قبل اغلاق الباب

1000188515.png


لم يكن الألم هو أول ما اختفى.
بل الوزن.
ذلك الثقل الخفي الذي كان يربطه بالأرض، بالأشياء، بالاسم الذي حمله طويلًا، تلاشى فجأة كزر انطفأت فيه الجاذبية.
وحين فتح عينيه، لم يجد سقف الغرفة ولا وجوه الواقفين حول السرير، بل وجد نفسه في مكان يشبه الفكرة أكثر مما يشبه مكانًا حقيقيًا.
كان هناك ضوء رماديّ شفيف، لا يأتي من جهة محددة، كأن الهواء نفسه يتذكّر الشمس.
حاول أن يرفع يده، فاكتشف أن الحركة لم تعد تحتاج إلى عضلات.
يكفي أن يفكر بها.
ارتبك.
نظر إلى جسده أولًا قبل أن يفهم أنه جسده.
كان ممددًا هناك بهدوء غريب، كبدلة قديمة نسيها أحدهم على كرسي بعد رحلة طويلة.
بدا الوجه مألوفًا وبعيدًا في آنٍ واحد، مثل صورة لطفولته عثر عليها مصادفة في درج مهمل.
اقترب أكثر.
لم يشعر بالشفقة على الجسد، ولا بالخوف منه، بل بشيء يشبه الحرج…
كأنهما شخصان افترقا بعد سوء تفاهم طويل.
في الغرفة كانت الأصوات تصل إليه متأخرة، مغطاة بطبقة كثيفة من الماء.
امرأة تبكي.
رجل يردد شيئًا عن الطبيب.
وصوت جهاز بعيد يطلق صفيرًا متقطعًا، كعصفور معدني يحتضر.
أراد أن يقول لهم إنه هنا.
أنه يسمعهم.
أنه لم يذهب بالكامل بعد.
لكن الكلمات لم تعد تخرج من الفم، بل من النية نفسها، والنيات — كما اكتشف — لا يسمعها الأحياء.
تراجع إلى الخلف دون أن يمشي.
كان يتحرك كما تتحرك الذكرى داخل الرأس.
ثم لاحظ أمرًا أكثر غرابة:
الوقت لم يعد مستقيمًا.
الثواني لم تعد تتبع بعضها، بل تتجمع وتتبعثر مثل زجاج مكسور.
فجأة رأى نفسه طفلًا يركض خلف دجاجة بيضاء في فناء قديم.
وفي اللحظة ذاتها رأى شيخوخته التي لم يعشها بعد.
ورأى امرأة لم يقابلها قط تبكي عليه بحرقة، كأن المستقبل نفسه كان ينعاه مسبقًا.
ارتجف، إن كان الارتجاف ممكنًا بلا جسد.
وسأل نفسه للمرة الأولى:
هل متُّ فعلًا؟
أم أن الموت مجرد ارتباك مؤقت في معنى الوجود؟
عندها ظهر الممر.
لم يأتِ من مكان محدد، بل نما ببطء داخل العتمة، كشقٍّ في قشرة العالم.
ممر طويل لا جدران له، تصطف على جانبيه ظلال شفافة تشبه بشرًا يتذكرون أنفسهم بصعوبة.
بعضهم كان يمشي مطمئنًا، كمن عاد أخيرًا إلى بيته.
وبعضهم كان يلتفت وراءه مذعورًا، يحاول الإمساك بأسماءٍ تتسرب من ذاكرته.
خطا نحوه.
أو ربما انجذب إليه.
وفي منتصف الطريق سمع شيئًا غريبًا:
صوت قلبه.
توقف.
كيف يمكن لقلب أن ينبض خارج الجسد؟
لكن الصوت لم يكن بيولوجيًا.
كان أشبه بآخر خيط يربطه بالعالم القديم؛
نبض الذكريات، لا الدم.
كل نبضة كانت تُسقط عنه شيئًا:
اسمه.
عمره.
ملامحه.
خوفه من الفشل.
حقده القديم على أخيه.
رائحة قهوته الصباحية.
حتى صوته الداخلي بدأ يتآكل ببطء، كرسالة ورقية في المطر.
شعر بالذعر.
لأول مرة تمنّى العودة إلى جسده، بكل ألمه وثقله ونقصه.
فالإنسان لا يدرك مقدار تعلقه بنفسه إلا عندما تبدأ نفسه بالاختفاء.
ركض.
لكن الركض هناك لم يكن حركة، بل رغبة عنيفة في النجاة.
وعندها حدث الشيء الأكثر غرابة:
رأى باب غرفته يُفتح من جديد.
رأى الأطباء يركضون.
رأى جسده ينتفض بعنف فوق السرير.
ثم…
شهيق.
شهيق واحد فقط، لكنه بدا كأن الكون كله دخل رئتيه دفعة واحدة.
استيقظ.
عاد الألم أولًا هذه المرة.
ثقل العظام.
ضيق الصدر.
رائحة المعقمات.
وضوء المصابيح القاسي.
فتح عينيه بصعوبة.
المرأة التي كانت تبكي أمسكت يده وهي ترتجف، بينما أخذ الطبيب يكرر شيئًا عن “المعجزة”.
لكنه لم يجب.
ظل ينظر إلى السقف طويلًا، بصمت شخص عاد من مكان لا يملك لغة لوصفه.
وفي تلك الليلة، قبل أن ينام، لمس صدره ببطء…
كمن يتحسس بابًا سريًا كاد يُغلق خلفه إلى الأبد.

منذر ابو حلتم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى