم، يوم توقيع الاتفاقية، ليهتف للحاكم وليرفع صورته ويعلقها في كل مكان. ابن المخيم هذا هو نفسه الذي ما زال يعيش في المخيم الذي عاش فيه من قبل بشروط أقل سوءاً.
6/10/1994
الخيبة -8-
وهو هناك، استلم الرسالة الأولى من صديقه الأستاذ الجامعي الذي أهمل الرسالة التي ارسلها له قبل عامين يسأله فيها عن احواله، ويطلب منه أن يراسله حتى يظل على اتصال بأخبار الناس وأحوال الوطن، وحتى يطرد قليلا من برد الغربة.
وهو هناك فرح كثيرا وهو يقرأ الرسالة التي جاءت، بعد عامين، جوابا على الرسالة التي كان أرسلها، وهمس : « ما زال الناس بخير»، ثم أخذ الرسالة وعلقها على باب الغرفة ليقرأها كلما انتابته موجة حنين الى أرض الوطن وناسه.
وهو هناك أهمل الرسالة الثانية التي استلمها بعد الرسالة الأولى بأسبوعين لأنه أدرك أن الأولى لم تكن الا توطئة للثانية التي يطلب فيها منه أن يتصل له باستاذ جامعي يوافق على استضافته لمدة شهرين ونصف في الصيف القادم، ولكنه عاد وفعل ما ورد فيها وسأل المؤسسة التي كان زميله على اتصال معها ان كانت وافقت له على الزيارة.
لم يكن يدري، وهو هناك، أن صديقه الذي اتصل به في منتصف الليل ليسأله عمّا فعل، كان ينسق مع المؤسسة نفسها، ويقول لها ما يعرف عنه وما لا يعرف، وأنه لم يكن بحاجة الى رسالة أستاذ جامعي يبدي له فيها استعداده لاستضافته. فصديقه هذا كان باعه منذ زمن، وبالتحديد يوم لم يكتب له رداً سريعاً على رسالته الأولى التي كان أرسلها اليه ولم يأت الرد عليها الا بعد عامين.
الخيبة -9-
مساء ذلك الصباح الذي نهضت فيه مبكراً لأصل الى الجامعة وأذهب في رحلة الى مدينة البتراء ذرعت شوارع عمّان الرئيسة. مررت على المقاهي التي كنت أتردد عليها وأصدقائي لنجلس سوية نشرب الشاي ونتذكر أخبار الوطن فلم أجد ايا منهم.
مساء ذلك الصباح ذهبت الى مبنى الجريدة لاستلم المكافأة التي وعد صاحب الجريدة أن يصرفها، في ذلك اليوم، حتى أتمكن من الذهاب في رحلة، وسألت عن المسؤول المالي الذي غاب، على ما يبدو، بالاتفاق مع صاحب الجريدة فلم ألقّ جوابا.
مساء ذلك الصباح تابعت طريقي باتجاه البيت الذي أقيم فيه في حي الأشرفية فلم أجد سيارة تقلني الى ذلك الحي. انتظرت طويلا ثم تابعت المسير، وكنت آمل أن أجد صديقي في الغرفة حتى نثرثر معا فأنسى ما ألم بي، غير أني لم أجده.
ذلك الصباح أفقت في الساعة السادسة. تناولت قطعة من البسكويت وشربت القهوة، ثم سرت باتجاه منزل صديقي الذي قرّر ان يذهب معي، بعد أن وعدنا الفتاتين بالذهاب معهما الى البتراء، فوجدته نائما.
ذلك الصباح انتظرت الفتاتان، ثم صعدتا، مع غيرهما، في الباص قبل الأخير، على أمل أن نفي بوعدنا ونلحق بهما في الباص الذي يليه، الباص الذي حين هممنا بالصعود اليه نادى علينا المسؤول ليبدي اعتذاره، فالمقاعد الخالية محجوزة للاساتذة الذين عليهم أن يصطحبوا الطلبة.
الخيبة -10-
ظهيرة ذلك اليوم من شهر تشرين ثاني كان الجو بارداً في مدينة الحرية التي كان يتعلم فيها اللغة الالمانية، ولعن، بسبب برودة الجو، اليوم الذي سبق اليوم الذي هو فيه لأن الجو كان، نوعاما، حاراً، وبالتالي كان يوحي له أن بامكانه غدا أن يخرج بدون سترة.
ظهيرة ذلك اليوم ذَهَبَ الى مطعم الطلبة ليتناول وجبة الغداء، فقد كان جائعا، ونصحه الاساتذة وغيره من الطلبة ممن جاؤوا من امريكا اللاتينية، أن يأكل جيداً فالنبيذ يضر بصحة الشخص الذي يحتسيه، ان احتساه وهو جائع. غيره أنه، لما رآى وجبة الطعام التي بدت غريبة، لم يأكل شيئا.
ظهيرة ذلك اليوم تسكع وزميل آخر في شوارع مدينة الحرية حتى يقتلا الوقت المتبقي لانطلاقة الباص في الموعد المحدد. مرّا على فتاتين تعملان في مكتب «سافِرْ مَعْ» وأخذ يسألانهما عن امكانية السفر، في نهاية الاسبوع، الى مدينة أخرى، غير أنهما لم يفهما ما قالته الفتاتان لهما.
ظهيرة ذلك اليوم، واصلا المشي، باتجاه المكان المتفق عليه للذهاب مع الطلبة والاساتذة الى مصنع النبيذ حتى يريا كيف يصنع ويحتسيا منه ما استطاعا، غير أنهما حين وصلا كان الباص قد انطلق للتو.
6/10/1994
الخيبة -11-
يزورك الصديق بعد عودتك. يبدي لك وداً كبيراً. يعبر عن احترام عميق يكنه لك. وبعد أن تنفقا ساعتين من الوقت وأنتما تثرثران في أمور شتى يهم بالمغادرة، ولا ينسى أن يدعوك لزيارته وتناول الطعام معا.
يلتقيك الصديق في الشارع. تلحظ، من بعيد، ابتسامة عريضة تعلو على شفتيه. يدعوك لتناول بعض الحلوى أولاً ثم احتساء القهوة من بعد. يأخذ رأيك في بعض ما يكتب ويطلب منك أن تساعده في قراءة بعض النصوص التي أشكلت عليه عروضاً.
تزور الصديق في بيته. تسلم على زوجته وتداعب أطفاله، وتتناولان معا طعام الافطار، ويبدأ، من ثمّ، حديثه عن البناية الجديدة والبحوث المنجزة وصعوبة الحياة، ويسألك ان كنت تنوي الاقدام على مغامرة جديدة، ثم يعبر عن حزنه لما ألمْ بك، ويشهد الله أنه كان - وما زال- يعمل لصالحك أسريا وعلميا.
تلتقي والصديق في المؤسسة. يدعوك لاحتساء الشاي معا. يدخن سيجارة ثم يطلب منك أن تكتب له، على المغلف الذي كتبت ما بداخله، عنوان ذلك المستشرق الذي يود زيارته في الصيف القادم.
الصديق هذا هو نفسه الذي كان يقول، بعد أن تفترقا، كلاما لا يعبر عن ذاك الود الذي كان قبل الفراق بدقائق، وهو نفسه الذي أخذ، من خلال قريبته التي تدرسها، يشوهك علميا ويقول لذلك المستشرق، عنك، انك غيّرت تخصصك في الدراسة.
7/10/1994
الخيبة -12-
يأتيك الكاتب كل نهار جمعة. يسرقك من أطفالك وزوجتك. تنفقان معاً، في القدس، النهار كله وأنتما تتحدثان والكتاب الناشئين عن ضرورة تطوير الحركة الأدبية والثقافية ودفعها للأمام. وحين تبدي أحيانا، عدم الرغبة في السفر يتهمك بالبرجزة وعدم ابداء الاستعداد للتضحية في سبيل الوطن.
تلتقي والكاتب في الشارع، فيحدثك عن تضحياته الجسام. يقص عليك أشياء وأشياء عن السنوات التي أنفقتها في السجن دفاعاً عن الفكرة التي يتبناها : مقاومة الذين يدعون الى الحكم الذاتي ومواصلة النضال من أجل اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ودحر الاحتلال.
تزور الكاتب في البيت وتنجزان المجلة التي سيصدرها الفصيل الذي ينتمي اليه. يتحدث عن الرفاق الأشاوس. يمدحهم ويشيد بنضالاتهم وتضحياتهم. يخبرك، مثلا، كيف أن فلاناً سهر ليالي عديدة وهو يطبع المواد دون أن يتقاضى أي أجر.
الكاتب هذا هو الكاتب الذي ينفق، الآن، نهار الجمعة مع زوجته وأطفاله، وهو نفسه الذي يدافع بقوة عن الحكم الذاتي والتحاور مع الاسرائيلين، وهو نفسه الذي يشتم الرفاق الذين ظلوا على ما كانوا عليه، ويتهمهم بأنهم انتهازيون، تماماً كما يتهمك بأنك لست سوى برجوازي صغير.
7/10/1994
الخيبة -13-
تتردد الفتاة عليك. تطلب منك أن تساعدها في بعض الأمور، وحين تغدرك تذهب الى مكتب زميل لك لتقص عليه كل ما قلته لها. تزعم مثلا أنك لا تعرف، وأنت المختص، في هذا الموضوع أو ذاك ما يدرج تحت تخصصك.
ترى الفتاة في الممر فتأتي فرحة لتحدثك عمّا كتبته في الجريدة. تستفسر منك عن بعض النقاط التي وردت في المقال، ثمّ تقول لك شيئا لم يرد في المقال لتسألك عنه، كما لو أنه ورد في المقال، وبعد ان تفترقا تزعم أنك لست كاتبه - اي المقال-.
تزورك الفتاة فتتذكر الفتاة الألمانية التي تشبهها. تحمل الحقيبة السوداء في يدها اليمنى لتقول لك ان شهادتك سوداء، وأحيانا تتمادى في لغتها الاشارية فتضع يدها على أذنها اليمنى لتقول لك انك أذن. وقد تعلم أنك من أصحاب الحوار مع الاسرائيليين فتتحدث لك عنهم وعن زيارات قريبها لمعهد خاص أنشأه الاسرائيليون حتى يشجعوا، من خلاله، اللقاءات مع الفلسطينيين.
الفتاة هذه هي الفتاة نفسها التي تأتي الآن اليك لتقول لك أنها لم تعد على صلة بذلك الزميل، وأنك الأكثر اثارة في محاضراتك، كما أنها تسألك عن المقالات التي تكتبها لتأخذها حتى يقرأها آخرون مِمّنْ يهتمون بأمرك. وهي الفتاة نفسها التي تحمل حقيبة سوداء ذات ممسك أصفر اللون لتقول لك : انها غيرة الآخرين منك، وهي نفسها التي لم تعد تتحدث عن زيارات قريبها لمحاورة الاسرائيليين، لأنها عرفت أنك لست من أنصار الحوار.
7/10/1994
الخيبة -14-
يزورك كاسب كل صباح. يشرب القهوة معك. يتحدث لك عن مشاريعه التي ينوي القيام بها حين ينهي دراسته ويعود قافلاً الى أرض الوطن. ولا ينسى كاسب أن يذكرك بأيام جميلة قضيتماها، وأنتما تعملان، هناك في المؤسسة.
تلتقي وكاسب في الجامعة. يسألك عن بعض المصادر والمراجع ويخبرك عن حوارٍ تمّ بينه وبين صديق لم تعد تلتقي به. يقول لك انه يغار منك، ولا تكترث لما يقول، ويتابع كلامه مؤكداً لك بأنه دافع عنك دفاعاً قويا.
تجلس وكاسب في المحاضرة. يسألك عمّا فعلته مع الاستاذ «رجل السَمعْ» فتقص عليه وتساعده حتى ينجز ما هو منه مطلوب. ثم يهمس لك: «تلك الاستاذة التي أحضرتنا حقيرة. قالت لنا ونحن هناك نأتي الى هنا ونكتب الرسالة، فقد مدحت الجامعة العبرية التي درست فيها، وها هي هنا تختلف كليا، كما أنها لم تفِ بما وعدت به بخصوص العمل».
كاسب هو كاسب نفسه الذي انقطع عن زيارتك حين سلبته الفتاة عقله. وهو نفسه الذي، للسبب نفسه، أخذ يخاصم زوجته التي جلبت له، من الكنيسة الأموال. وكاسب هو الذي جلس، يوم اختلفت معه، مع ذلك الصديق الذي قصّ لك كل ما قاله لك ووعدك أن يدافع عنك دفاعاً قويا. وهو أيضا نفسه الذي أخذ يشيد بالدكتورة التي وعدته أن تقرأ له، وبسرعة، وغضّت الطرف عن مواصلته الحضور الى الجامعة لأنه أخذ يعمل عملاً أسود.
7/10/1994
الخيبة -15-
تأتي الزوجة، وأنت جالسٌ على كرسيك وراء طاولتك، فتقدم لك القهوة. تحضر سيجارة تدخنانها معاً ثم تنظر في الأوراق التي كتبت، وتهمس : « ما دمت أنهيت الفصل الأول من أطروحة الدكتوراة فسنخرج معاً في رحلة».
تسألك الزوجة ان كنت استلمت راتب المنحة، وحين تذهبان في الساعة الواحدة لاعادة الاطفال الى الروضة تصطحبك الى المحل التجاري. تبدي لك قليلا من التردد ثم تفصح عن رغبتها في اقتناء ذلك المعطف الشتوي الأنيق، فتشتريه لها دون تردد.
تشعر الزوجة بالضجر لكثرة الجلوس في المنزل. تطلب منك أن تخرجا مساءً، بعد أن ينام الأطفال، وتخبرك أن صديقتها الامريكية أبدت استعدادها للبقاء في المنزل حتى تعودا. وتذهبان لتنفقا ثلاث ساعات في مقهى هادىء.
الزوجة هذه هي الزوجة نفسها التي قالت عنك حين اختلفتما انك كنت تعتمد على الطلبة في كتابة رسالة الدكتوراة، وهي نفسها التي قالت لأهلك ولأهلها أيضا، وكذلك للقاضي، انك بخيل. وهي نفسها التي زعمت أنك لم تخرج معها في اية رحلة، ولم تصطحبها، مساءً للخروج الى مقهى من تلك المقاهي الهادئة الرائعة.
7/10/1994
الخيبة -16-
تتصل أمك بك، وأنت بعيد. تستفسر عن أخبارك في الغربة وتطلب منك أن تواصل البقاء هناك، حتى تنجز كل ما ذهبت لأجله فثمة أناس لا يتمنون لك أن تواصل رحلتك.
تذهب الأم، حين تخبرها عمّا ألم بك من مشاكل، الى أطراف عديدة وتخبرها بما قلته لها. تطلب منهم المساعدة ولا تستطيع النوم لأنها خافت مما قلته لها.
تأتي الأم لاستقبالك بعد عودتك حيا يُرزق. تفرح لأنك أنجزت ما أنجزت وعدت أخيراً. تعد لك الطعام. تسألك عما لاقيت وتلح عليك أن تنسى ما حدث وأن تقدم على حياة جديدة.
الأم هذه هي الأم نفسها التي مازالت، على الرغم من أنك طلبت منها، كما طَلَبَتْ منك، أن تنسى الموضوع نهائيا والا تتدخل في أمورك، ما زالت تلح عليك بعدم نسيان الماضي، وهي نفسها التي أخذت تضع لك في الطعام ما كانوا، هناك، يضعونه لك ليختبروا قواك وفحولتك.
7/10/1994
الخيبة -17-
يذهب مع صديقه الى مكاتب الشركة سابقا. يهربان من المطر ويتحدثان حديثا لا يتواصل. يصعدان الدرج المؤدي الى مكاتب الشركة. يلتقيان بأخ طالب يدرسه. يلمح له أن يقول ما يعرفه عنها. يحضر له آلة حاسبة سوداء، ويكتب مفردة «أكل». ولا يلتفت هو الى ما ألمحا اليه ويفترقان.
يزور وأمه وأخوه خالته في المستشفى. يلتقيان، هناك بابنائها. يتحدث الكبير عن الناس والحياة ويأتي على ذكرها. يرفع الكبير يده اليسرى التي تحمل ساعة سوداء، ثم يقول كلاما مغايراً لذلك الذي ألمح اليه صديقه يوم زارا مكتب الشركة سابقا. يقول: «لم يستطع أن يتزوجها فافترقا».
يراها تحت الدرج ترتدي الأبيض والأسود. تبدو عجيزتها، من خلال بنطال التايت الأبيض الذي ترتديه كبيرة بعض الشيء. يتحاوران اشاريا. لا يقول عنها اي شيء. يهمس : «ربما يكون الكلام مجرد اشاعات» ويتابع: «ففي هذه المدينة يجعلون من الفتاة التي ما زالت بكراً اماً لسبعة أطفال»، ويواصل ايامه دون ان يتغير موقفه.
الفتاة هذه، كما عرف من خلال الآخرين، أخذت تشيع عنه أنه أسود وأنه هومو وأن غيره ينجز له أعماله لأنه يظل في المنزل مستلقيا على الكنبة يشاهد البرامج التي يعرضها التلفاز الاسرائيلي ليل نهار.
7/10/1994
الخيبة -18-
يفكر الأب في طفلتيه طويلا. وهو هناك في بلاد الغربة، كان يلصق صورتهما على جدار الغرفة التي يقيم فيها وحيداً، وحين تزوره فتاة تفكر في الارتباط به، تسأله عنهما فيقول لها : انهما طفلتاي وتسأله من جديد: «وهل ستعود اليهما؟» «نعم» يجيب فتحزن الفتاة التي قد توافق على اقامة علاقة عابرة وقد لا توافق.
يترك بلاد الغربة ويعود. لا يفكر كثيراً فيما قالته تلك الفتاة الألمانية الممتلئة البضة الأجمل من كل الفتيات اللاتي رآهن هنا من قبل. وحين سألته ان كان سيبقى في المانيا بعد أن ينهى دراسته أجابها: «لا بد من أعود وبعد ذلك أقرر» ولم يواصل معها، لهذا ولغيره، اقامة علاقة.
يعود الأب الى وطنه. يضع صورة طفلتيه في غرفة ضيوفه. يعرف أنهما اسيرتان وأن ليس باستطاعتهما فعل شيء. يهمس: «هؤلاء الأطفال أحباب الله ونحن الذين نفسدهم فنلقنهم الكلام الذي لا يدركون معناه» ولا يضع عليهما اي ذنب حين لا تأتيان.
يفكر الأب في قادم الايام ويتساءل : ولكن ماذا ستقولان حين تكبران؟ ويتذكر ما قاله لأبيه : لقد جنيتم، أنتم جيل الآباء، علينا نحن جيل الأبناء، ويردد بيت المعري :
هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد وعلى الرغم من ذلك يواصل النظر الى صورة طفلتيه.
7/10/1994
الخيبة -19-
تجلس وزميلك في الغرفة المطلة على البوابة الكبيرة. تراقبان المارة وتعلقان على الغادين والرائحين. يعجب زميلك بفتيات المدينة الجميلات، وحين يزرنه في المكتب لا يتردد في ابداء اعجابه بهن. يتحدث عن لطفهن وأناقتهن.
يمدح زميلك جهودك في الكتابة. يخاطبك قائلا: «تذكرني بماضي» ويتابع : «ويوم كنت في مثل سنك كنت أقاوم غير جهة». ولا يتردد الزميل لحظة واحدة في كتابة توصية لك، تعطي المؤسسة التي تقدمت لها بأبحاثك لنيل جائزتها، انطباعاً جيداً.
يزور زميلك هذا غير طالب. يحثهم على الكتابة في موضوعات شتى، ويعدهم بأنه سوف ينشر لهم ما يكتبونه، ويطلب منهم أن يبحثوا له عن هذا الموضوع أو ذاك في هذا المصدر أو ذاك. وحين ينجزون ما طلبه منهم يكتب اسمه مضافا الى أسماء الطلبة.
زميلك هذا هو زميلك الذي يتحدث عن عنصرية أهل المدينة وطيبة أهل الريف وبساطة فتياتهن اللاتي يقدرن الزوج ويحترمنه. وهونفسه الذي ذهب الى المؤسسة التي تقدمت لها لنيل جائزتها ليقول للمسؤول عنها انه يَلُصُ ابحاث طلابه.
7/10/1994
الخيبة -20-
يعود الرفيق بعد أن أنهى دراسته التي استغرقت خمس سنوات من عمره المديد. تلتقي به في المؤسسة فيسلم عليك سلاما حاراً. يسألك عن أحوال الوطن ويستفسر عن بعض الأصدقاء الذين لمّا يلتق بهم بعد.
يزورك الرفيق في المنزل ويتحدث معك عن فصيل الجبنة الدنمركية. يأتي على ذكر الانشقاق الذي تمّ ويشتم ياسر عبد ربه ورفاقه، ثم يعرض عليك أن تعمل معه في الصحيفة التي ستصدرها الجبنة الدنمركية التي ما زال ينتمي اليها.
يلفت الرفيق انتباهك الى تلك الفتاة ويحثك على الاقتراب منها. يقول لك انها فتاة رصينة عفيفة، ويتحدث عن رئيس المؤسسة حديثا غير ودي، ولا ينسى أن يطلب منك بعض ما تكتب حتى يرسله الى المجلة الناطقة باسم الفصيل.
رفيق الجبنة الدنمركية هذا، حين يلحظ أحيانا أنك لا تسير كما يريد لك أن تسير يبتعد عنك ويشوهك، وهو نفسه الذي حين يعرف انك تفكر بالارتباط بالفتاة التي ذكر اسمها لك وحثك على الاقتراب منها، يضع يده في جيبه ليقول لك انك تبحث عن المال، وهو نفسه الذي أخذ مؤخراً يتحدث عن رئيس المؤسسة حديثا فيه قدر غير قليل من الود.
7/10/1994
الخيبة -21-
تزور محاضرات استاذ الاستشراق الذي كنت كتبت له قبل خمس سنوات رسالة تسأله فيها إن كان على استعداد للاشراف على اطروحة دكتوراة تنوي كتابتها، فجاءك، يومها، الاعتذار من صديق لك كان يدرس معه ، لان الاستاذ لايحب ان يشرف على الطلبة العرب، فهؤلاء، لا يجيدون سوى لغتهم ثم انهم يأتون ليحصلوا على الدكتوراة دون ان يبذلوا جهدا كبيرا.
تتبادل واستاذ الاستشراق التحية، وقد تتبادلان، في الممر حيث ينتظر موعد محاضراته عن القومية العربية، حديثا عابرا . ولاتعرف عنه اي شيء سوى ماتقوله لك الطالبة الفلسطينية رائحة.
تبدأ حرب الخليج الثانية فيعتذر الاستاذ عن القاء محاضراته في النقد الادبي عند العرب، ويخوض في الامر الطاريء وحين يصغي الى رأيك يدعوك الى مكتبه فيسألك عن مصدر معلوماتك، تخبره انها مجرد اجتهاد شخصي حيث ذكرتك هذه الحرب بحرب عام 1967 التي انتظر العرب فبها حتى هوجموا فهزموا.
تغادر مكتب الاستاذ الذي استراح لانك لم تكن على صلة باية جهة فلسطينية، ولايصدق مايشاع عنك، وحين تطلب منه ان يكون مشرفا ثانيا على رسالة الدكتوراة، يستفسر منك عن السبب فتقول له الكلام نفسه الذي قالته له استاذتك عن خلافك مع استاتذك الثانية هناك.
يتأكد الاستاذ مما قلت ويرى ان ما أشاعه الآخرون عنك كان باطلا، ويقول لك، وانتما في الممر، في شهر آيار، انني اثق فيك علميا مائة بالمائة. وحين تغادر يفاوضك على ان تنسى كل ماحدث معك ويخاطبك بعبارة السيد الدكتور.
استاذ الاستشراق هذا هو نفسه الذي يشيع عنك الآن، لأنك لم تَنْسَ كل ما حدث معك، بل ودونته في نص روائي فقلت انه جَرّبَ في جسدك الأدوية بناءً على ماسمعه من الآخرين، انك لست كفئا علميا وانك لست سوى نزار قباني آخر.
8/10/1994
الخيبة -22-
يتصل بك قريبك من مدينة مانهايم. يخبرك انه قدم الى المانيا منذ اسبوع. تهنئه للحصول على المنحة وتحدد موعدا لزيارته. تذهب في الموعد المحدد لتقيم، عنده، مدة يومين يحدثك فيها عن الوطن الذي تركه ينتفض. يقص عليك اخبار الناس الشخصية وغير الشخصية. تشجعه على مواصلة الدراسة وتتمنى له ولزميله اياما جميلة هادئة.
يتصل بك قريبك في فترة اعياد الميلاد. يخبرك انه وحيد ، فقد غادر الطلبة كلهم الى اماكن اخرى، ويحدد موعداً لزيارتك. يأتي في الموعد المحدد فيستقبله الألماني الذي اسلم ويصطحبه الى البار حتى تعود من بيت فالتر التي دعتك لقضاء أمسية عيد الميلاد معها ومع زوجها وجارتها العجوز التي تقيم وحيدة في الشقة المجاورة.
تستقبل قريبك بفرح. تذهبان معا الى المنزل وتعد له طعام العشاء. تثرثران في امور شتى. يخبرك انه مستاءٌ جدا من تعلم اللغة وانه فكر في العودة الى الضفة الغربية لولا اتصاله الهاتفي مع امه التي طلبت منه ان لايبقى وحيدا وان يزورك.
تعطي قريبك، لانك اوشكت على انهاء الدراسة والعودة، ماعندك من اغراض: التلفاز وأواني المطبخ والأغطية، وتذهب لتقيم، معه، في شقته لمدة أسبوعين. وهناك يعلمك انه بحاجة الى مبلغ خمسة الآف مارك ليضعها في المصرف حتى يسمحوا له باستدعاء زوجته والاقامة في المانيا.
قريبك هذا كان يحصي عليك حركاتك كلها ويتصل، هاتفيا، بجهة ما ليخبرها عن تصرفاتك. وهو نفسه الذي اخذ يسهم، فيما بعد، بالاساءة اليك علميا، فيردد ما يقوله استاذ الاستشراق الذي كان على صلة به. قريبك هذا كان يفعل ذلك لأنه كان يخشى من الفشل والعودة خائبا.
8/10/1994
الخيبة -23-
تتذكر ذلك الرفيق جيدا. يقدمه لك صديقك الصحفي فيخبرك هو عن دراسته التي اتمها في احدى الدول الاشتراكية. يمدح البلد الذي منحه الشهادة، ويشتم الامبريالية التي يزعم انها ستؤول الى خراب، خلافا للاشتراكية التي سيكون انتصارها حتمية تاريخية.
تتذكر ذلك الرفيق جيدا. يحدثك عن دراسته في احدى جامعاتنا المحلية وعن صداقاته المتعددة مع الفتيات اللاتي درسن معه، يحدثك عن هذا بفرح لايوصف، فرح لايختلف عن الفرح الذي يلم به وهو يتذكر الفتيات اللاتي عرفهن يوم كان يدرس في تلك الدولة الاشتراكية.
تتذكر ذلك الرفيق جيدا. يحدثك عن العلم والعلماء هناك حين يشتم الدراسة والتدريس هنا. يقول لك : كل استاذ جامعي هناك يشكل مدرسة خاصة، له تلاميذه واتباعه وكتبه التي لاتعد ولاتحصى.
ذلك الرفيق اخذ يردد انه لم يعد بؤمن بالحتمية التاريخية، كما اخذ يصف الفتيات اللاتي يصادقن شخصا باللااخلاقيات، واخذ يسعى للحصول على مِنْحَة دراسية في الولايات المتحدة ليمحو، كما يقول، العار الذي ألمّ به يوم حصل على شهادة من احدى الدول الاشتراكية، وبخاصة ان المؤسسة التي يعمل فيها تنظر باحترام الى اصحاب الشهادات القادمين من الولايات المتحدة.
الرفيق هذا تتكرر زياراته لمباني القنصليات الغربية دون ان يتذكر ما كان يقوله عن اولئك الذين ترددوا عليها من قبل.
8/10/1994
الخيبة -24-
تلتقي والسيدة العجوز التي فضلت، بعد أن رأت ما رأت من فارق بين البلدين، البقاء في المانيا الغربية على العودة الى المانيا الشرقية، وتبتسم لك حين تقول أمامها انطباعاتك التي تكونت لديك بعد زيارتك الأولى لبرلين الشرقية.
تمدح السيدة العجوز الوضع في المانيا الغربية وتبحث لها عن وظيفة. وحين تلتقيان تتبادلان التحية وقد تخوضان في موضوعات شتى أبرزها الشكوى المتبادلة من سوء سلوك المسؤولة عنكما. تشكو لها همك وتشكو لك همها. تثق فيها وتثق فيك، فقد ارتاحت لك كما ارتحت لها.
تستدعيك السيدة العجوز الى منزلها. تطلب منك أن تساعدها في قراءة بعض النصوص التي أشكل فهمها عليها. تشربان، معا، القهوة، ثم تزورك في منزلك فترد لها، فيما بعد الزيارة. وحين تلتقيان في المكتبة تستفسر منك عمّا كتبت وتطلب منك أن تحضر لها الفصول التي أنجزت لتقرأها. تذهب اليها ظهيرة يوم الجمعة، وبيدك أوراقك، فتجلس السيدة العجوز بالقرب منك بعد أن كانت أعدت، لك ولها، وجبة غداء مكونة من رغيفين من البيتزا. تقبلك ثم تمد يدها ...، فتعتذر وتغادر.
السيدة العجوز التي وثقت فيها وارتَحْتَ لها وبثَثْتَها همومك، تماماً كما وثقت فيك وارتاحت لك وبثتك همومها هي السيدة العجوز نفسها التي أخذت تشيع عنك أنك تتناول الحشيش وتكرر ما يقوله الآخرون عنك من أنك عاجز جنسياً.
9/10/1994
الخيبة -25-
يزورك أبوك الذي تقاعد منذ عشر سنوات أو أكثر. يجلس معك على الشرفة. يدخن سيجارة امبريال ويطلب منك أن تصنع له الشاي الذي تعدّه باتقان. يمدح الانجازات الت حققتها ويقارن بين ما أنجزته أنت وما أنجزه اخوتك. ثم يعطيك سيجارة امبريال، وسرعان ما يطلب منك شيئا ما.
يذكرك أبوك بما كان فعله لأجلك ولأجل اخوتك يوم كنتم صغاراً. يتذكر ماضيه جيداً. يتحدث عن شبابه ويقص عليك بعضاً من مغامراته يوم كان في فلسطين التي أصبحت بعد أن هجّر منها اسرائيل. يذكر أسماء الفتيات اليهوديات اللاتي عرفهن واحدة واحدة ويبدأ بترداد مقطع من أغنية عبرية حفظها منذ تلك الايام.
يدخن أبوك سيجارة ثانية. يتحدث عن الجيران الذين كانوا، بدورهم، يتحدثون عن غيرهم من الجيران الحديث الذي يعيده على مسامعك، ويأتي أيضا على ما كان أصغى اليه صباح هذا اليوم، حين كان في المخيم، فيقص عليك بالتفصيل ما قصه كل واحد عن معارفه وجيرانه وأناس المخيم. يكرر أبوك، كلما زارك، الكلام نفسه : فلان يتحدث عن فلان وينعته بأبشع النعوت، وفلان لا يتحدث الا عن شبابه وفحولته، وفلان يمدح الواحد منا فاذا ما انصرف أخذ يشتمه. يدخن أبوك سيجارته الثالثة ويشرب، من جديد، الشاي ويذهب.
أبوك هذا، حين لا تعطيه ما يريد، يقول لأخيك عنك الكلام الذي قاله لك عنه، ويتحدث عن جيرانه ومعارفه وأصدقائه بالطريقة نفسها التي يتحدثون فيها عن بعضهم البعض، وحين يأتي على ذكر أولئك الذين يمارسون سلوكاً لا أخلاقيا ينعتهم بأبشع النعوت، وحين تقول له مالا يسره يشتمك ويغضب عليك وقد يقاطعك لعدة أيام ترتاح فيها من سماع الشريط الذي يملكه، ولكنه يعود اليك، من جديد، ليمارس هوايته - هوايتهم.
9/10/1994
الخيبة -26-
يتصل بك رئيس تحرير الجريدة التي ستصدر عمّا قريب. يعرض عليك أن تعمل معه محررا ثقافيا، ويخبرك أن جريدته ليست ذات امكانيات كبيرة. يشكو كثيرا حتى تطلب قليلا، ويتوسم فيك الخير.
تكتب في الجريدة بلا مقابل. تذهب اليه وتزوره في مكتب الجريدة. تعطيه المقال، ليعطيه، بدوره، الى الطابعة التي تتباطأ في طباعته. تتحمل هذا ولا تغضب، لأنك تريد مساعدته حتى يحقق حلمه في اصدار الجريدة.
ينشر صاحب الجريدة ما تكتبه ثم يعترض، فجأة، على مقال كتبته تتحدث فيه عن ظاهرة شهدتها الضفة الغربية يوم عاد الملك حسين من سفره. ويوقف صاحب الجريدة المقال. يقول لك : أنا موظف أردني، فلا تكتب شيئا مثل هذا. تترك صاحب الجريدة وتغادر.
تمر الأيام فيسألك موظف فيها ان كنت على استعداد لتنشر من جديد. تعطيه مقالاً فينشره ليكون مقدمة لمقالات اسبوعية عديدة، ولا تسأل عن أي أجر. تقول له : ما أريده فقط ألاّ يشطب اي مقال. ولكن سكرتير التحرير، بالاتفاق مع رئيس التحرير، يشطب بعض الفقرات التي تمس الحكم الأردني والحكم الفلسطيني فتتوقف عن النشر.
رئيس التحرير هذا هو نفسه الذي كان يشيع أن هناك من يصحح لك ما تكتبه، وأنك توقفت عن الكتابة، في المرة الأولى، لأنك لم تتقاضَ أجراً على ما كتبته، وهو نفسه الذي، حين عاد من زيارة لأمريكا، أهداك قلما ذا لونين أبيض وأسود، قلما حبره أسود ليقول لك ان كتابتك سوداء، وهو نفسه الذي اعترضت على أسلوبه الصحفي في الكتابة، وأريته، حين صححت له مقالا، الطريقة المثلى للكتابة، وهو نفسه الذي يشتم، في السِرْ، بعض القيادات.
9/10/1994
الخيبة -27-
اليهودي الذي عرّفك عليه صديقك العربي الذي يقيم، في قريته، في البلاد التي كان اسمها فلسطين وأصبح اسمها اسرائيل يأتي بين الفينة والفينة ليحادثك. يريد أن يطرد الغربة التي يعاني منها بسبب الوحدة وعدم الانسجام مع الألمان الذين يبدون عنصريين.
يتحدث لك اليهودي عن المذابح التي ارتكبها، بحق بني دينه، الأغيار. يأتي على ذكر البوغروم في روسيا القيصرية والهولوكست في المانيا النازية. يتكلم بنبرة حزينة ورثها عن أجداده الذين لاقوا العذاب على مدار آلاف السنين.
تحدث اليهودي عمّا يجري في المناطق المحتلة. تقول له ان الاسرائيليين يقتلون الفلسطينيين بوحشية كبيرة، وانك تشاهد هذا من على شاشة التلفاز الألماني والفرنسي، وحين يسألك عن رأيك في الحل تقول له : يوافق الفلسطينيون على اقامة دولتين في فلسطين، فيبدي امتعاضه من هذا الكلام.
اليهودي هذا الذي يتحدث عن عدم قدرته على الانسجام مع الألمان لا يفكر الاّ في فتاة يهودية، فتاة تعرف تقاليد يوم السبت جيداً. وهو نفسه الذي يوافق على ضرب العراق وتدميرها ومن ثم حصارها، وهو نفسه الذي يجد مبرراً لما يفعله الاسرائيليون بأهل الضفة الغربية وقطاع غزة، وحين تقارن بين ما فعله النازيون بهم وما يفعلونه بالفلسطينين تثور ثائرته ويتهمك بأنك إرهابي.
9/10/1994
الخيبة -28-
تنظر الى الفتاة التي تنظر اليك باحترام، باحترام مماثل. تتبادلات النظرات، وسرعان ما تتبادلان حديثا عابراً. تعرفك بنفسها وتقص عليك شيئا من أخبار أسرتها لتشعرك بالود الذي تكنه لك، فتبادلها الشيء نفسه.
تزورك الفتاة في مكان عملك. تسألك عن بعض الأشياء التي تعرف فيها جيداً. وتستأذن منك أن تجلس قليلا، فتأذن لها. تتكلم بفرح وتشعر بالطمانينة فتعرض عليك أن تذهب لتحضر، لك ولها، القهوة.
تزورك الفتاة من جديد. تسألك العديد من الأسئلة عن أحوالك الشخصية، فتستغرب أنت من المعلومات التي جمعتها عنك. وتطلب منك نسخة من كتاب ألفته، كما تحدثك عن مقالك الأخير عن الشاعر اراحل ولا تبدي أي تعليق سلبي. وتغادر الفتاة.
الفتاة هذه هي الفتاة نفسها التي أخذت تشيع أنك أنت الذي لاحقتها وسألتها عن أحوالها سؤال مخبر مختص وهي نفسها التي أظهرت لك، حين لم تبد استعداداً لاقامة علاقة معها، من البغض بمقدار الود الذي أظهرته في البداية، وهي نفسها التي أخذت تشرب القهوة بطريقة مبتذلة، كما أنها هي نفسها الفتاة التي كانت تحمل في حقيبتها مسجلا لتسجل الحوار الذي دار بينك وبينها، وفوق هذا كله فهي الفتاة التي أرسلت لك مع صديقة لها ورقة كتبت لك فيها أنك لا تختلف كثيراً عن الشاعر الذي كتبت عنه، الشاعر الذي هو أفضل منك.
9/10/1994
الخيبة -29-
يجلس أخوك، مساءً، بالقرب منك. ينظر الى التلفاز ليشاهد الصور التي يعرضها المحرر في نشرة الأخبار. يتأفف حين يصغي الى المذيع وهو يتحدث عن الضرائب المفروضة وفصل المعلمين واغلاق المحلات التجارية ومنع التجول. يتحسس جيبه ليرى ان كانت هويته الاسرائيلية في جيبه، فتهمس: محتلون ونحن في بيوتنا.
تنظر في أحوال أخيك فلا يعجبك وضعه. تَحزَنْ للبطالة التي يعاني منها الفلسطيني بسبب ظروف الاحتلال، وتفكر في أمر الانتفاضة وجلوس الناس على رصيف الدكان بعد الساعة الثالثة ظهراً. وتحاول مساعدة أخيك نوعا ما. فتقول: «مساكين هؤلاء الشباب. انهم يعانون من مشاكل عديدة : السكن والأسرة والبطالة». وتصمت.
تكتب لأخيك الرسائل وتحافظ على منزله في غيابه. تسأله، عن أحواله، ولا تتردد، حين يعود، في العمل على مساعدته، ولكنك تفشل، فَأنتَ لا تعرف للواسطة سبيلا. تتذكر ما ألم بك يوم ذهبت لتسأل المدير ان كان باستطاعته أن يساعده: تصبب جسدك عرقا وَشرِبْتَ الشاي وانصرفت دون أن تقول شيئا.
أخوك هذا يصبح ملازما لك ملازمة هويته الاسرائيلية له. لا يختلف عن الآخرين. يراقب حركاتك و يزعم أنك لم تساعده اطلاقا، ويروج ما أشاعه الآخرون عنك، وهو أخوك الذي يفتح، في غيابك عن منزلك المنزل ليقرأ الأوراق التي تركت ويقول ما فيها للآخرين.
9/10/1994
الخيبة -30-
وأنا صغير صفقت مع الذين صفقوا لجمال عبد الناصر فهزم جمال عبد الناصر.
وأنا صغير كنت أرى الدنيا كلها أبا وأما وحين كبرت رأيت أنها غير ذلك.
وأنا صغير حلمت بيافا والبحر وتحرير فلسطين وغنيت مع من غنوا «عائدون» والآن أرى الذين غنوا لهذا وحلموا به يقتلون الذين يواصلون الحلم.
وأنا في مقتبل العمر صفقت للمنظمة ورددت أغانيها «دبوا النار بها الخيام وارموا كروتة التموين» والآن يطلب مني الذين علموني هذا أن أصمت.
وأنا في مقتبل اعمر كنت صديقا للرفاق الذين كانوا يأتون لأساعدهم في النادي واصدار المجلة، والآن يتهمني الرفاق بأنني برجوازي صغير.
وأنا في مقتبل العمر كنت ناقدا صحفيا وكاتبا قصصيا ومحرراً ثقافيا، ولم يكن يومها يكتب الا القليلون، والآن أنا لص أكاديمي وكاتب غير موهوب.
الآن وأنا في خريف العمر أنظر خلفي وحولي فلا أرى مما كنت أراه وأحلم به سوى :
- الاقرار بالهزيمة واعتبارها نصراً
- التصفيق، ليل نهار، للقائد الذي لم ينجز لبلاده اي شيء.
- الحنين الى حكم ملك ضاعت، خلال حكمه، نصف مملكته وظل ملكا.
- القبول بأقل من الحكم الذاتي على الضفة الغربية وقطاع غزة.
- مسخ القضية الفلسطينية ونسيان ما ألم بالفلسطينيين واعتبار ذلك ضربا من العيش في الماضي الذي كله كراهية.
- السعي الدؤوب من أجل الحصول على مساعدات من الأمم المتحدة، خلافاً لما كان حيث اعتبرنا ذلك ذلاً وعاراً.
الآن اقرّ واعترف بأنني رجل خائب في كل شيء، فلا تستغربوا لماذا كتبت قصص الخيبة والمفارقة !! ويبدو أن الشيء الوحيد الذي لم أخب فيه هوكتابة القصص التي لا أدري ما هو موقف النقاد منها. آمل ألاّ أكون خيبت آمالهم !!.
9/10/1994