هذا الصباح
أعلنتِ الشمسُ إفلاسَها،
وأصدرتِ السماءُ بياناً رسمياً
تنفي فيه وجودَها.
أما الحقيقةُ
فمفقودةٌ منذ زمن،
لكنَّ السلطاتِ تؤكدُ
أن البحثَ عنها جارٍ
في أقبية المصحِّ الكبير.
دخلتُ،
فلم أجدْ سوى مصحٍّ هائلٍ
تتدلّى من سقفه نجومٌ من قصدير.
في الممرّات
كانت الساعاتُ مربوطةً بالسلاسل،
والزمنُ...
حين خرج من بيته ذلك الصباح، كان يحمل يومه تحت إبطه كملفٍّ قديم، ويجرُّ خلفه ظلاً متعباً من الأمس. لم يكن يتوقع أكثر من شوارع مزدحمة، وإشارات مرور تتثاءب عند المفارق، ووجوه عابرة تذوب في ضباب الاعتياد.
لكن ما إن انعطف عند أول زاوية حتى تجمّد في مكانه.
كانت المدينة عارية.
الرجال والنساء، الشيوخ...
لم يكن الألم هو أول ما اختفى.
بل الوزن.
ذلك الثقل الخفي الذي كان يربطه بالأرض، بالأشياء، بالاسم الذي حمله طويلًا، تلاشى فجأة كزر انطفأت فيه الجاذبية.
وحين فتح عينيه، لم يجد سقف الغرفة ولا وجوه الواقفين حول السرير، بل وجد نفسه في مكان يشبه الفكرة أكثر مما يشبه مكانًا حقيقيًا.
كان هناك ضوء رماديّ...
في آخرِ الليلِ
كانتِ الخرائطُ تتثاءبُ على الطاولة،
يسقطُ منها دبوسٌ أحمرُ ..
فيصحو المحيط.
على ضفّةٍ لا تُرى
كانتْ قاراتٌ تُقايضُ ظلَّها بالنار،
وتقيسُ المسافاتِ
بما يعلو من دخان.
من الذي أيقظَ الحديدَ
في حنجرةِ الريح؟
ومن علَّمَ الطائراتِ
أن تتهجّى أسماءَ المدن
كأنها صلواتٌ مقلوبة؟
في الشرق...
على صخرِ الجنوب
هل رأيتَ رصاصةً
تبحثُ عن معناها
قبل أن تستقرّ في الجسد؟
لم تكن هناك
سوى فكرةٍ حادّة
تتعلمُ كيف تصيرُ قدراً
وكيف تكتبُ اسمكَ
بلغةٍ لا تُمحى
وفي راحةِ الموت
أما شعرتَ
أن شيئاً صغيراً
كان يراقبهُ؟
عينٌ من وجعٍ
تمنعهُ من أن ينتصر
هنا…
هل تناديها مدينة؟
أم رجفةً في عصبِ الضوء؟
"بنتُ...
سيحدثُ…
ليس الآن
لكن حينَ يتعبُ الحديدُ
من تكرارِ اسمه
حينَ تُدركُ حاملاتُ الطائرات
أنّها
ليست سوى توابيتٍ مؤجّلة
تمشي فوقَ ماءٍ
لا يعترفُ بها
سيحدثُ…
حينَ تعودُ الأسرابُ
دونَ ذاكرة
حينَ تضيعُ الأهدافُ
داخلَ شاشاتٍ
تأكلُ نفسها
حينَ يصيرُ القصفُ
عادةً
بلا نتيجة
كقلبٍ
ينبضُ…
ولا يعيش
سترونَ البحرَ...
( من بين السحاب انشد صاروخ في طريقه نحو تل أبيب )
أنا الصاروخُ
لا تولدُ النيرانُ منّي
أنا أخرجُ من جملةٍ
عجزتْ أن تُقال
أنا بقايا صوتٍ
دُفنَ تحتَ الخرائط
ثم تعلّمَ كيف يشقُّ الهواء
أرى…
ولا أحتاجُ إلى عينين
طبقةً من ضوءٍ مصقول
وفوقها طبقةٌ من إنكار
وتحتها…
قريةٌ ما زالت تُنادي باسمها
ولا يُجيب...
السيف أبلغُ في الأفعال من خُطبِ
في صَرفِهِ الحسمُ بينَ الصدقِ والكَذِبِ
إن القذائفَ لا تُخطي إذا غَضِبَتْ
وفي دُخانِ الردى ثأر من الغضب
والنورُ يمضي إذا ما الليلُ في سَغَبٍ
يمحو الظلامَ ببرقِ الحسمِ والشُّهُبِ
ما العدلُ إلا سُيوفٌ في يدِ الغَضَبِ
إن نامَ حامي الحِمى جَارَتْ يدُ السَّلَبِ...
لم يكن أحد في المدينة يتذكر متى بدأت الحكاية.
فمنذ وُلد الناس هناك، وُلدوا بلا عيون. لم يكن الأمر يُعدُّ عيبًا، بل كان فضيلة؛ فالظلام، كما كانوا يقولون، أكثر عدلًا من النور، لأنه لا يميّز بين غني وفقير.
في صباحٍ لا يختلف عن غيره من الصباحات — وإن كانوا لا يعرفون معنى الصباح — صدر مرسوم سلطاني من...
خذْ كلَّ طيفِكَ من فؤادي
وأعطني بعضي لديكْ
لم يَعُدْ للريحِ صوتٌ
فاستمعْ همسي إليكْ
والسحابُ العذبُ أضحى
غيمةً تبكي عليكْ
لم يَعُدْ في الروحِ إلا
خَفْقةٌ تهفو إليكْ
فالروحُ باتت في صقيعٍ
والدفءُ يولدُ في يديكْ
ما عاد في صدري اتساعٌ
غيرُ نبضٍ يحتويكْ
إنّي أفتّش عن أماني
في موانئ مقلتيك...