الدار ثلاثُ حجراتٍ من الطّوب الأخضر، تفضي إلى فناءٍ يحوطه سورٌ من الطّين. في ركنٍ من أركان الفناء يوجد مربدٌ لخمس نعجاتٍ، و كبشٍ واحدٍ، ويُوجَدُ مربطٌ لحمارٍ عفيٍّ، بُنِّيِّ اللَّون. وفي الرُّكن المقابل يُوجَدُ عريشٌ حيطانه من بوصٍ، وسقفه من جريدٍ، اعتاد الشّيخ أن يقضي داخله النَّهار بطوله،...
اتفقنا سويا على تأجيِل موعد الزفاف لخمس أشهر، طلبت مهلة، تنقصنا بعض الكماليات، ومن الأليق تجهيزها، وافقت على مَضضٍ، جاء حديثها الأخير على استحياء، لكنه حياء بنات الريف المستحب، في حديثها القصير اشعر وكأنني نُقلِت فجأة للفردوس، خمس دقائق كافية للسلام، وسماع صوتها الذي يشبه وشوشة الأمل، تمت خطبتنا...
سألتني سُرى، حالما انتهيتُ من كتابة قصتها:
ما الذي تريدينه من القارئ: أن يقرأ قصصكِ أم يعيشها؟
كان سؤالها مستفزًا، واستشعرتُ غايةً أخرى تكمن خلفه، فسألتها:
ما الذي ترمين إليه؟
قالتْ مندهشة:
ألم تشعري بألمي وأنا أسرد لكِ ما جرى لي مع زوجي، بعدما طلقني وهرب بالأطفال؟
وفي نبرة تهكّم، أضافت بعد أن...
يطلّ أحمد بسيوني، صاحب الثلاثين خريفًا، كقصيدة من النثر المتقن؛ رجلٌ صاغته الأرقام قبل أن تصقله الحياة. خريج "الاقتصاد والعلوم السياسية"، ذلك التخصص الذي علّمه كيف يُخضع فوضى العالم لقوانين "الإحصاء"، فغدا عقله دوامة تساؤلات لا تهدأ، يسكنه ذكاءٌ متقد، يلمع في عينيه كجذوةٍ لا تنطفئ. لم يكن تفوقه...
لم تكن مكانة الشيخ حسن وشهرته العريضة المدوية آتية من فراغ : فهو خطيباً مفوها صاحب جذاب ينصت الناس اليه بشغف شديد: رغم وجود من يفوقه من المشايخ التبحر في الفقه والعلوم الشرعية والثقافة و الدينية ممن يعتلون :منابر يوم الجمعة ورغم ذلك لم يحظى منهم بمكانته في نفوس اهل المنطقة التي يعتلي الشيخ...
" مشاهد قصصية "
1-الإخلاص للمبدأ
قال الديك: أرأيت ِ يا دجاجتي كم هم هؤلاء البشر، ناكرو الجميل، مهما قدمت لهم من خدمات بصياحي الصباحي، في غفلة سوف ينقض علي أحدهم وينزِل بي ذبحاً كغيري.
الدجاجة: لأنهم مخلصون لمبدأهم في الإيقاع ببعضهم بعضاً .
2-المصلحة فوق كل اعتبار
اثنان أفاقا على صياح...
في بلدتنا، شارع نحبُّه ونطرقه كل يوم. مساراته كافية، مشجّر في المنتصف، تحذيرات واضحة عند التقاطعات الصغير والكبيرة، مضاء بمصابيحَ ساطعة، ولله الحمد، وإن تصيّدت الحوادثُ عمودًا هنا أو شجرة هناك، لكنه يظلُّ طريقًا نافذًا وشارعًا واضحَ المعالم، له تفرعات تنحرف منها السيارات يمينًا ويسارًا، تخدم...
استيقظتُ في مكانٍ لا يشبه غرفتي.
كل شيء كان أبيض... الجدران، السقف، الأرض، حتى الهواء نفسه كان له طعم باهت، كأنني أتنفس طباشير مطحونة.
لم يكن هناك باب، ولا نافذة. فقط طاولة صغيرة في المنتصف، فوقها كومة من أوراق متناثرة.
اقتربتُ ببطء، وامتدت يدي لترفع الورقة الأولى... كانت بخط يدي.
لكن الغريب...
يؤمن مصطفى أن البيوت أسرار، وأن الفراق فنٌّ لا يجيده إلا النبلاء. حين انصرم حبل الوصال بينه وبين "ليلى"، لم يبعثر ذكرياتهما في ردهات المحاكم، بل لملم ما تبقى من كرامة المودة، ومضى يقتفي أثر ذلك العهد القديم الذي قطعه يوم دخلت بيته أول مرة؛ عهدٌ قوامه الثقة، وسياجه الاحترام.
لكن ليلى لم تكن تمشي...
“كان يا ما كان في قديم الزمان”، كنا نسمع في كل رواية وقصة هذه المعزوفة، حتى صارت كليشة لكل إيقاع ولحن. هكذا بنى أسلافنا مدخلًا سرديًّا للمرور بسلاسة عبر محيطات القصص والأساطير الخرافية، وكأطفال كنا نستمتع بتلك الروايات الشائقة؛ لأنها كانت تثير فينا الحماس والتساؤل، وألقت بظلال من الشك على وجود...
سأحكي لكم اليوم عن سر يخنقني، أخفيته عن نفسي، لا يعلم أحد عنه شيئا، كنت أبحث في سجلات العائلة التي اصفرت أوراقها، وجدت أنني هجين، جاءوا بي من بلاد بعيدة، ملامحي تشي بأنني نوبي؛ فقد كانوا يسرقون الأطفال من وراء أمهاتهم، يستدرجونهم بقطع الحلوى وشعر البنات، لا أعلم أمي من تكون، فقط وجدت وشما على...
رأيتها عدة مرات على مدار سنوات لا تقل عن العشر, في كل منها كنت منشغلًا بجريدتي.
لكن ظللت أعرف بمرورها من..
عطرها العتيق الذي يلتصق بذرات الهواء لفترة,
من حفيف أوراق شجرة عجوز لم تكن تهتز طربًا إلّا عند قدومها,
من ترحيب بائعة الجرائد القابعة بناصية "بهجت" وهي تقول لها بصوت مسموع:
-أهلًا بست...
هذا هو الشَّهر العاشر الذي يقضِي معظم ساعاته في العمل، إنَّه يعمل ست عشرة ساعة يوميا، حتَّى في أيَّام العطل الرسميَّة، جاهداً في الوفاء بالتزاماته، محاولاً تقليص القروض التي تثقل ظهره. ما يهوِّن الأمر، تفهُّم زوجِه وتحمَّلها ظروفه الصَّعبة، ونيابتها عنه في القيامِ بحقوق أبنائِه على أكمل وجه...
ما أشبه واقعنا بمنامات الوهراني! ويا لسخرية حكاياته التي تكشف عن نشاز الواقع !
" ... قال الراوي :
حضرتُ مجلس قاض ببغداد، وقد ازدحم الناسُ ببابه ازدحام الحجيج بالمشاعر، إذ أقبل رجلان يختصمان في بغلة، كلٌّ منهما يدّعيها لنفسه، ويقيم لها وصفا ويذكر لها علامة.
فقال القاضي : هاتوا حجتكم، فإن...
إلى أبي في رقدته، واحتماله غير المحدود للبقاء في الطابق الأول.
طيف بعيد:
نفذتُ لأبي رغبته، حلقتُ له ذقنه بعد أكثر من أسبوعين على تركها.
طوال الأيام الفائتة كنت أتأمل الشعر العُشبي فوق وجهه، ولا تأتيني الجرأة لأطلب إزالته، حتى بادرَ هو.
أجلستُه على سريره بظهر معتدل على المساند، وبدأت في...