منذر ابو حلتم - رماد وأمل...

ها أنت الآن تسير وحيدًا في مدينة لم تعد تعرف ملامحها. الركام يغطي كل شيء، والمباني التي كانت يومًا شاهدة على الحياة أصبحت الآن شواهد للموت. غزة تنهار تحت القصف، وأنت تبحث عن بقايا من الماضي الذي كان يجمعك بأهلك، بطلابك، وبأحلامك التي دفنت تحت الأنقاض.
كنت في المنزل مع عائلتك عندما بدأ القصف. والدك كان يجلس بجوار الراديو، يستمع للأخبار بصمت، ووالدتك كانت تجهز العشاء من بقايا الطعام القليل الذي لديكم. مريم، أختك الصغيرة، كانت تلعب بجوار النافذة، تبتسم لدميتها الوحيدة. كنت تقول لهم بصوت مليء بالتفاؤل الذي لا تعرف مصدره:
"لن يدوم هذا طويلًا. سنبني من جديد."
لكن الليل حمل معه جحيمًا لا ينتهي. طائرات الاحتلال حامت كالغربان فوق سماء غزة، وأسقطت حممها على كل زاوية من المدينة. انفجارٌ هائل زلزل الأرض تحت قدميك. كل شيء انهار في لحظة واحدة.
استيقظت تحت الأنقاض، تراب كثيف يملأ رئتيك، وصوت صراخ بعيد يصل إلى أذنيك. تزحف ببطء بين الحطام، تصرخ بأسماء أهلك:
"أمي! أبي! مريم!"
لكنك لا تجد سوى الصمت. والدك كان جالسًا في مكانه، رأسه منحني وكأنه استسلم للقدر. والدتك، التي كانت تعد الطعام، ملقاة بين الحطام ويدها ممدودة كأنها كانت تحاول إنقاذ أحدهم. وعندما تصل إلى مريم، تراها تحتضن دميتها الممزقة، كما لو أنها تحتمي بها من هذا العالم القاسي.
تخرج من الحطام، لكنك لا تحمل سوى قلب محطم وذاكرة ثقيلة.
تمضي الأيام وأنت تتنقل في شوارع المدينة المدمرة. ترى المشاهد التي لا تُمحى من ذاكرتك: جثث ملقاة على الأرصفة، أطفال فقدوا كل شيء، وأمهات يصرخن بحثًا عن أبنائهن تحت الأنقاض.
تصل إلى شاطئ البحر، حيث قوارب الصيادين الصغيرة التي كانت يومًا ما رمزا للرزق والكفاح. الآن، تلك القوارب محترقة، وبعضها مهشم بفعل قصف الطائرات. ترى صيادًا عجوزًا يجلس على الرمال، ينظر إلى بقايا قاربه وهو يتمتم:
"لقد أخذوا منا كل شيء... حتى البحر لم يسلم."
على الشاطئ أيضًا، ترى مجموعة من الأطفال يحاولون جمع الأخشاب من القوارب المدمرة للتدفئة. صوت الطائرات يعود ليخترق السماء، وتُسقط صواريخها على ما تبقى من القوارب، كأنها تريد أن تمحو كل أثر للحياة.
في أحد الأيام، تصل إلى مستشفى الشفاء، المكان الوحيد الذي لم تسقط عليه السماء بعد. هناك، وسط الفوضى، تراها: ليلى. خطيبتك التي كنت تظن أنك لن تراها مجددًا.
كانت ترتدي ملابسها الطبية الملطخة بالدماء، تركض بين الجرحى كمن يحاول إنقاذ العالم بيديه العاريتين. عيناها متعبة، لكنهما ما زالتا تحملان شرارة الإصرار. عندما تراك، تتجمد للحظة، ثم تركض نحوك.
"أسامة! ظننت أنك رحلت معهم..."
تحضنك بشدة، وكأنها تريد أن تتأكد أنك لست حلمًا. وعندما تتحدث، تخبرك بأنها فقدت أهلها أيضًا.
"بحثت عنهم في كل مكان، لكن لا أثر لهم. ربما دفنوا تحت الأنقاض، أو في أحد تلك المقابر الجماعية..."
تصمت للحظة، ثم تقول بصوت متهدج: "لم يعد لدينا شيء، لكننا ما زلنا هنا."
تعمل معها في المستشفى، تساعد في تنظيم المرضى، تنقل الجرحى، وتوزع الطعام. المستشفى مكتظ، الأطفال يملأون الممرات، وبعضهم ينادي على أمهاتهم بصوت يذيب القلب. ترى طفلة صغيرة تجلس وحيدة، تحمل صورة ممزقة لوالديها. تسألها:
"أين أهلكِ؟"
تنظر إليك بعينين خاليتين من الدموع، وتقول: "تحت البيت... هناك."
في الليل، وأثناء عملكما، تصل مجموعة من المقاومين إلى المستشفى. أحدهم مصاب بجروح بليغة. إنه سامر، الطالب الذي كنت تدرّسه في الجامعة. يمسك بيدك وهو يبتسم رغم الألم:
"دكتور... نحن لا نقاتل فقط. نحن نحمي الحياة."
كلماته تهزك. تبدأ بالتفكير في شيء أكبر من الألم. تجمع الشباب من المخيمات حولك، تبدأ بتوزيع المهام. تبدأون بتنظيف الشوارع، ونقل الأنقاض، ومحاولة إعادة بناء بعض المنازل.
لكن الحرب لا ترحم أحدًا.
في إحدى الليالي، بينما تعملون على رفع الأنقاض من أحد الشوارع، يعود صوت الطائرات. تصرخ لتحذر الجميع، لكن الوقت لا يكفي. الانفجار يهز المكان، وعندما تستعيد وعيك، تجد ليلى ملقاة على الأرض، غارقة في دمائها.
تركض نحوها، تمسك بيدها. تقول لها بصوت مرتجف: "ليلى، لا تتركيني. نحن بحاجة إليك!"
تنظر إليك بعينيها المليئتين بالحياة رغم الموت القريب. تبتسم بصعوبة، وتقول:
"أسامة... لا تتوقف. غزة تحتاجك..."
تُغمض عينيها، ويصبح صمتها هو النداء الأخير.
في الأيام التالية، تسير في المخيمات، حيث الخيام تغرق تحت المطر، والأطفال يتجمعون حول النيران الباهتة، يحاولون مقاومة البرد والجوع. تنظر إلى السماء، تبحث عن أي إشارة لنهاية هذه الحرب. لكنها لا تأتي.
تجمع الشباب مرة أخرى، تقول لهم: "الحرب لم تنتهِ، لكنها لن تأخذ كل شيء. سنبني، لأن هذا ما تركته ليلى لنا."
تبدأون العمل مجددًا، لكنك تعرف أن الطريق طويل، وأن السماء فوق غزة لم تُطفئ نارها بعد.

منذر ابو حلتم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى