البيت والمطر

المطر غزير، لا يتوقف.
المدينة ترفل في الظلام.
. الشوارع تتلألأ بالماء
البرق يلمع للحظة، ثم ينطفئ.

في نهاية شارع قديم، تقف فيلا عتيقة، شرفاتها واسعة، وسورها حجري منخفض، خلفها طاحونة قديمة، وسور حديقة المنتزه يبدو بعيدًا…
الفيلا تطل على البحر، محاطة بأشجار التين والزيتون.
سنوات طويلة مرت، وهي محاصرة بين أبراج الزجاج والخرسانة، والفندق العملاق ، لكنها صامدة، كجزيرة صغيرة في بحر من الإسمنت، تحمل سرّها في كل حجر.
***
في الحديقة...
عم حسن البستانى...
رجل نحيل، بوجه مجعد كالأرض التي زرعها طوال عمره.
رفع عينيه نحو السماء ، وتمتم:
—المطر رجع…
كان يعرف هذا المكان كما يعرف أبناءه..
زرع الأشجار، وسقى الحديقة، ورأى ليلى ابنة دكتور أدم صاحب الفيلا وهي طفلة تركض بين الممرات.
تأمل شجرة التين الكبيرة.
مد يده ولمس جذعها الخشن.
وقال بصوت خافت:
—الشجرة لو اتنقلت من أرضها… ممكن تعيش.
ثم سكت قليلًا.
—لكن عمرها ما تثمر زي الأول.
***
في الداخل...
أم سعد...
الخادمة العجوز... جلست في حجرة المطبخ القديم.
دوّى الرعد في الخارج، فاهتزت النوافذ قليلًا.
مسحت الطاولة ببطء،
رفعت رأسها وهمست:
—واضح إن الليلة طويلة.
رأت عم حسن يعبر الممر تحت المطر.
فتحت النافذة قليلًا.
—لسه بتلف حوالين البيت؟

ابتسم.
—أنا بزرع فيه من زمان… ما ينفعش أسيبه.

قالت بصوت خافت:
—حاسه إن البيت مختلف الليلة؟


***
في الطابق العلوي....
دكتور آدم...

جلس وحيدًا، بين مكتبة ضخمة تمتد حتى السقف، دفاتر صفراء، أوراق مكتوبة بخط متعب، ورائحة الورق القديم تختلط برائحة المطر.
على مكتبه صورة زوجته الراحلة تبتسم بهدوء.

مد آدم يده ولمس الإطار الخشبي.
—ما زال البيت كما تركته… وما زال السر هنا.
الأرض لا تنسى.

مرّ في الغرفة هواء بارد خفيف، فاهتزت ستارة النافذة قليلًا.
رفع آدم رأسه، كأن شيئًا ما مرّ بالقرب منه.

في الضوء الخافت، خُيّل إليه أن صورة زوجته ابتسمت أكثر.

همس بصوت يكاد لا يُسمع:
—أنت هنا… أليس كذلك؟

عند الباب وقفت ليلى، ابنته، تتأمله بصمت.
—أبي… مع من تتحدث؟!

تنهد آدم، صوته خافت ومليء بالحزن:
—هي هنا… كما كانت دائمًا.

ليلى همست:
—أبي… أنت تهزي؟

ضحك آدم ضحكة صغيرة حزينة.
—ربما… أو ربما أحب أن أعيش مع من أحب.

دخلت ليلى الغرفة، وضعت كوب الشاي أمامه.
—رامي خطيبي هنا… قال إن العرض كبير وسيزداد.

نظر آدم نحو الجدران ببطء.
—الناس يظنون أن البيوت حجارة.
دوّى الرعد، واهتز زجاج النوافذ.
قالت ليلى بهدوء:
—الجميع يبيعون يا أبي… كل البيوت القديمة تختفي.

ابتسم آدم ابتسامة شاحبة.
—المال لا يعيد من رحلوا… ولا يعيد العمر.

في زاوية الغرفة، بين الأوراق والمخطوطات، تكدست الفواتير،و مطالبات السداد.
آدم يمسح جبينه :
—كيف… كيف سأدفع كل هذا؟
كان يعرف أن البنك لن ينتظر طويلًا… وأن ورقة الحجز قد تصل في أي صباح.

فتح ملفًا آخر.
راتب البستانى، والخادمة،مصاريف ليلى، الجامعة… الكتب… الحياة اليومية التي لا ترحم.
انقبض قلبه.
شعر فجأة بثقل السنوات كلها فوق كتفيه.
نظر إلى الجدار،وكأنه يحادثه
.. قال بصوت خافت:
—كل ما يريدونه… أن يقتلعوا هذا المكان من الأرض.
يمكنه في لحظة أن يصبح مليونيرًا.
العروض كثيرة، والوسطاء لا يتوقفون عن الاتصال.
لكن فكرة بيع البيت كانت تخنقه.
ارتجف قليلًا، كأن قطرات المطر كلها تضغط على قلبه.

***
في الخارج، وقفت عدة طيور على سور الفيلا الحجري...
كانت تنظر إلى الداخل… بهدوء غريب.
تذكر آدم جيرانه الجدد.
سيارات فاخرة.
شقق مضاءة.
ضحكات سهلة.

أما هو… عالم يحمل أفكارًا كبيرة… ويغرق في الديون.
شعر بغصة مريرة.
***

في الصالة ، جلست ليلى قرب النافذة.
قال رامي وهو متوتر:
—ليلى… لازم تفهمي… والدك مجنون.
؟! كيف يرفض كل هذا المال

ليلى نظرت إلى الأرض.
—الأمر ليس بسيطًا يا رامي…
—ذكريات؟ حجارة؟ كتب؟!
—هذا عمره كله.
—عمره كله ضاع على وهم.

تنهدت ليلى.
—لو باع البيت… ربما…
قاطَعها رامي:
—ربما ماذا؟ إذا لم يبع البيت سيظل محاصرا بالديون … العالم لا ينتظر أسرار أبيك.

نظر رامي إلى الحديقة المبتلة.
—تعرفين كم يساوي هذا المكان الآن؟
برج واحد هنا… سيجعل أباك مليونيرًا.

نظرت ليلى إلى شجرة التين.
وقالت بهدوء:
—وهل يشتري المال ظل هذه الشجرة؟

لم يجب رامي.
قال ببرود:
—الناس تعيش في أماكن جديدة كل يوم.

رفعت ليلى رأسها.
—لكن الإنسان لا يبدل المكان الذي عاش فيه كما يبدل حذاءه ،هذه الأرض عزيزة أنت لا تعرف قيمتها.

***

وصل إلى البيت علوان بك رجل الأعمال ،صديق آدم القديم.
دخل وهو غاضب.
—آدم! كل مرة أقرّضك… وأنت لا تفعل شيئًا!

رفع آدم رأسه ببطء.
—الأمر ليس كما تظن.

صرخ الرجل:
—عندك بيت بملايين وترفض بيعه! سدد ديونك أولًا!

تنهد آدم.
—هذا البيت ليس مجرد مال.
—إذن ماذا؟

نظر آدم حوله.
إلى الجدران.
إلى السقف.
إلى السلم القديم.
قال بهدوء:
—إنه حياة كاملة.

ثم سكت لحظة، ونظر إلى الحديقة خلف الزجاج.

وقال بهدوء:

—وهذا البيت ليس لي وحدي.

تجهم علوان.
—ماذا تقصد؟

أشار آدم إلى الخارج.

—عم حسن زرع هذه الأشجار بيديه منذ ثلاثين عامًا…
كل شجرة هنا تعرف صوته.

ثم أضاف:

—وأم سعد جاءت إلى هذا البيت فتاة صغيرة تخدم أمي…
كبرت هنا… وشابت هنا.

تنهد ببطء.

—إذا بعت البيت… أين يذهبان؟

لم يجب علوان.

فأضاف آدم وهو ينظر إلى الطيور ،والأشجار المبتلة:

—وهذه الطيور، والأشجار أيضًا… ماذا سيحدث لها؟

سخر علوان:
طيور.... أشجار؟!

قال آدم بهدوء:

—حين يبنون الأبراج… سيقتلعونها كلها.

ثم قال بصوت منخفض:

—الأشجار لا تصرخ يا علوان… لكنها تموت.

وسكت لحظة.

—وأحيانًا نموت نحن معها… دون أن نعرف.

***

في تلك الليلة، كان المطر أشد.
وقف عم حسن تحت شجرة التين الكبيرة.
نظر إلى الفيلا.
وقال بصوت خافت:
—البيت صاحي الليلة.

رفع رأسه نحو الشرفة.

وقال وهو يلمس جذع الشجرة:

—الأرض ما بتسيب أهلها.
اطمّني… لسه حد في البيت فاهم.
***

وفي الداخل، شعرت أم سعد بشيء غريب في الممرات.
كأن خطوات قديمة تعبر المكان.
همست لنفسها:
—كأن اللي عاشوا هنا… رجعوا.
أنا ساعات بشوف ستي أم ليلي

ثم نظرت إلى السلم القديم وقالت:

—البيت حافظ خطواتهم…
يمكن عشان كده ما بيحبش الغريب.
***
نهض آدم فجأة
شعر كأن أحدًا يناديه.
لم يكن صوتًا واضحًا…
بل إحساسًا قديمًا يعرفه.

قام ببطء.
سار في الممر الطويل.
الأرضية الخشبية تصدر صريرًا خافتًا.

توقف أمام باب البدروم.
وضع يده على المقبض.
فتح الباب.
نزل السلم ببطء.

الهواء في الأسفل كان باردًا… ومشبعًا برائحة قديمة.
وقف في منتصف المكان.
صدر صوت خافت.
كأن أحدًا يركض في الطابق العلوي.
ثم ضحكة بعيدة.
ثم صوت خطوات صغيرة.

وضع يده على الجدار.
اهتز الضوء الخافت.
ثم ظهرت على الجدار حركة.
ظلال… تتحرك ببطء.
ضحكة صغيرة.
صوت خطوات طفلة.
كان يرى بوضوح…
زوجته…وهي شابة جميلة … تضحك.
وطفلة تركض في الممر.
ليلى… وهي صغيرة.

ثم ظهر المطبخ القديم.
أم سعد… شابة… تنادي من بعيد.

وفي الحديقة…
ركضت الطفلة تحت شجرة التين.

البيت كله… عاد حيًا.
دمعت عيناه.

في تلك اللحظة، وقفت ليلى خلفه.
—أبي… لماذا أتيت إلى هنا؟

تقدمت خطوة، ونظرت إلى أبيها بقلق.

— ماذا تفعل في الظلام؟!

لم يجب ،
ظل واقفًا أمام الجدار كأنه يصغي لشيء لا يسمعه غيره.

اقتربت أكثر.
ثم قالت بحدة مفاجئة:

—أبي… أنت تخيفني.
أنت تتحدث مع الجدران… ومع الصور… والآن تقف هنا كأنك ترى أشباحًا!

ظل صامتًا.

رفعت صوتها قليلًا، والغضب يختلط بالخوف:

—رامي كان محقًا… أنت تفقد عقلك!
البيت ليس حيًا… هذه مجرد حجارة...مجرد جماد لا يشعر ولا يحس.

عند هذه الكلمة…
استدار آدم ببطء شديد.

نظر إليها طويلًا.

وفي عينيه شيء لم تره من قبل.
حزن عميق… وشفقة أيضًا.

قال بهدوء:

—الجماد لا يحفظ الضحكات يا ليلى.

سكت لحظة.

ثم أضاف:

—ولا يحفظ خطوات الأطفال… ولا دفء الأمهات.

اقترب خطوة من الجدار.

ووضع كفه عليه.

ثم قال:

—لكن الأرض تحفظ.

نظرت إليه بارتباك.

—أي أرض؟

ابتسم ابتسامة خافتة.

—الأرض التي عشنا فوقها.

ثم مد يده إليها.

—تعالي.

ترددت.

—أبي…

—ثقي بي.

اقتربت ببطء.

أمسك يدها.

ووضع كفها على الجدار الخشبي القديم.

في البداية… لم يحدث شيء.

ثم…

ارتعش الضوء قليلًا.

تحركت الظلال.

وفجأة…

اتسعت عينا ليلى.

على الجدار ظهرت صورة الممر القديم.

ثم ظهرت امرأة شابة… تضحك.

ثم طفلة صغيرة تركض.

شهقت ليلى.

—أمي…

تراجعت خطوة… لكنها لم تستطع أن ترفع يدها.

المشهد يتسع.

المطبخ القديم.

أم سعد… شابة… تنادي.

ضحكات.

صوت الملاعق.

رائحة طعام قديم كأنها عادت للحظة.

ثم…

ركضت طفلة في الحديقة تحت شجرة التين.

عرفت نفسها فورًا.

همست بصوت مكسور:

—هذه… أنا.

دمعت عيناها فجأة.

لم تكن تشاهد صورة.

كانت تشعر باللحظة.

بالهواء.

بالضحكة.

بالدفء.

كأن الزمن انفتح للحظة…

التفتت إلى أبيها بذهول.

—كيف يحدث هذا؟

قال آدم بصوت هادئ:

—البيت لا ينسى.

ثم نظر حوله.

إلى الجدران.

إلى الأرض.

—كل خطوة عشناها هنا… بقيت.

سكت قليلًا.

ثم قال:

—هل يمكنك أن تفرطي في هذه الأرض؟

نظر إليها.

—إنهم لا يشترون حجارة يا ليلى…

وأشار إلى الأرض تحت قدميهما.

—إنهم يشترون عمرنا.

صمتت ليلى طويلًا.

المشهد على الجدار بدأ يبهت.

الضحكات تخفت.

والطفلة الصغيرة تختفي ببطء.

لكن الدموع بقيت في عينيها...

.. نظرت إلى البيت حولها.

كأنها تراه لأول مرة.

—هذه الأرض… ليست مجرد مكان.

قال آدم بهدوء:

—إنها ذاكرة.

وفي الخارج…

كان المطر لا يزال يهطل على الفيلا القديمة.

بين الأبراج العالية التي لا تعرف شيئًا عن الذكريات.

لكن البيت العتيق ظل واقفًا في الظلام…

يحرس حياة كاملة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى