جزء من رواية " 400 متر في القاهرة "والصادرة عن دار كلاما للنشر والتوزيع الجزائر
تلقيت ضربةً قاتلة على العنق، سقطتُ على الأرضية الخرسانية ممدًا، لا قدرة لي على الحركة مجرد جثة لا أشعر بشيء بقعةُ دماء تتسع نتيجةَ نزيف من الرأس ودوار خفيف وصور تتابع خاطفةً، وجوه متعددة، شرائح ضوء تظهر ثم تختفي،...
ظنّت أن الأقدار قد ابتسمت لها أخيرًا، تلك اليتيمة التي ظلت تبحث عن "أب" في وجوه الغرباء منذ طفولتها، وقد وصلت أخيرًا إلى ما تبحث عنه حين غادرت بيت عمها تاركة أختها الوحيدة في جحيم زوجته، ووقفت على عتبة ذلك البيت الريفي الواسع آملة أن تغادر أختها إلى بيت زوجها في أسرع وقت ممكن.
استقبلها صِهرها...
ثم قال لي:
-ألم ننهكَ عن ذلك؟
قلت: بلي.
-لمَ عُدتَ إذن؟
-قد أدمنت الذنب، بعده يكاد يقتلني الندم، لكن يقيني أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
-ماذا تريد؟
قلت: الغفران، بدء صفحة جديدة.
-أوشك الدفتر أن ينفد، أو لعله قد نفد بالفعل.
قلت: لا، لا تزال هناك ورقة مطوية في نهايته، أخفيتها منذ...
فزعتُ
من نومٍ ثقيل، قذفتني يقظتي كأنّني هوِيتُ من كهفٍ سرمديٍّ بلا قاع.
الكابوسُ كان خيانةً كاملة للحواسّ داهمني بكلّ تفاصيله الأبديّة الملعونة. كنتُ أرصد المشهد وأعي وعيه اللزج، لكنّني كنتُ جثةً مشلولةً على فراش التعذيب، لا أستطيعُ حتى أن أكسر خطّ الجاذبيّة الذي يشدّ رأسي إلى وسادتي المبللة...
في مساء ثقيل من مساءات الحي الجامعي، كانت الغرفة تبدو كأنها قطعة حجر اقتُلعت من جبل مهجور ورميت بين الممرات الطويلة التي تعج بأقدام الطلبة وروائح الرطوبة والعَرَق والشاي الرخيص...
الجدران المتشققة كانت تحتفظ ببرودة قديمة، برودة تشبه ذاكرة عجوز عاش زمنا طويلا في الخسارات.
المصباح المعلق في السقف...
كانت ولادة عبد النبي فأل خير على الزوجين نور الهدى وشمس الدين ، ارتقى الزوج في وظيفته ، لهذا اختير الإسم للإبن البكر تيمنا به ، عقبته ولادة طفلتين . توقفت الولادات عند هذا الحد باتفاق الزوجين
حظي الطفل بعناية بالغة وتمييز .كان مفضلا لجماله وذكورته . كل أفراد العائلة يبدون اهتماما به ، مجاراة...
الأربعاء ..
العاشرة صباحًا.. فصل الشتاء ..
بلهفة، أزحت ستائر نافذتي، الحديقة البيضاء، وأغصان الأشجار المرتجفة، وهي تحمل أكوام الثلج، وذلك الصوت الذي يبعث في نفسي الوحشة، جعلني أشعر باليأس من رؤيته اليوم، لكن نباح كلبه جعل الأمل يدب فيّ من جديد، كم يبدو أنيقًا، وسيمًا بمعطفه الأسود ذي الأزرار...
لضحى البيت في الشتاء مذاق خاص ورائحة قوية كأني على وشك لمسها. صحوت هذا اليوم وعرفت أني أكره المدرسة، وكان أبى قد أخذ لي أذنا بالراحة بعد أن طال عنادي ومرضت. الوقت ضحى ساطع ونور جديد يغمر البيت، في وقت لم أره كثيراً وهو يرسم ملامحه المتميزة على الجدران والأرواح، لم أر أشعة الشمس تسقط علينا من هذا...
في الحافلة التي تقله من شرق المدينة جاءته الفكرة. نظر إلى يمينه فوجد المقبرة الشرقية على ما هي عليه. قبور فوق قبور، فيم الأحياء على يساره يتسابقون لامتلاك هذه الفانية التي هي ليست سوى دنية، ولكنها تدفعهم إلى تكرار قول عمر: أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً.
وكلهم يعملون لدنياهم كأنهم سيعيشون إلى الأبد...
1
حامت غراريب الشؤم فوق أرض المغرب بتواتر السبع العجاف (1940 - 47) أعقبها عام الجوع (1944 - 45). عمت الأمراض والوفيات ، نحلت الأجساد ورمدت الأعين وغزا القرع الرؤوس وطفح الجلد بالبتور
بحث النساء حاملات المناجل في الظهيرة عن نبات إيرني في أرض الحقول الجدباء ليعدن منه بعد معالجة سمِّيته خبزا ، يغلى...
وصل شوقي لمكان تواجد صديقه حمدي بصعوبة شديدة وكاد سقوطه ان يكون وشيكا قبل جلوسه بجواره بعد مجهود كبير بذله في مسافة العشرة أمتار التي تفصل بين حمدي و سيارة شوقي التي توقفت به ملاصقة تماماً لدرجات الكافتيريا الثلاث ،وبعد تناول شوقي ساقع وشاي معقبا عليهما بقهوة سأله حمدي: ما الأمر الهام الذي...
جلست مع أذان الفجر، وسكون المدينة يعانق أطرافها. فتحت النافذة المُشرعة على منارة الجامع القريب، تنصت لآيات المؤذن تتسلّل مع خيوط الضوء الأولى كنقاء الوعد. رفعت رأسها نحو السماء، تحدّث النجوم كما اعتادت كل فجر، كأنها تبحث عن يقين ضائع بين مجرّات الغياب.
تمتمت بصوت يكاد يبتلعه الصمت:
ـ لماذا طلب...
الأستاذة في انتظارك منذ نصف ساعة…
دخلتُ مكتبي مترددًا… لا أعرف لماذا شعرت، وأنا أمسك مقبض الباب، أنني أفتح غرفة قديمة في نفسي، لا باب مكتبي الخاص.
كانت تقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، ظهرها نحوي، تتأمل شاطئ بحر الإسكندرية الغارق في ضوء الغروب.
وحين التفتت… داهمتني المفاجأة.
شهقت: — معقول…...
المطر رسالة سرية بين الأرض والروح بين الإنسان ونفسه الأولى، بين القلب وما نسيه من براءته القديمة حين يهطل المطر، نشعر أن العالم يغتسل وأن شيئًا في داخلنا يريد أن يغتسل أيضًا من التعب، من الخيبات، من القسوة التي تراكمت مثل غبار السنوات
نقف أمام النافذة، لا لنراقب الشوارع فقط، بل لنراقب أنفسنا...
كنتُ صغيراً حين لمحتُ الحاج محمود في حيّنا... رجلٌ نحيفٌ أنيقٌ، يعتمر سِدارةً فيصلية، ويمشي بخفَّةِ مَن يعرفُ أنَّ الدُّنيا لا تستحقُّ كثيراً من الضَّجيج. كانَ منزِلُهُ قُبالةَ منزِلِنا، وكانَ حضورُهُ هادئاً حتى أنَّ المرءَ يكاد لا ينتبه إليه، لولا تلكَ النَّظرةُ الطَّويلةُ التي كانَ يرمقُ بها...