موسى مليح - السيد لَوْلَوْ...

اكتشف مبكرا سحر السؤال. كان يضع أسئلة غير مألوفة. كانت جمله الاستفهامية يتصدرها دائما لو. " لو أن البحر بيسارة فكم يحتاج من زيت الزيتون؟ لو أملك جهازا يتعقب الظلام لأجبت عن السؤال: أين يختفي الظلام عندما نوقد شمعة؟
من أين لك هذا الاسم العجيب لولو؟..
لم يكن يعرف السيد لولو متى انقلبت صورته عليه.
كل ما يتذكره أنه، منذ أن صار الهاتف المحمول امتدادًا لكفه، بدأ يعيد تشكيل نفسه كما يشتهي الآخرون، لا كما يشتهي قلبه. صار وجهه شاشة، وصار رأيه تعليقًا ينتظر الإعجاب.
كان يخاف أن يُرفض. لولو...
يراقب هذا الجيل الجديد كما يُراقب طفل الحرباء وهي تغير ألوانها. يبدّل لباسه كلما تبدّلت صيحة، يقص شعره كما تُقصّ الخيوط الزائدة في ثوب مستعار، يدخّن سيجارة إلكترونية لا طعم لها سوى الوهم، ويجدد هاتفه كل عام كما لو كان يجدد هويته.
أما القيم التي حملها طفلاً بين يديه — الصدق، الوفاء، التضامن — فقد صارت في نظره عيوبًا مهنية.
كان يسأل نفسه ساخرًا:
كم صادقًا ظل في الأسفل؟ ويجيب بجملة تتصدرها لو...
وكم وصوليًا صعد وصار قدوة؟ ويتأسف عن عدم وصوله بلَوْ...
وكان نفس الجواب الناقص يتكرر: لو لو.... دون أن يكمل الجملة.
أعلن، في إحدى سهراته الرقمية، موت المنطق. قال: لا قواعد كبرى ولا صغرى. النتائج هنا تُولد بلا مقدمات. الواقع يكافئ المتحايل، والذكاء النَّفعي هو الفضيلة الوحيدة. لولو...
ضحكوا. صفقوا له بلغة بصرية تعبر عن المشاعر والسياق؛ بإيموجيّاتٍ مبتسمة. لكن لسانه ردد:لو لو...
شكك في الأسرة. تلك التي خبأت خوفه تحت أغطية الشتاء، وأعدّت له دفاتر المدرسة، وقهوة وخبزا وحنينا، صارت الأسرة مؤسسة رجعية في نظره. صار يردد: "كل شاة تعلق من رجلها". يتخيل الشاة المعلقة ويرثيها بلو لو...
حتى الشعارات التي صرخ بها في التظاهرات — الحرية، حقوق الإنسان — رآها كلمات جوفاء. أقنع نفسه أن الاتزان يتحقق بقبول الظلم، لا بمقاومته.
الاستسلام، قال، أكثر عقلانية من الصدام. ولكن لولو.
رفض كلمة "نحن". لأنها تجهض كل أمنية تأتي بعد لوْلوْ
هاجم القومية، سخر من التضامن، واستبدل الجوار الحقيقي بجماعات افتراضية. عنونها بلولو.
كان يتضامن مع أسماء لا يعرف وجوهها، ويصمت أمام ألم يراه رأي العين.
كلما خطا خطوة في حاضره الجديد، ابتعد المستقبل عنه خطوة أخرى.
وكان يعلم، في عمق لا يعترف به، أن ما يعيشه نتيجة قراراته هو، لا قرارات غيره.
وفي إحدى الليالي، وجد نفسه أمام باب. لم يكن بابًا من خشب أو حديد، لكنه كان صلبًا على نحو غامض.
كلما طرقه، تعالت ضوضاء كثيفة.
لا يعرف: هل الضجيج من الباب، أم ممن يقفون حوله؟
كان يرى الشفاه تتحرك، والوجوه تتألم، والعيون تمتلئ بالفرح والحزن والدهشة والاستسلام.
كل شيء يتحرك، ولا صوت يُسمع. ضجيج بلا صوت... حياة بلا معنى.
صرخ:
— يا من تقف خلف الباب… افتح! أريد أن أعرف ما بالداخل!
جاءه هسيسٌ خافت، كأنه يخرج من صدره لا من خلف الباب:
— لا مفتاح لهذا الباب. وأنت وحدك القادر على فتحه.
ارتبك:
— كيف؟
قال الصوت:
— أغمض عينيك. أفرغ أذنيك من الضجيج. تنفّس حتى يسكن كل شيء فيك. حينها ستسمع صرير الباب. تقدم بروحك، واترك جسدك للآخرين.
أطاع، كمن لم يعد يملك إلا الطاعة.
أغمض عينيه. وأصدر المفتاح السحري: لولو
تراجع الضجيج، شيئًا فشيئًا، كمدٍّ ينحسر.
شعر أنه ينسلخ من جاذبية ثقيلة، من نظرات، من إعجابات، من تعليقات، من أحكام.
نسيم خفيف قاده نحو الباب... تسلل، بخفة لم يعرفها من قبل. وراء الباب، كان الظلام يعانق ظلامًا أعمق.
لكن في تلك العتمة، لم يكن هناك ضجيج. سمع الصوت مرة أخرى، لولو أقرب من أن يُنسب لغيره:
— يكفي أني علمتك كيف تبقى على قيد الحياة تردد لولو.
فتح عينيه.
عاد إلى هاتفه.
تصفّح الصور، قرأ التعليقات، ابتسم ابتسامة محسوبة.
كان حيًا.
لكن شيئًا فيه، خلف الباب، بقي في الظلام، بالضبط بين لو........... ؟؟؟ولو.........!!!

موسى مليح
23 مارس 202‪6









Messenger_creation_A23DAD1B-9580-4DCF-AF56-41B1A549407F.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى