السي حاميد اليوسفي - غلاء ومعزة الكراسي

ذهب عبد السميع إلى الفراش.. عادة ما يحملق قليلا في الفراغ، وإذا لم يشغل باله شيء استسلم للنوم.. اليوم بدا الأمر مختلفا.. لم يشغل باله شيء، لكن وقف عليه كرسي من الدوم والخشب الرديء.. استحلفه بالله أن يستمع لشكواه، وينقلها للناس، ويضيف إليها بعض الملح لتصبح أكثر لذة..
استغرب عبد السميع، قرأ بعض السور من القرآن الكريم، ولعن الشيطان ثلاث مرات، لكن بدون جدوى..
سار الكرسي الى الامام، وعاد إلى الخلف، والتفت يمينا وشمالا من تلقاء نفسه كأنه يتوسط حلقة في سوق أسبوعي، أو ساحة عامة في مدينة عتيقة..
عبد السميع يحملق في الفراغ، ويتوجس مما يراه يتحرك أمام عينه.. لو حكى له عن ذلك شخص ما لكذبه، واعتبر ذلك هلوسة..
فجأة سأله الكرسي أن يهدأ ويستمع، وبعد ذلك يفكر أو يكتب أو يعمل حلقة مثله ويحكي للناس..
سأل الكرسي نفسه من أين يبدأ.. فجأة وضع يده على رأسه كمن يتذكر شيئا نسيه، ثم استعاده:
ـ يا عبد السميع! وأنا أتجول في أرض الله الواسعة، وجدت أن لي أشباها من الكراسي.. نحن مثل البشر نختلف عن بعضنا.. مثلا أنا كرسي من الدوم.. من يجلس على؟ ومن يؤنس وحشتي؟ لم أجد غير (المزلوطين) الذين بالكاد يملكون قوت يومهم.. ورغم ذلك يتمسكون بي.. كلما تقطّع شريط أصلحوه.. يموتون ويأتي بعدهم الأبناء وغالبا ما يتخلون عني، ويرمون عيداني في النار، ويستبدلوني بآخر جديد..
نظر الكرسي إلى عبد السميع، وأضاف:
ـ إلى هنا يبدو الأمر عاديا يا عبد السميع! لكني رأيت كراسي أخرى أكثر فخامة مني، غالية وعزيزة.. نادرا ما يصل إليها من ولد ونشأ بين ضفتي الوادي الذي جف منذ قرون، فنبت الدوم بين ضفتيه..
كراسي الوزراء والوظائف العليا يعرف الناس يا عبد السميع من يجلس عليها، وكيف يصل إليها.. البعض يجلس عليها لفترة معينة، حتى يجمع ما يقيه من صروف الدهر، ثم يتركها لغيره، أو يتمسك بها وينافس عليها في الأحزاب والنقابات.. والبعض كأن هذه الكراسي خلقت وفُصلت له.. تلتصق بمؤخرته.. تقوم وتمشي وتنام بجانبه في الفراش.. لا يفرقه عنها سوى الموت.. ولولا سنة الكون لأخذها معه إلى القبر..
الآن سأحدثك عن كراسي من نوع آخر تشبه وتختلف عن الكراسي السابقة، وتبدو أكثر غلاء ومعزة منها..
أنت "مناضل" من العيار الثقيل، أو هكذا تتوهم.. جلست فوق كراسي صغيرة.. تستهويك لعبة الكراسي.. في كل مرة تخوض حربا لتجلس على كرسي أعلى.. لترتقي لا بد أن تقرأ القليل من القوانين الكونية والقليل من ماركس ولينين وتروتسكي وستالين ومهدي عامل وحسين مروة أو أبو هريرة والشافعي وسيد قطب وأدعية ليلة الجمعة.. لا فرق.. كله على بعضه.. أحيانا تتجاوز الخطوط الحمراء بحنكة.. يستدعيك القضاء، قد تدخل إلى السجن لبعض الوقت.. هذا ديكور لا بد منه.. والكرسي الذي تجلس عليه يشترط هذا الثمن.. تسافر في أرض الله الواسعة.. تختار الجلوس مع قادة حطموا كل الأرقام القياسية في خرق الحقوق الكونية للإنسان.. تُدلي بالمواقف، وتأخذ معهم الصور.. في لحظة ما يختارك كرسي أن تجلس عليه في جينيف.. هذا كرسي غالي وعزيز مثل شعرة دقيقة تفصل بينه وبين العرش..
ستشكك في الأمر يا عبد السميع، وتتساءل كيف تسمح العين التي لا تنام بأن تجلس على كراسي تهدد وجودها..
الأمر بسيط يا بني.. العين التي لا تنام تشبه إلها خفيا! أستغفر الله العظيم! تملك من القدرة على معرفة سرائر البشر ما لا يصدقه العقل، وبدقة متناهية.. كأنها ترسم الطريق الذي يجب أن تسير فيه، وتجعلك تعتقد بأنها العدو اللدود الذي يقف في وجه أحلامك..
تتحرك الأقلام من وراء البحار، وتستنكر التناقض بين الكراسي والمواقف.. وتضعك أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الكرسي وإما الموقف.. ولأنك زئبقى وحربائي ستحافظ على الكرسي، وتتقمص أدوارا جديدة تجعلك تظهر فوق خشبة المسرح وكأن لا شيء تغير..
شعر عبد السميع بأن الغرفة ضاقت، وتحولت إلى ما يشبه المقبرة، وأن الكرسي صار أكبر من حجمه الحقيقي، ثم أصدر ضحكة تشبه صرير باب قديم، وقال:
ـ لا تندهش يا عبد السميع! نحن لا نختلف عنكم كثيرا.. الفرق الوحيد أن الكرسي يعرف أنه مجرد كرسي، بينما الإنسان يُصدق أحيانا أنه تحول إلى إله صغير حين يجلس فوقه..
اقترب الكرسي من الفراش، وخفض صوته:
ـ المشكلة ليست فينا نحن معشر الكراسي، بل في المؤخرة التي تدمن الجلوس عليتا.. الكرسي لا يسرق، لا يكذب، لا يخون، ولا يبيع المواقف.. أنتم البشر من يفعل ذلك ثم تعلقون أخطاءكم فوق ظهورنا الخشبية البائسة..
أحس عبد السميع برعشة تسري في العروق، وأراد أن يسأل.. لكن الكرسي بدأ يتفكك ببطء.. سقط شريط من الدوم، ثم آخر.. قبل أن يتحول إلى عيدان متناثرة فوق الأرض.
في الخارج علا صوت المؤذن معلنا عن صلاة الفجر.
نهض عبد السميع مرتبكا، أشعل الضوء، فلم يجد شيئا غير كرسيه القديم بجانب الحائط.. اقترب منه بحذر، ولمس عيدانه اليابسة، ثم تنهد قائلا:
ـ حتى الكراسي لم تعد تتحمل غلاء ومعزة النفاق.

مراكش 20 ماي 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى