منذر ابو حلتم

هذا الصباح أعلنتِ الشمسُ إفلاسَها، وأصدرتِ السماءُ بياناً رسمياً تنفي فيه وجودَها. أما الحقيقةُ فمفقودةٌ منذ زمن، لكنَّ السلطاتِ تؤكدُ أن البحثَ عنها جارٍ في أقبية المصحِّ الكبير. دخلتُ، فلم أجدْ سوى مصحٍّ هائلٍ تتدلّى من سقفه نجومٌ من قصدير. في الممرّات كانت الساعاتُ مربوطةً بالسلاسل، والزمنُ...
حين خرج من بيته ذلك الصباح، كان يحمل يومه تحت إبطه كملفٍّ قديم، ويجرُّ خلفه ظلاً متعباً من الأمس. لم يكن يتوقع أكثر من شوارع مزدحمة، وإشارات مرور تتثاءب عند المفارق، ووجوه عابرة تذوب في ضباب الاعتياد. لكن ما إن انعطف عند أول زاوية حتى تجمّد في مكانه. كانت المدينة عارية. الرجال والنساء، الشيوخ...
لم يكن الألم هو أول ما اختفى. بل الوزن. ذلك الثقل الخفي الذي كان يربطه بالأرض، بالأشياء، بالاسم الذي حمله طويلًا، تلاشى فجأة كزر انطفأت فيه الجاذبية. وحين فتح عينيه، لم يجد سقف الغرفة ولا وجوه الواقفين حول السرير، بل وجد نفسه في مكان يشبه الفكرة أكثر مما يشبه مكانًا حقيقيًا. كان هناك ضوء رماديّ...
في الليلِ الذي نسيَ اسمَهُ كانتِ السماءُ تُبدّلُ جلدها مثلَ أفعى عمياء، وكانَ القمرُ مسماراً صدئاً في نعشِ العالم . الخرائطُ لم تعدْ خرائط . كانتْ أعضاءً داخليةً معلّقةً في مختبرِ جنرالٍ عجوز، كلّ نهرٍ فيها وريدٌ مفتوح، وكلُّ مدينة جرحٌ يتنفّس . في الجنوبِ كانتِ الأشجارُ تنمو مقلوبةً، جذورها...
١ ـ نشيدُ الرؤيا رأيتُ في منامِ الليلِ أرضًا تنوءُ بثقلِ خرابِها، وسماءً تمزّقُ أثوابَها ثم تسترُ عريَ الجهاتِ برقعةِ غيمٍ حزينْ. رأيتُ الغيومَ معلّقةً كالرؤوسِ على رماحِ الرياحِ العتيقةْ، ورأيتُ البحارَ تمدُّ الأواني الفقيرةَ نحو الجداولِ تستعطي الماءَ ورأيتُ شمسًا من حجرِ أسودِ بارد لا تمنحُ...
في آخرِ الليلِ كانتِ الخرائطُ تتثاءبُ على الطاولة، يسقطُ منها دبوسٌ أحمرُ .. فيصحو المحيط. على ضفّةٍ لا تُرى كانتْ قاراتٌ تُقايضُ ظلَّها بالنار، وتقيسُ المسافاتِ بما يعلو من دخان. من الذي أيقظَ الحديدَ في حنجرةِ الريح؟ ومن علَّمَ الطائراتِ أن تتهجّى أسماءَ المدن كأنها صلواتٌ مقلوبة؟ في الشرق...
على صخرِ الجنوب هل رأيتَ رصاصةً تبحثُ عن معناها قبل أن تستقرّ في الجسد؟ لم تكن هناك سوى فكرةٍ حادّة تتعلمُ كيف تصيرُ قدراً وكيف تكتبُ اسمكَ بلغةٍ لا تُمحى وفي راحةِ الموت أما شعرتَ أن شيئاً صغيراً كان يراقبهُ؟ عينٌ من وجعٍ تمنعهُ من أن ينتصر هنا… هل تناديها مدينة؟ أم رجفةً في عصبِ الضوء؟ "بنتُ...
سيحدثُ… ليس الآن لكن حينَ يتعبُ الحديدُ من تكرارِ اسمه حينَ تُدركُ حاملاتُ الطائرات أنّها ليست سوى توابيتٍ مؤجّلة تمشي فوقَ ماءٍ لا يعترفُ بها سيحدثُ… حينَ تعودُ الأسرابُ دونَ ذاكرة حينَ تضيعُ الأهدافُ داخلَ شاشاتٍ تأكلُ نفسها حينَ يصيرُ القصفُ عادةً بلا نتيجة كقلبٍ ينبضُ… ولا يعيش سترونَ البحرَ...
( من بين السحاب انشد صاروخ في طريقه نحو تل أبيب ) أنا الصاروخُ لا تولدُ النيرانُ منّي أنا أخرجُ من جملةٍ عجزتْ أن تُقال أنا بقايا صوتٍ دُفنَ تحتَ الخرائط ثم تعلّمَ كيف يشقُّ الهواء أرى… ولا أحتاجُ إلى عينين طبقةً من ضوءٍ مصقول وفوقها طبقةٌ من إنكار وتحتها… قريةٌ ما زالت تُنادي باسمها ولا يُجيب...
السيف أبلغُ في الأفعال من خُطبِ في صَرفِهِ الحسمُ بينَ الصدقِ والكَذِبِ إن القذائفَ لا تُخطي إذا غَضِبَتْ وفي دُخانِ الردى ثأر من الغضب والنورُ يمضي إذا ما الليلُ في سَغَبٍ يمحو الظلامَ ببرقِ الحسمِ والشُّهُبِ ما العدلُ إلا سُيوفٌ في يدِ الغَضَبِ إن نامَ حامي الحِمى جَارَتْ يدُ السَّلَبِ...
تقفُ هناكَ… لا كدولةٍ في نشرةِ الأخبار، بل كجبهةٍ من تعبِ التاريخ، وذاكرةٍ تتقنُ الصبرَ كما يتقنُ الجبلُ حملَ الثلج. وحيدةً؟ ربما. لكنّ الوحدةَ أحيانًا تكونُ امتحانَ المعادن. ريحٌ عاتيةٌ تعبرُ البحارَ وترفعُ في وجهها أعلامًا من نارٍ وبوارجَ من فولاذ، فتبتسمُ الأرضُ وتقول: “كم مرّت عليَّ جيوش،...
لم يكن أحد في المدينة يتذكر متى بدأت الحكاية. فمنذ وُلد الناس هناك، وُلدوا بلا عيون. لم يكن الأمر يُعدُّ عيبًا، بل كان فضيلة؛ فالظلام، كما كانوا يقولون، أكثر عدلًا من النور، لأنه لا يميّز بين غني وفقير. في صباحٍ لا يختلف عن غيره من الصباحات — وإن كانوا لا يعرفون معنى الصباح — صدر مرسوم سلطاني من...
تقيّأتِ الشمسُ وجهَ النهارْ فصفّقَ موتى الحقيقةِ في ساحةِ الاحتضارْ وقالوا: "نجونا!" فعادَ الغرابُ يُرتّلُ نشرةَ أخبارهم بالرياءْ... كأنّ الحقيقةَ بنتُ الهوى تباعُ على الأرصفةْ، وتُشترى بالحذاءْ وإن قيلَ: من فيكمُ لم يخنْ؟ تلفّعَ جمعُ القطيعِ بصمتِ القضاةِ ورجموا المرآةْ تحاصر وجهي مرايا الزمانْ...
أَضِيئِي الشَّمْسَ فِي عَيْنَيَّ فَالشَّمْسُ دُونَكِ لَا تُنِيرْ أَضِيئِيهَا… فَإِنَّ الْقَلْبَ مِنْ غَيْرِ حُبِّكِ يَسْتَجِيرْ إِنْ أَقْفَرَتْ مِنْكِ الْمَدِينَةُ صَارَ النَّهَارُ بِلَا مَصِيرْ *** سُهُولُ الرُّوحِ فِي صَدْرِي تُنَادِي فَجْرَكِ الْمُنْتَظَرْ وَخُيُولُ الرِّيحِ تَمُرُّ...
خذْ كلَّ طيفِكَ من فؤادي وأعطني بعضي لديكْ لم يَعُدْ للريحِ صوتٌ فاستمعْ همسي إليكْ والسحابُ العذبُ أضحى غيمةً تبكي عليكْ لم يَعُدْ في الروحِ إلا خَفْقةٌ تهفو إليكْ فالروحُ باتت في صقيعٍ والدفءُ يولدُ في يديكْ ما عاد في صدري اتساعٌ غيرُ نبضٍ يحتويكْ إنّي أفتّش عن أماني في موانئ مقلتيك...

هذا الملف

نصوص
110
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى