أحمد عبدالله إسماعيل - حارس الحصن...

راقب "منصور" الدخان الأبيض المتصاعد من فنجان قهوته الأسود الداكن كأنه يراقب حياته التي بدأت تتبخر في فضاء السأم. يتصاعد الدخان مشكلاً دوامات غير منتظمة تتلاشى في الهواء الساكن للغرفة. في الغرفة المجاورة، امتزج صوت ضحكات طفليه بشدو زوجته، وصوتها القادم من عالم آخر، وهي تقرأ لهم قصة ما قبل النوم. كان المشهد "أيقونة" للعائلة الكاملة، لكن خلف جدار صدره، ثمة وحش لا يقتات على الحب، بل تسيطر على عقله خيالات لا تمر إلا بباله وحده.
بدأ الأمر كفكرة عابرة، ضيف ثقيل طرده ألف مرة، لكنه عاد في كل مرة بملامح أوضح. لم يكن يرى في زوجته "ليلى" تلك الشريكة التي قاسمته كل انكسارات العيش، بل بدأ يراها "لوحة" تنقصها لمسة من تدنيس الغرباء. لكن قدسيتها في نظره هي العائق، وطهرها هو القيد الذي أراد كسره.
في تلك الليلة، جلس منصور، منكمشًا على نفسه، مع "صديقه" الغريب الذي اختاره بعناية؛ طبيب مشهور، يمتلك جسدًا رياضيًا يفيض بالقوة البدنية، ويتمتع بقدر كبير من اللامبالاة الأخلاقية، يجلس باسترخاء تام. كلما نظر إلى ملامحه المريحة تذكر الحادثة التي تركت أثرا لا يمحى على وجهه المشوه، العيب الذي تسبّب في حرمانه من أحب الفتيات إلى قلبه، والوحش الذي يقتات على عقله؛ إذ أجابت حين تقدم لخطبتها: أريد الزواج من شاب وسيم كامل الرجولة ولديه طموح تتمناه كل فتاة.
وحين وافقت ليلى على الزواج منه شعر بالعجب الشديد: "لماذا قبلت تلك الحسناء ببائع متجول؟ ألا تستحق من هو أفضل مني؟ لا أملك إلا شهادة جامعية لا تغني ولا تسمن من جوع وشقة في بيت أبي؛ فهل هذا كافٍ لتقبل بي؟"
وبينما وقفت ليلى في المطبخ تعد العشاء، أضاءت الندبة بوضوح، ثم همس منصور بفحيح كلمات خرجت من تلك الندبة، وكانت كفيلة بإيقاف الزمن:
"هل لاحظتَ أنوثتها ورقتها؟ هل انتبهتَ إلى نبرة صوتها المثيرة لفحولتك؟ ألا ترى حركاتها؟ تبدو أجمل من كل النساء، ألا تمنيت يومًا أن ترى محاسنها؟ ألم تتخيلها وهي في زينتها ترتدي ثيابها الرقيقة؟ إنها تليق بك أكثر، كم رأيتكما معًا، حتى عندما مازحتها بذلك قالت إنك بحاجة إلى خسارة بعض الوزن"
ارتعدت يد الصديق للحظة، لكن عينَيْ منصور بدأت تشع ببريق غريب، بريق "الدياثة" التي تغلغلت في مسامه. لم يكن يبحث عن المتعة، بل عن "السقوط العظيم". أراد أن يرى حصنه يتهاوى، وأن يكون هو من يفتح الثغرة في سور البيت العظيم.
"لكنها لن تقبل، ليلى ليست كغيرها،" قال الصديق بصوت متهدج.
هنا، انحنى منصور، وخرجت الكلمات من فمه ببطء كأفعى تنفث سمًا:
"لا أجرؤ على إخبارها بشيء؛ فربما تشكو لوالدها. أما رفضها، فهو مجرد عقبة تقنية. هناك دائماً حل. نقاط منومة بلا طعم ولا رائحة توضع في العصير، غفوة عميقة تجعلها جسداً بلا إرادة، تجعلها ملك يديك، وأنا أمسكها لك؛ فأنا لا أتمنى إلا رؤيتها سعيدة."
في تلك اللحظة، ساد صمت جنائزي. تخلى منصور عن آخر خيط يربطه بالإنسانية. لم يعد زوجاً، ولا أباً، بل أصبح "سمساراً" في سوق رغباته الغريبة.
فجأة، انفتح باب المطبخ، فملأ ضوء النهار المكان وأحاط بوجه ليلى كأنه هالة مقدسة. خرجت ليلى بابتسامتها الوديعة، تحمل طبق الفاكهة، متمتمة بكلمات عن المدارس واحتياجات الأطفال. نظر إليها منصور، وبدلاً من أن يرى شريكة عمره، رأى "البطلة" المثالية لفيلمه الأسود.
في زاوية الغرفة، بدا ظل منصور على الحائط مشوهًا، طويلاً بشكل غير طبيعي، كأنه انفصل عنه، تاركًا خلفه هيكلاً بشريًا يسكنه فراغ لا يملأه إلا العار. لقد قرر أن يشتري "المنوم" في اليوم التالي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى