منذر ابو حلتم

١ – رماد في داخلي مدنٌ مهجورةٌ تتجوّلُ فيها أرواحٌ بلا وجوه. الحزنُ عندي ليس وجعاً عابراً، بل قارةٌ غارقةٌ في محيطٍ من عتمة، تتنفّسُ من ثقوبِ صدري. حين أنام، يُفتحُ في قلبي ممرٌّ سرّي، تتدفقُ منه ذئاب من دخان، تنهشُ جدرانَ أحلامي وتتركُ فوقها وشوماً من رماد. ٢ – الغرق أمشي كظلٍّ مكسور،...
١ – صباح أيلول الضوءُ يخطو على غيمٍ خفيفٍ اصوات العصافيرُ خافتةٌ بين الأشجارِ الندى يقطر على العشب الرقيقِ ورائحةُ الأرض بعد اوائل المطر تجيء من بعيد لتلمس الروحَ الأوراقُ تتساقط برفقٍ والهواءُ يحملُ همسَ صباحٍ حزينٍ أحلامٌ لم تُقطف بعدُ تنهضُ في صمتٍ ناعمٍ يسري في القلبِ ٢ – مساء أيلول...
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى عُرُوبَةِ هَزْلَةٍ تُباعُ إلى السّاداتِ بيعَ المُهمَّلِ وَدارٍ مضى فيها الفخارُ كأنّهُ سَرابٌ تَوارى في متونِ الأرْحُلِ بَكَتْها الرِّمالُ السّمرُ حينَ تَفَرَّقتْ جُموعُ بنيها بينَ كَفِّ المُذلِّلِ إذا ذُكرتْ أمجادُها، قامَ شاعرٌ يُجَرِّدُ أحرفَهُ كسيفٍ مُعَطَّلِ...
غزّةُ وحدَها تعلِّقُ موتاها على حبلِ غَسيلِ المساءِ، كي تراهم سماءٌ بلا غيمٍ، وتصرخُ صوتاً يَخرقُ طبلةَ الخلود: "هؤلاءِ موتاي… أعيدوهم إليَّ، وخُذوا ما تبقّى من عروبتكم إلى المزاد." غزّةُ وحدَها تفتحُ صدرَ الرياح، وتزرعُ في فُتاتِ البيوتِ سنابلَ ملح، وتضحكُ للريحِ ضحكَ المفلسِ من كلِّ شيء، إلّا...
في مزرعة تُدعى "العروبة"، (والاسمُ مجازيٌّ... تمامًا كالعروبة) دُعِيَتْ الحيوانات إلى اجتماعٍ عاجلٍ لـ “نُصرةِ الحقِّ، وإغاثةِ غزَّةْ”... فامتلأَ المسرحُ بالجعجعةِ، وخلَتِ الموائدُ من الفعلةْ. نهضَ الأسدُ من سُباتٍ أبديٍّ، وقد نامَ منذُ النكبةِ الأولى، تثاءبَ قائلاً: "هزّتني الأخبارُ...
لا تُسقِطِ البندقيَّةَ الآنَ... فالخائنونَ على الرُّكَبْ قد باعَـوا قُبَّرةَ الحقولِ وشالَ أمٍّ... ماتَ من عَتَبْ! قد زَيَّنوا للعُهرِ فتواهمْ وقالوا: "السِّلاحُ هو السَّبَبْ"، وقالوا: "كفى... لا تُقاوِمْ، دعونا نُفاوضُ مَنِ اغتَصَبْ!" هل صارَ مَن سَرَقَ الدِّماءَ وصاغَ مَجزَرَةَ الغَضَبْ...
ماتوا جياعًا... وخبزُ الريحِ يسألُنا هل الشَّهيدُ يُرى؟ أم أنّنا العَدَمُ؟ ماتوا جياعًا... وخبزُ الأرضِ ينظرُهمْ بعينِ حقلٍ شكا للموتِ ما احتُرِمُوا تَساقَطُوا جوعَ أفلاكٍ بلا قَمَرٍ وفي العيونِ، احتراقُ الموتِ والسَّقَمُ نامَ الهلالُ على أشلاءِ أعينِهمْ كأنّهُ خجلٌ أعمى بهِ الحُـلُمُ تَذوبُ...
جاعَتْ عروقُكِ يا غزّةْ... فاشتعلتْ نيرانُ آهِكِ في أعماقِ منْ خذَلوا! ماتَ الرضيعُ، ولم تهتز عاصمة كأنَّ في قَلبِهمْ صخْرٌ قد انجَبلوا أينَ العُروبةُ؟ تُجّارٌ، وأسئلَةٌ في الصّمتِ يَبصِقُنا التاريخُ إن نَسلوا تحاصرنا دباباتُ البغاث، وقد سَدّوا المنافذَ... لا موتٌ ولا أملُ تحاصرنا مِنابرُكمْ...
يا غزّةَ الجوعِ، هل في الجوعِ ما يُخفى؟ أم أنَّ صمتَ العارِ في الأرواحِ قد أُلِفَا؟ يا خبزَ أمٍّ سَكَبتْ دمعًا لتطعمهُ، والطفلُ يصرخُ: “يا أُمّاهُ، هل يُشْفَى؟” ناموا على الحجرِ الجائعينَ، فما نامَ الضميرُ… لأنّ النومَ قد زَحفا شفتاهُ تذبلُ، والعينانِ ساهيةٌ تحتَ الحصارِ، جدارُ الوقتِ قد خطفا...
أمدُّ السجادةَ الحمراءَ تحتَ حوافرِ خيلِ العدوِّ... لأزفَّهُ باسمِ البلاد أخي كانَ يشربُ نَفْطَ الخليجِ ويحلمُ أنْ يستعيدَ الخلافة فباعَ الحدودَ بخُوذةِ شيخٍ يُجيدُ التوقيعَ باسمِ النياشينِ و"البيتِ الأبيض" جلستُ على العَتبةِ المهجورة أراقبُ رايةَ صلحٍ تُخاطُ منَ الغيمِ فوقَ المذابح وتُهدى...
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تلعنُني إنْ سِرتُ في صمتِهم أو خِفتُ من كَلِمِ والسيفُ والرمحُ والأحجارُ تسألُني أينَ الجيوشُ؟ ومَن بالعارِ قدْ وَسِمِ؟ شِبْهُ الرجالِ إذا نادى الكفاحُ غدوا قومًا تهاوَوا، كأشباحٍ على الظُّلَمِ باعوا فلسطينَ أفلاكًا وأقمارًا واشترَوا ذلَّهمْ بالدُّولارِ والدِّيَمِ...
وطني أتيتُكَ مُشتاقًا ... وملتمسًا في حضن أرضك بعضَ الحبّ والوَسَنِ إن تاهَ دربُ الظاعنين تصَهْيُناً كنتَ المرابطَ لم تتعب ولم تَهِنِ القابضون على جمر النضالِ، لهم دربُ الكرامةِ، رغمَ الموتِ والمِحَنِ الصاعدونَ تلالَ المجدِ قصدُهُمُ إن غاصَ غيرُهُمُ في الوحلِ والأسَنِ الرافعونَ لواءَ...
1. ظلٌّ في الزجاج العينُ تلمحُ طيفًا لا اسمَ له 2. بينَ الخطى ضاعَ، ريحُ المدينةِ تمحو أثرَ الحنين 3. إشعاعُ شاشةٍ يطفئُ قنديلَ الروح قبلَ الفجر 4. طفلٌ منسيٌّ يبكي بأرجوحةٍ دون جسد 5. تُصفّرُ الريحُ في درجِ الذاكرة أوراقُ صمت 6. يضحكُ وجهُه من خلفِ قناعِ السوق كدميةٍ 7. نابضٌ رقمي،...
في المساءِ الذي انتحرَ فيه الظلُّ وتقيّأتِ الكواكبُ أجنّةَ الضوءِ من فمها المُتقيّح، سمعتُ الريحَ تلعقُ آهاتِ المدنِ المتعفّنة، والزمنُ كانَ كلبًا عجوزًا يبولُ على أعمدةِ المعنى. — جلستُ على رصيفٍ من الغيبْ أشربُ قهوةً سوداءَ تُسكبُ من قلبِ مجرّةٍ مكسورة، وبينَ أصابعي تتثاءبُ الأرواحُ كفراشاتٍ...
..ذات مساءٍ نسيت فيه اللغةُ كيف تُنطق، انحنيتُ على ظلّي وقلتُ له: اصنع لي كاميرا لا تشبه الأرض. فانحنى الزمن من حولي كأنّه عنكبوتٌ يعزف على أوتار الضوء، وصنعتُ من علبة سردين صدئة بوابةً إلى الغياب. حفرتُ فيها ثقبًا بإبرةٍ وجدتها داخل حلمٍ كان يسير على أربع ويأكل أوراق التقويم. لم أضع في الكاميرا...

هذا الملف

نصوص
111
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى