قصة قصيرة
زفاف الظل الآخر
حين سكبت الشاي سكبت معه فيض مشاعر باحثة عن دفء يأويها ذاك المساء ، ذاعت رائحة الريحان تدغدغ أنفي المزكوم و نفسي الموؤودة ، تردّد صوت هامس " لفي شالك جيدا حول الرقبة كي لا يلفعك صقيع هذا المساء يا..."
دون تدبير التفتّ حولي ... بحثت عن الصوت الخفي ... عن شالي الصوفي القديم ذي اللون الزهري الباهت فوجدته ملقى على الكرسي الدوار ، هممت بأخذه لكنني رأيت ظلا يتحرك على الحائط متجها صوب غرفة المعيشة و انبعثت موسيقى فيروزية من الأثير تصنع احتفاليتها الجنائزية الخاصة ... يا ابني...
تابعت الظل الفارّ بذهول من لا جهد له حتى تخطيت العتبة الأولى بعد عثرة أعادت وعيي بالعدم السحيق... ماذا أراني أقتفي ؟ صوتاً أم ظلا أم....؟ عثرة ثانية رجتني... فثالثة...
لم يكن كل شيء على ما يرام هذه الليلة الكاسفة ، ولم يعد كل شيء كما كان في الماضي غير أنني أصرّ على انتظار شيء ما يهز المشاعر ... يلوح من بعيد ... يهزم الظلام الساكن مهجتي ... هل يخطه القدر الليلة ؟
عدت أدراجي في حذر إلى المطبخ احتضنت كأس الشاي الأخضر ، لكنه أضحى باردا فاقدا للنكهة وقد تغير لونه الكستنائي و تشتتت رائحته بين الحضور والغياب... نظرت بانكسار لكتابي الحزين ، حملته بتؤدة ، فتحت ذات الصفحة ، لم أتفرّس غير تلك الجملة المثيرة........................................!
عادت بي الذكرى إلى حالة الامتلاء ، فتورّدت وجنتاي و سرى الدم في وريدي فأشرقت ابتسامتي ، قد لمحت انعكاسها على طبق نحاسي لماع يقف قبالتي محدقا فيّ ّ بانتباه غريب ... و عاد الظل يلاحقنا ، ارتعدت أوصالي ، هدّأت روعي تنهيدة عابرة للأحزان ، كانت يد حانية تربّت على كتفيّ وهمس هسيس يصلني " انتظرك و لو برهة ..."
قطع خلوتي رنين هاتفه المنسي يذكّرني بموعد أخذ قرص الضغط والسكري ... " يكفيني ما تناولت من عقاقير ،لقد اشتقت إلى اللعب بالتراب كي أنسى ... إلى فستاني الأبيض الناصع حتى أتعافى ... إلى رائحة عطر الطفولة والرضع ... إلى خبز يحترق بالموقد ، شوق يعانقني إلى السكينة الأبدية ... "
كيف سيكون شكل الزفة هذه المرة ؟
كم مدعوا سيحضر وكم أدعية ستوشّح اللقاء الأثير ؟
انساب خيالي يزاحم حلمي الجديد وأنا أحدّق في الفراغ و انسقت معه أفكّ ضفائري البيض إلى أن شاهدت الطيف يتصاعد إلى الأعلى وأنا أتابعه في شجون و كأن بصري اليوم حديد. رحت أستنهض جسدي الملقى كخرقة بالية على الكرسيّ مهملا دون اكتراث لكن خانته الساقان...
حلّت أخيرا ، طيور النورس شادية مستعدة للمشهد الأنيق و معها اغتمّ الظلام الكئيب ، لكن شيئا ما بالداخل يقول لم يحن بعد وقت الزفة و الكتاب . كل المراسم ترسم على وقع الصقيع القاضم كالسكين . تتكرّر الأنغام ، تعلو ، تنخفض ، تتراقص معها قطع الأثاث و الأفكار و الهواجس في انتظام...
على ربوة عظيمة تربع القمر شريدا يلوّح لي من بعيد ، و الطيف يلاحقه في ثبات ، أردت أن أخبره بالسر الدفين لكن صياح الديك أيقظ السكينة... هدم رونق الفضاء .لماذا يفسد علي ّهذا الصوت المنبّه وحدتي كل ليلة !
لماذا يقمع الصدى في الصدر المحموم؟
لماذا يوقظني من غفوتي العجيبة ؟
من كلّفه هذا الصنيع المشؤوم و الصياح كل فجرية ؟
لملمت شظايا الروح المفجوعة و قررت ان أتوجه إلى سريري، فهالني الظل محتضنا قمري فوق وسادتي في انسجام شفيف.
أغلقت الكتاب ونظرت مجددا في الصورة المقيدة في الإطار الذهبي المرصّع فوجدتها ناصعة البياض ، ضاعت كل الملامح والألوان و الوجوه ... ولم يعد بي جهد للبحث في الأمر. إلى أين غادروا هذا المساء ؟أ أعادوا الكرّة وهجروا المخادع مقتفين أثر من مروا إلى القمر ...
تجمهرت كل الخيالات تبحث عن جواب ، غير واحد راح يرصد الضوء باهتا ...
بضغطة زر انقشع الضباب تماما ... توجهت مباشرة إلى ذاك المخبإ السري أمسكت الديك الوديك ذبحته استعدادا للرحيل ..
تهالكت على كرسيّ الهزاز ضاحكة ...ثم انتابتني نوبة بكاء هيستيري أطفأت اللهيب المستعر...
سيدة بن جازية تونس
زفاف الظل الآخر
حين سكبت الشاي سكبت معه فيض مشاعر باحثة عن دفء يأويها ذاك المساء ، ذاعت رائحة الريحان تدغدغ أنفي المزكوم و نفسي الموؤودة ، تردّد صوت هامس " لفي شالك جيدا حول الرقبة كي لا يلفعك صقيع هذا المساء يا..."
دون تدبير التفتّ حولي ... بحثت عن الصوت الخفي ... عن شالي الصوفي القديم ذي اللون الزهري الباهت فوجدته ملقى على الكرسي الدوار ، هممت بأخذه لكنني رأيت ظلا يتحرك على الحائط متجها صوب غرفة المعيشة و انبعثت موسيقى فيروزية من الأثير تصنع احتفاليتها الجنائزية الخاصة ... يا ابني...
تابعت الظل الفارّ بذهول من لا جهد له حتى تخطيت العتبة الأولى بعد عثرة أعادت وعيي بالعدم السحيق... ماذا أراني أقتفي ؟ صوتاً أم ظلا أم....؟ عثرة ثانية رجتني... فثالثة...
لم يكن كل شيء على ما يرام هذه الليلة الكاسفة ، ولم يعد كل شيء كما كان في الماضي غير أنني أصرّ على انتظار شيء ما يهز المشاعر ... يلوح من بعيد ... يهزم الظلام الساكن مهجتي ... هل يخطه القدر الليلة ؟
عدت أدراجي في حذر إلى المطبخ احتضنت كأس الشاي الأخضر ، لكنه أضحى باردا فاقدا للنكهة وقد تغير لونه الكستنائي و تشتتت رائحته بين الحضور والغياب... نظرت بانكسار لكتابي الحزين ، حملته بتؤدة ، فتحت ذات الصفحة ، لم أتفرّس غير تلك الجملة المثيرة........................................!
عادت بي الذكرى إلى حالة الامتلاء ، فتورّدت وجنتاي و سرى الدم في وريدي فأشرقت ابتسامتي ، قد لمحت انعكاسها على طبق نحاسي لماع يقف قبالتي محدقا فيّ ّ بانتباه غريب ... و عاد الظل يلاحقنا ، ارتعدت أوصالي ، هدّأت روعي تنهيدة عابرة للأحزان ، كانت يد حانية تربّت على كتفيّ وهمس هسيس يصلني " انتظرك و لو برهة ..."
قطع خلوتي رنين هاتفه المنسي يذكّرني بموعد أخذ قرص الضغط والسكري ... " يكفيني ما تناولت من عقاقير ،لقد اشتقت إلى اللعب بالتراب كي أنسى ... إلى فستاني الأبيض الناصع حتى أتعافى ... إلى رائحة عطر الطفولة والرضع ... إلى خبز يحترق بالموقد ، شوق يعانقني إلى السكينة الأبدية ... "
كيف سيكون شكل الزفة هذه المرة ؟
كم مدعوا سيحضر وكم أدعية ستوشّح اللقاء الأثير ؟
انساب خيالي يزاحم حلمي الجديد وأنا أحدّق في الفراغ و انسقت معه أفكّ ضفائري البيض إلى أن شاهدت الطيف يتصاعد إلى الأعلى وأنا أتابعه في شجون و كأن بصري اليوم حديد. رحت أستنهض جسدي الملقى كخرقة بالية على الكرسيّ مهملا دون اكتراث لكن خانته الساقان...
حلّت أخيرا ، طيور النورس شادية مستعدة للمشهد الأنيق و معها اغتمّ الظلام الكئيب ، لكن شيئا ما بالداخل يقول لم يحن بعد وقت الزفة و الكتاب . كل المراسم ترسم على وقع الصقيع القاضم كالسكين . تتكرّر الأنغام ، تعلو ، تنخفض ، تتراقص معها قطع الأثاث و الأفكار و الهواجس في انتظام...
على ربوة عظيمة تربع القمر شريدا يلوّح لي من بعيد ، و الطيف يلاحقه في ثبات ، أردت أن أخبره بالسر الدفين لكن صياح الديك أيقظ السكينة... هدم رونق الفضاء .لماذا يفسد علي ّهذا الصوت المنبّه وحدتي كل ليلة !
لماذا يقمع الصدى في الصدر المحموم؟
لماذا يوقظني من غفوتي العجيبة ؟
من كلّفه هذا الصنيع المشؤوم و الصياح كل فجرية ؟
لملمت شظايا الروح المفجوعة و قررت ان أتوجه إلى سريري، فهالني الظل محتضنا قمري فوق وسادتي في انسجام شفيف.
أغلقت الكتاب ونظرت مجددا في الصورة المقيدة في الإطار الذهبي المرصّع فوجدتها ناصعة البياض ، ضاعت كل الملامح والألوان و الوجوه ... ولم يعد بي جهد للبحث في الأمر. إلى أين غادروا هذا المساء ؟أ أعادوا الكرّة وهجروا المخادع مقتفين أثر من مروا إلى القمر ...
تجمهرت كل الخيالات تبحث عن جواب ، غير واحد راح يرصد الضوء باهتا ...
بضغطة زر انقشع الضباب تماما ... توجهت مباشرة إلى ذاك المخبإ السري أمسكت الديك الوديك ذبحته استعدادا للرحيل ..
تهالكت على كرسيّ الهزاز ضاحكة ...ثم انتابتني نوبة بكاء هيستيري أطفأت اللهيب المستعر...
سيدة بن جازية تونس