عبد الحميد الصائح - عبد الوهاب البياتي ذات شتاء

الموت تجديد ..فكرة الموت لدي تتغير من مرحلة الى اخرى.. من عمر الى عمر , وبعيدا عن الرؤية الفلسفية للموت بعض الموت يغريني ويدهشني, موت طفل. الشهادة. موت الطبيعة ويستفز في مواضيع لاحصر لها, الانسان يولد وحيدا ويموت وحيدا, لقد افدت من هذه الحقية كثيرا.. قد تستغرب حين اقول لك: هذه التجربة تدفعني للتفاؤل احيانا احيانا لانها تصيبني بالهلع احيانا اخرى, حين اكون في الخمسين من العمر هذا يعني اني مت خمسين عاما, وانا الان اتجاوز السبعين من العمر, وتصور هذا الشعور.. شعور غريب وخاص بعيد عن كل ما تعلمته وكتبته*
هكذا بدا عبد الوهاب البياتي وانا اوجه له سؤالا مفاجئا عن احساسه بالموت لم يكن يتوقعة بدا مرتبكا على غير عادته كانه يريد ان يفلت من الاجابة كمعادل للافلات من الموت ذاته.. كانت ذلك يوما من شتاء 1997 في الشام حيث جمعتنا جلسات متتالية البياتي وسعدي يوسف و محمد مظلوم الذي رافق البياتي اخر ايامه وانا في مطعم البلور الذي كان ساطعا بالبياتي طيلة وجوده في الشام مستقره الابدي ليلتها قال لسعدي: اول مره اشعر باليأس، حدثان علماني الياس في حياتي ( الحرب العالمية الثانية ونكسة 5حزيران),. ورغم اني اجريت حوارا مفتوحا ومطولا مع البياتي نشر في حينها غير ان الحياة قريبا من هذا الرجل او ( ذلك الرجل) ابلغ من الحوار المنظم المعتدل المتسلسل.. حياة مليئة بالانطباعات والهواجس والمفاجاة والاستدراكات,بالرفض والاعتراض والتجوال في اقاصي الدنيا وبالتجاوزات ايضا , الذ التجاوزات كانت تجاوزات البياتي التي تستفز الاخرين, تجاوزات نزيهه ليست سوى تعبير طفولة حية تقاوم الزمن وشاعرية تحاجج أي شيء وتحتج عليه,
يفاخر البياتي حتى تلك الجلسة وهو يقول: كنت وما ازال جميلا تحبني النساء وتسعى الي, ويضيف: السياب عانى من ذلك كثيرا . قلت: ( ربما اعطى ذلك سمة اضافية لشاعرية السياب) فرد البياتي: ( اسكت هذا الكلام مو وقته.. السياب عاش الشعر انا عشت الحياة والشعر معا.
قلت: لماذا ياتي السياب على لسانك مع كل موقف حتى وان كان هامشيا؟
قال: ( مو دائما طبعا) لكن الامر يتعلق بالتركيبة البيئية والنفسية والاجتماعية وجوانب سياسية ايضا للشاعر مثلا السياب جاء من منطقة ريفية فيها ماء ونخيل وحياة واضحة بسيطة وحين جاء الى بغداد سكن في القسم الداخلي للطلاب علاقته بالمدين ظلت علاقة مشاهد وحاجاته بقيت دون تلبية ولذلك كانت ثقافته من الكتب كان مترددا في الحياة ومندفعا في الثقافة بالنسبة لي الامر مختلف انا متخوم بالمدينة انا انظر من المدينة الى الكون الانسان عندي ابعد من المكان معنى كبير حين اكتب عن الانسان لا ارى له وطنا محددا ولاحاجة يومية عرضية,ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانا اشعر بالخوف على العالم والوجود)
ورحل البياتي عن الوجود رحل خائفا على العالم.. رحل اخر الشهود على مرحلة التحول الشعري العربي والتحول الانساني الذي شهده تاريخنا الصاخب المريب, فعبر اكثر من نصف قرن من الكتابة وثلاثة ارباع القرن من الحياة ظل البياتي ابنا وابا لتجربة الريادة لا باتجاهها الكتابي حسب بل بكل ما يكتنف المشروع الريادي من تحد وثورة وتحصين للذات من براثن الخوف والسياسة والتحولات, لم يدع طوارىء العمر وارتباك التاريخ وخلخلة المعايير تاخذ من روحه وجوهر مشروعه الشعري والانساني بل عبر عليها بمهارة وفطنة وفروسية يحسده الكثيرعليها , اراد لصوته ان يتجاوز الحدود ويكون شعره ملجأ للحزن والحرية والمنفى والبطولة الانسانية العفوية بطولة الطبيعة في صمودها والانسان في تطلعه الى الحرية والحياة والشعر ,الشعر حين يصبح وطنا لمن لاوطن له فجاءت حياة هذا الرجل المثير الملتبس على من التقوه و احبوه وعلى من التقوه ولم يطيقوا نزقه وغليان روحه كماهو شعره حياة حافلة باصداء صوت عميق يصل اقاصي التاريخ يوقظ هوامشه وشخصياته واجتهاداته التي لاتحصى يصل اقاصي الخيال يختلف ويرتبك ويربك ويهدأ بتلقائية طفل وروح شاعر ليس فيه غير رو ح شاعر نظيفة زاهده تستنسخ احلامها على الورق لتظل اصولها تحفر في القلب وتعلق جرسها في رقبة التاريخ تذكره بالشعر وتحذره بالشعر وتشير بالايماء دون صوت الى الحقيقة الغائبة,ذلك ما انعكس بقوة على تعدد المداخل التي نظر من خلالها الى شعر البياتي عبر الدراسات العديدة المختلفة التي تناولته شاعرا وانسانا من حيث اختلافه عن مجايليه في كونه اكثر رواد الشعر العربي المعاصر اثارة وتنوعا وصبرا ومتاهة ايضا, ومنذ لقائي الاول به في (مقهى العزاوي) ببغداد نهاية الثمانينات بعد عودتة الطارئه الى العراق حتى لقائي اياه في دمشق ذلك الشتاء من عام 1997ظل الرجل يمثل لي حريقا من الاسئلة باحجام مختلفة واهميات متداخلة ومديات شتى, نسيج عجيب من الطفولة والحكمةو النرجسية والكبرياء, و المعاصر والضارب في الاحدود. والمختلف لدى البياتي ان ذلك لم يجعله كائنا مركبا بل اوجدت هذه السمات مجتمعة الفة ملحوظة وانت تلتقيه وسحرا قل نظيره في شاعر يطمح الى يقعد الدنيا في زمن يعمل الجميع على ان يقيمها فتنفرط من بين ايديهم,في ذلك اللقاء الذي جعل مطر وثلج الشام والعواصف اكثر اعتدالا حين فاجاتنا دموع البياتي التي تدارك يمسحها قائلا: بكيت على ابن عربي شعرت بان السبب مضحك حينها وقلت هذا الرجل يبكي لسبب واحد هو انه شعر العمر كله بانتصار ما اكتشفه اخيرا انتصارا على نفسه فقط, عاد بعدها البياتي يتجول في التاريخ والاسطورة ينزل الشعراء مراتب ويعلي منهم من يشاء, لم اكن تلقائيا معه اذ لم استطع ذلك بقيت افتش في الجدي من ارائه والحيوي من ملاحظاته وهو يحاول ان يلتهم الحياة دفعة واحدة

- الدراسة الوحيدة التي اعجبتني هي دراسة كمال ابو ديب لقصيدتي (احترق واموت حبا)
- الشاعر مخلوق لايعتذر
- الدين طلاق الدنيا والشعر طلاق العالمين
- العالم مشغول بتدمير الاسلحة عن ابادة الشعراء والعلماء والمفكرين في العراق
- بانتظار حرب الشعراء على المؤسسات حتى الديمقراطية منها
- لننتبه هناك من يسخدم الاسطورة لاغراض مشبوهه
- شعر اودنيس زهور صناعية
- لابد للشاعر ان يكون عراقيا !
اراء وهواجس والتفاتات لا يمكن لك احتواؤها كاملة او تاملها على عجل لكثافتها, فلقاء عبد الوهاب البياتي ليس نزهة سهلة بل رحلة معقدة صاخبة مع رجل لا مسيطر على اندفاعه الا .. الحتمي.. الذي لا راد لتوقيته.. الموت.

فلتلعب الصدفة العمياء لعبتها
فقد بصقت على قيدي وسجاني
وما علي ان عادوا بخيبتهم
وعاد اولهم ينعي على الثاني
عصر البطولات قد ولى وها انذا
اعود من عالم الموتى بخذلان
وحدي احترقت انا وحدي وكم عبرت
بي الشموس لم تحفل باحزاني
اني غفرت لهم
اني رثيت لهم
اني تركت لهم
يارب .. اكفاني



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...