منذر ابو حلتم

خذْ كلَّ طيفِكَ من فؤادي وأعطني بعضي لديكْ لم يَعُدْ للريحِ صوتٌ فاستمعْ همسي إليكْ والسحابُ العذبُ أضحى غيمةً تبكي عليكْ لم يَعُدْ في الروحِ إلا خَفْقةٌ تهفو إليكْ فالروحُ باتت في صقيعٍ والدفءُ يولدُ في يديكْ ما عاد في صدري اتساعٌ غيرُ نبضٍ يحتويكْ إنّي أفتّش عن أماني في موانئ مقلتيك...
تقدّمَ جيشُ الحديدِ الطويلِ كأنَّ القيامةَ تمشي ببطءٍ وتحملُ في كفّها ألفَ نارٍ وفي ظلِّها يرتجفُ البحرُ خوفًا أتت من وراءِ المحيطِ النبوءةُ بأنَّ الجبابرةَ العائدينَ إذا أكثروا من عدِّ السيوفِ نسوا كيف يُعدُّ السقوطُ الأخيرُ وفي العرشِ، كان التاجرُ الأعلى يُقلّبُ هذا الكوكبَ المستعارَ يرى...
كان العصفورُ الزجاجيُّ يفردُ جناحيه بصمتٍ قربَ أوراقي المبعثرة كأنّه فاصلةٌ شفّافة بين جملةٍ لم تكتمل وحياةٍ لم تُروَ بعد. لم يكن يغرّد، بل كان يلمع. كلّما تنفّستُ اهتزّ الضوءُ في صدره كقنديلٍ صغير يتعلّقُ بخيطِ الغياب. أوراقي كانت خرائطَ منفى، سُطورًا تاهت عن شواطئها، حبرًا يبحث عن جسدٍ يسكنه،...
أجلس هنا، وحيدًا في البرج الانيق .. الأسمنت يزحف حولي كحيوان بارد، يبتلع الضوء، يمتص الأصوات، والطرق تتلوّى كأوردة تتشابك في صدر المدينة. أتذكر القرية… الطين ينبض تحت قدمي، الطرق ترفرف كأهداب عيون، الدخان يركض من المداخن، رائحة الطوابين والخبز الطازج تلمس وجهي قبل أن يتحوّل كل شيء إلى عطر...
لم تكن السفن العتيقة تعرف متى بدأت حكايتها. كل ما كانت تتذكره هو القمر، حين يعلّق ضوءه كجرحٍ أبيض في السماء، فتقترب الظلال من بعضها على استحياء، كما لو أنها تخشى أن توقظ الرمل من نومه الطويل. في تلك الليالي، كانت السفن تتسامر دون أصوات. تتبادل صرير الأخشاب، وتنقل الريح ما تبقى من همسٍ تكسّر في...
تمشي، والأرض تتلوّى من تحت قدميك، الطرقُ تصبح أعينًا، والنوافذ ألسنةٌ تتحدث بدمك، والغيمُ يبتلع شكلَك، ثم يعيده ناقصًا، كمرآةٍ تشرب الليل ولا تعرف الصباح. *** الشمسُ الباردة تهزّ رأسها، كما لو أنها تعرف كل أسرارك، وتتركها معلّقة على شعاعٍ يئنّ بلا حرارة، تشعر بأنك تتنفس داخل فراغٍ أكبر من...
في الرأس الذي يذوب كساعة دالي تتسلّق الظلال الزرقاء عظم الجمجمة وتقفز الأفكار كسمكةٍ ذهبية في حوضٍ من الزجاج المكسور. الصداع يرقص مع السحب الثقيلة، يهمس للعروق: افتحي أبواب البرق، فيندلع الرعد داخل العيون. أنا لستُ أنا، بل غابةُ أظافرَ نامية تخدش السكون، والوقت فراشةٌ عمياء تصطدم بجدران...
ها أنت الآن تسير وحيدًا في مدينة لم تعد تعرف ملامحها. الركام يغطي كل شيء، والمباني التي كانت يومًا شاهدة على الحياة أصبحت الآن شواهد للموت. غزة تنهار تحت القصف، وأنت تبحث عن بقايا من الماضي الذي كان يجمعك بأهلك، بطلابك، وبأحلامك التي دفنت تحت الأنقاض. كنت في المنزل مع عائلتك عندما بدأ القصف...
الأمواتُ لا يحلمون، أعرفُ ذلك الآن. الحلمُ ثِقَلٌ على القلب، وهم خفّوا إلى حدِّ الحقيقة. نحن نحلم لأننا لم نغادر بعد، لأن الزمن ما زال يضع يده على أكتافنا ويهمس: لم تنتهِ. الأمواتُ لا يحلمون، لأن الذاكرة لم تعد تطاردهم، ولا يوقظهم وجهٌ نسيَ أن يرحل. أنا أحلم لأن في صدري غرفةً لم تُطفأ أنوارها،...
ها أنت تقف قرب النافذة، كأنك حجرٌ ثابت في غرفة يلتفّ حولها الزمن. المطر يهطل بلا هوادة، يطرق الزجاج كمن يريد أن يُوقظك من غفلةٍ طويلة. الهواء بارد، والسماء ملبدة، وكل ما في الخارج يبدو كلوحة رسمها فنان متعب. في الداخل، المكتبة العتيقة تئنّ تحت ثقل كتبٍ ما عادت تُقرأ، بعضها مفتوحٌ على صفحات...
غَزَّةُ لَم تَكُ أَرْضًا، بَلْ وَشْمَ خُلُودٍ فِي الجَبِينْ. فِي السَّابِعِ مِنْ شَهْرِ التَّرَقُّبِ، حِينََ تَوَقَّفَتِ السَّاعَاتُ عَـلَى حَافَّةِ الْهَاوِيَةِ الزَّرْقَاءِ، انسَلَّ الْفَجْرُ خِلْسَةً، لَا ضَوْءَ يَحْمِلُ، بَلْ رَعْشَةَ حُرِّيَةٍ تَشُقُّ عِظَامَ الْجِدَارِ العَنِيدْ...
إليهم… الذين أبحروا بلا خوف، وجعلوا البحر مرآةً للشمس، فلم تعد الأمواج عتمةً بل أشرعةً من لهبٍ وضوء. إليهم… الذين حملوا جراح الأرض في كفوفهم، وألقوها في حضن النهار لتولد من جديد. إليهم… الغرباء الذين صاروا شموساً، فأضاؤوا ذاكرة الشعوب، ورسموا على صفحة الماء ملامح الخلود. ** (البحر يستيقظ)...
بِئسًا لكم… لم يَبقَ في قاموسِكم غيرُ رمادٍ يَتناثرُ من أفواهِ المعاجم، كأنَّ الكلماتِ صارتْ عظامَ طيورٍ محنّطة في متحفٍ بلا زائرين. أنتم، تَغزِلونَ حِبالَ القَيْدِ بمغازلٍ مُعتَّقةٍ بالذلِّ، ثمَّ تُعلّقونَها على جُدرانِكم كما تُعلَّقُ لوحاتُ العُرسِ، وتُهْدونَ أطفالَكُمُ الأصفادَ كأساوِرَ من...
يا ويحَ قمَّتِنا إذا انعقدتْ فما تلدُ الجبالُ سوى صدى الأطيارِ شجبٌ كثير ... والإدانة جمة كالريحِ تعوي في ثقوبِ الدارِ على المنابِرِ قد تَصاغُ خُطوبُنا وكأنَّها زرع بلا إثمارِ ما بينَ شجبٍ أو بيانٍ عابرٍ ضاعَت شعوبٌ في ظلامِ النارِ قممٌ تُعانقُ بعضَها في جلبة وتذوب... مثل الريح في...
يا غائــبًا والحزنُ يَسكُنُ في الفؤادْ والدمعُ يجري في المآقي كالمدادْ يا صاحبَ الخُلقِ الرفيعِ، فمَن لنا بعدَ ارتحالِكَ يُطفِئُ الجرحَ الوقادْ؟ يا من جعلتَ القَولَ صدقًا مُشرقًا ما هُنتَ يومًا، ما ارتضيتَ بهُ انقيادْ تبكيكَ أوطانٌ ذَوت في جرحِها وتقولُ: قد رحلَ الذي أعطى وزادْ كم كنتَ تجلو...

هذا الملف

نصوص
111
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى