منذر ابو حلتم - ما روته الظلال

لم تكن السفن العتيقة تعرف متى بدأت حكايتها.
كل ما كانت تتذكره هو القمر، حين يعلّق ضوءه كجرحٍ أبيض في السماء، فتقترب الظلال من بعضها على استحياء، كما لو أنها تخشى أن توقظ الرمل من نومه الطويل.
في تلك الليالي، كانت السفن تتسامر دون أصوات.
تتبادل صرير الأخشاب، وتنقل الريح ما تبقى من همسٍ تكسّر في أفواه الأشرعة المثقوبة.
الريح، التي تعرف كل شيء، كانت تصغي وتضحك في سرّها، ثم تمضي لتبعثر الأسرار بين حبات الرمل.
من بعيد، كانت المنارة تنبض.
لا ترشد أحدًا، فقط تذكّر السفن بأنها كانت يومًا تعرف الطريق.
تئنّ الصواري كعجائز يحاولن الوقوف، تنفض المراسي خمولها، وتغني أشرعة منسية أغنية قديمة عن موجٍ لم يعد، وعن عاصفة لم تكتمل.
فتردّد الصواري، لا حنينًا، بل عادة…
عادة السفر.
وحين يفتح الصبح عينيه بكسل، تمسح السفن عن جنباتها دموع الليل، ثم تغفو.
تغفو بعمقٍ مخيف، كأنها لم تكن يومًا سوى لوحةٍ نسيها الزمن، رسمتها الريح حين كانت تحلم.
كان المطر يجيء ببطء.
ينساب على الأجساد الخشبية كما ينساب الندم على ذاكرةٍ هرمة.
يدخل شقوق العمر، ويوقظ في الأخشاب أنين سنواتٍ لم تُعش.
تهب الريح، تتسلل من ثقوب الأشرعة، فتعلو أصواتٌ لا تُرى.
أصوات تحاول أن تتذكر أسماءها، أن تتشبث بشيء قبل أن يبتلعها النسيان.
تمدّ الصواري ظلالها نحو البحر، تنادي خيول الموج.
لكن الريح—كعادتها—تضحك، وتعدو خلف صغار الموج في طرف المساء، تاركة النداء معلقًا في الهواء.
كانت السفن تراقب من بعيد.
ترى الموج يركض حرًا في سهول المغيب، وتسمع الأشرعة تئنّ كقلوبٍ لم تُشفَ.
تنقل الريح الحكايات، من شراعٍ إلى ظل، ومن ظلٍّ إلى آخر.
وفي ليلةٍ ماطرة، همس شراعٌ عتيق، بصوتٍ يشبه الفرح:
المطر ماء يا رفاق…
المطر ماء، والبحر ماء.
ضحكت السفن.
ضحكت لأنها فهمت أخيرًا أن القرب لا يعني العبور.
وحين علا البحر، وغزا الموج حدود الرمال، ارتعشت السفن.
لامس الماء يباس أخشابها، فصاح في أضلاعها حنينٌ قديم.
خفقَت بقايا الأشرعة، كأجنحةٍ كسيحة تحاول الطيران دون ذاكرة.
الريح ضحكت، هذه المرة بشفقة،
ونثرت على الأشرعة غبار الرمل،
كأنها تقول:
ليس كل ما يحنّ يعود.
في الصيف، حين ازدحم الأفق بأشرعة فتية،
توقفت الأشرعة العتيقة عن الخفقان.
ارتفع الحنين في الأخشاب، صامتًا، كثقلٍ لا يُحتمل.
امتدت الظلال.
تقاربت.
توحدت في ظلٍ واحد، طويل، عنيد،
يمدّ ذراعيه نحو الماء في شهقة الضوء الأخيرة.
ثم جاء الليل.
ثقيلاً كغيمة سوداء.
وحين لم يبقَ في الأفق سوى منارةٍ وقمر،
عادت الظلال تتسامر.
والريح—كما دائمًا—
نقلت ما ترويه الظلال،
ثم مضت.

منذر ابو حلتم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى