محمود حمدون - على أمل أن...

هي مجرد لحظات، لقد تهيأت لذلك جيدًا، درّبت نفسي على هذه الوقفة. ثق أنني لن أقاوم، بل لن أشعر بشيء، إذ فعليًّا فقدت الشعور من زمن بعيد.
أرجوك نفّذ وبسرعة..
هكذا أخبر "عبد الله روبي" "عشماوي" وهو يربط يديه من الخلف، قبل أن يضع العصابة السوداء الشهيرة على عينيه ورأسه.
لا يتحدث عشماوي مع زبائنه، ربما يهمهم أو يبسمل أو يحوقل، أو يستعيذ في سرّه من خاطر الشفقة على المدان الواقف أمامه على الطبلية.
نظراته جامدة، أو هي في الحقيقة نظرة ميتة من كثرة ما رافق الموت في عمله على مدار سنوات بعيدة.
غير أن "عم عشم" كما ناداه "روبي" في اللحظات التي اقتاده فيها جلّاده حتى أنشوطة الحبل- الكلمة هزّت الجلّاد، شرد معها وفيها دقيقة-.
حتى أنه في هذه المرة دقّق النظر في الضحية الماثلة بين يديه، همّ بالحديث إليه، لكن "عبد الله روبي" عاجله، قال:
- لقد بعت كل شيء، ومن بدايات حياتي كنت أبيع كل شيء يقع في طريقي، لذلك أظنني فقدت آدميتي من فترة بعيدة.
- كما قلت لك الآن: لم يعد يهمّني أي شيء، لا شعور، لا طمأنينة، تساوت كل الأمور في عيني.
-افعل ما ينبغي عليك فعله يا عم عشم، يلا بسرعة، انجز لو سمحت.



برعشة في صوته، نبرة فاضت بإنسانية ليس أوانها أو مكانها، رجاه عشماوي أن ينطق الشهادتين.



ثم قبض بشدة على يد المقصلة، عيناه مثبّتان على الفقيد المنتظر، أذناه تصغيان على أمل أن..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى