أ. د. عادل الأسطة - الست كورونا.. [ الجزء الأول] تابع من 61 إلى 100

- الست كورونا : " مطر ناعم في ربيع مكورن" والقدس حزينة (٦١)

كانت أجواء هذا النهار ماطرة ، ولكن مطرها كان ناعما جدا ، ما ذكرني بعنوان ديوان محمود درويش " مطر ناعم في خريف بعيد " ، ولأننا في بداية الربيع والمطر فيه ، والخريف بعيد ولا نعرف إن كانت ستمطر فيه ، فقد تلاعبت بالعنوان بما يتناسب والوقت فقلت " مطر ناعم في ربيع مكورن".
لم يمنعني المطر من شطف الساحة ، وكل ما في الأمر أنه وفر علي كنسها وسطل الماء فصرت مثل بخيل الجاحظ في قصة " أهل البصرة من المسجديين " أنتفع بالماء المتساقط لا بماء البلدية المدفوع ثمنه . وما إن انتهيت من التنظيف حتى وجدتني أذرع الساحة ذهابا وإيابا ، والناس نيام .
وأنا في الشقة تذكرت فعلة الست كورونا الخبيثة . لقد حالت بيني وبين المشاركة في مؤتمرين ؛ أولهما في جامعة الزيتونة الأردنية ، وثانيهما في معهد القاسمي في باقة الغربية ، وما ذكرني اليوم بالمؤتمرين هو قراءتي ذكريات الفيس بوك التي كتبتها قبل عام ، ففي العام ٢٠١٩ كنت في هذه الأيام في باقة الغربية وكانت السماء هناك تمطر . أنجزت ورقة مؤتمر الزيتونة من قبل وحالت الست كورونا دون إنجاز ورقة معهد القاسمي ، وكلب حي خير من أسد ميت ، والمهم أن نبقى على قيد الحياة إن بقينا ونجونا .
ما لفت نظري في أخبار الصباح أن الجمعة الأولى في الأقصى كانت حزينة والشوارع في القدس فارغة .
وسبحان من يحيي العظام وهي رميم ، فلقد شاهدت شريطا عن كوبا يتحدث فيه الرئيس الراحل ( فيدل كاسترو ) عن سياسة بلاده واختلافها عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تصدر القنابل الذرية والأسلحة الفتاكة ، في حين تخرج كوبا الأطباء وترسلهم إلى الدول الفقيرة .
الصديق ابراهيم ملحم الناطق الإعلامي باسم الحكومة تحدث عما كتبه الساخر علاء أبو دياب عن مواجهة سلطتنا العديدة الست كورونا بالبلاغة والقطايف : آيتان قرآنيتان وقصائد شعرية وقطايف ولوز وجبنة ، ورد الناطق على علاء بالبلاغة فقرأ قصيدة محمود درويش :
" فكر بغيرك " .
إحدى صديقات صفحتي عبرت عن استيائها من استخدامي المتكرر لعبارة " الست كورونا " فالست ، من وجهة نظرها ، تقدم الجميل والخير . بم أجيب صديقة الصفحة المتابعة جيدا لما أكتب ؟
في الكتابة جد وهزل وفكاهة وسخرية وقد أكون مثل توفيق الحكيم عدوا للمرأة ! قد !
صباح الخير
خربشات
٢٦ نيسان ٢٠٢٠

***

- الست كورونا ونابلس أمس بين الواقع وشريط الفيديو ٦٢ :

في الصباح مارست عادتي اليومية والناس نيام . نظفت الدرج وشطفت الساحة وتمشيت فيها نصف ساعة على الرغم من برودة الجو المحتملة جدا والجميلة جدا أيضا .
في الحادية عشرة والنصف غادرت إلى وسط المدينة ، وكانت هادئة تماما كما لو أن الناس ما زالوا نياما فالشوارع شبه فارغة من المركبات والبشر ، ما ذكرني بصورة أدرجتها إحدى طالباتي ، وهي زهور دويكات ، على الفيس .
الصورة لسيارة تسير في الشارع دون زحمة فلا سيارات أصلا وثمة صوت يعبر عن اشتياقه لأيام خالية كانت الشوارع فيها تعاني من أزمة واكتظاظ .
" جنة من غير ناس ما بتنداس " يقول مثلنا ، وفي العزلة المفروضة على البشر يحن هؤلاء إلى أعدائهم . هل سيأتي يوم تقضي فيه الكورونا على ٧٠ بالمائة من البشر فيحن العمال الفلسطينيون فيه إلى أصحاب العمل اليهود ؟
لا أزمة في شوارع المدينة ، والمحلات أكثرها مغلقة .
سرت من وسط المدينة إلى غربها وأنا اقترب من المدرسة الفاطمية لاحظت قوات الأمن الوطني الفلسطيني تطلب من أصحاب بعض المحلات إغلاقها .
وأنا عائد من البوابة الغربية ذارعا شارع النصر لاحظت أيضا خلوه من الاكتظاظ . ثمة بعض مارة وفي خان التجار حيث تباع الملابس كانت المحلات مغلقة وما ليس مغلقا منها يغلق بأمر من قوات الأمن الوطني . هل سيأتي يوم يتمرد فيه المواطنون على الست كورونا والسلطة ويخرجون مفضلين السير على خطا السويد وراضين باتباع " سياسة القطيع " فمن مات رحمه الله ومن عاش يرث المكان ؟
لا اكتظاظ في البنك ويمكن أن تقضي أمرك بيسر وسهولة فالشهر في آخره وليس ثمة استلام رواتب .
أكثر ما لفت الانتباه اليوم هو شريط فيديو لمواطن نابلسي بيده مقص أقفال . الشاب طويل وملتح وذو بنية جسمانية قوية ويبدو أنه منزعج جدا من إغلاق الجوامع ، وعموما فليس هو الأول في هذا الجانب . قبل أسابيع شاهدنا شريط فيديو لمواطن أردني بيده سيخ حديد كسر به زجاج مسجد مغلق مطالبا بفتحه .
الشاب النابلسي ، ولهجته تفصح عن هويته ، قص قفلي بابين مغلقين لأحد الجوامع ، ووجهة نظره أن البنوك تفتح أبوابها للزبائن والأسواق لا تخلو من الناس ، فلماذا تغلق الجوامع إذن ؟
أمس شاهدت فيلم Nasri Hajjaj " كما قال الشاعر " وهو عن الشاعر محمود درويش . فيلم يستحق أن يشاهد أكثر من مرة وفيه التفت إلى سطر الشاعر يعرف الآخرين بالانسان الفلسطيني :
" لا نحتكر الله
ولا دمع الضحية "
والذين يحتكرون الله ويتقنون دمع الضحية هم أولاد عمنا . كم هو ساخر محمود درويش ! كم !
ويبدو أن الست كورونا ستجعلنا جميعا في خبر كان .
صباح الخير
خربشات
٢٧ نيسان ٢٠٢٠

***

- الست كورونا والحل السحري للتخلص من ٦٥٠٠ مليون إنسان " أمة عالمية واحدة ذات لغة واحدة " ٦٣ :

لم أستطع ، بعد أن أصغيت إلى شريط فيديو ، أرسله إلي الدكتور Riyad Awad الناشط الغزي ، من مقاومة رغبة استبدت بي للكتابة ، فأنا في العادة أكتب اليوميات هذه في منتصف الليل .
الشريط مذهل حقا ، وكنت قبل أيام ضمنت إحدى اليوميات سطرا من شعر مظفر النواب هو " والبلاد إذا سمنت وارمة " ، فهل ما دار في ذهن الشاعر كان يدور في أذهان بشر آخرين كثر ، في الشرق وفي الغرب ؟
" البلاد إذا سمنت وارمة " ونحن الآن سبعة مليارات إنسان ، ولا أدري كم مليار حيوان وحشرة وشجرة على سطح الأرض .
الشريط يري نصبا غريبا في ولاية جورجيا / أميركا ويتشكل من حجار غرانيت وزنها ١٢٥ طن . طول النصب ١٩ قدما - أي ستة أمتار وقد أقيم في ٢٢ / ٣ / ١٩٨٠ ومكتوب عليه باثنتي عشرة لغة هي العربية والسواحيلية والانجليزية والعبرية والانجليزية والصينية والروسية والهندية والإسبانية - غريب عدم وجود الفرنسية - ولغات قديمة هي البابلية والهيروغليفية والسنسكريتية والبابلية .
صنع النصب في مصنع سري طلب منه التكتم وإحراق الأوراق التي اعتمدها للكتابة ، ومن التوصيات المكتوبة بالعربية الآتي :
ابقوا عدد الجنس البشري ٥٠٠ مليون فقط ووحدوه ليتكلم بلغة واحدة و ...
العربي الذي كان يعقب على الشريط قال إن المطلوب هو التخلص من ٦٥٠٠ مليون انسان ، والسؤال هو كيف سيتم ذلك ؟ هل سيكون من خلال حرب عالمية ثالثة ؟ هذا صعب ! إذن لا بد من فايروس .
هل الست كورونا إذن هي الحل .
أحيانا أكون ذا تفكير نيتشوي . معي مبلغ من المال ولي إخوة كثر ولهم أبناء كثيرون وكلهم حالتهم بالكاد . من سأساعد لأخرجه من ورطته فيهم والكل ينشد المساعدة له ولأبنائه أولا ؟!
يبدو أن الست كورونا ستقضي علي وعلى إخوتي وعلى أبنائهم وعلى أحفادهم وعلى الأمتين ؛ العربية والإسلامية ومعهما سكان القارتين ؛ الإفريقية والأمريكية اللاتينية، وفوقهما شبه القارة الهندية .
صوموا تصحوا ومن استطاع منكم الباءة فليتزوج وتناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ، ويبدو أنه اقترب .
إفطارا هنيئا وصياما مقبولا !!
مساء الخير
خربشات
٢٧ نيسان ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا وحكم القبلة من وراء الكمامة في شهر الصيام ٦٤ :

هل تفسد القبلة من وراء الكمامة صيام الصائم ؟
هذا اليوم زرت مخيمي عسكر القديم والجديد ، نوعا من صلة الرحم في شهر رمضان ، وهذا ما لم أفعله في شهر شعبان الذي يشعبن فيه أهل نابلس ، وأظنهم في هذا العام لم يشعبنوا .
وأنا عائد اشتريت بطيخة إسرائيلية المنشأ ولم ألتزم بقرار المقاطعة ، فالكورونا ، كما أنستنا صفقة القرن ، أنستنا أيضا مقاطعة البضائع الإسرائيلية وصرنا نخوض أكثر في شأن العمال الفلسطينيين في مصانع الاحتلال وورشه وما شابه.
سعر كيلو البطيخ من ٦ شيكل إلى ٩ والبطيخة الواحدة تشبع عائلة .
طبشتها واشتريت بطيخة ب ٤٧ شيكلا وعلى الموس وعلم . الأولى كانت قرعة والثانية حمرة .
وأنا اتفقد الماسنجر شاهدت شريط فيديو أرسله إلي المحامي علي رافع للشيخ السوري خفيف الدم والظريف والمختلف فيه أهو مع الحكومة أم ضدها فتحي الصافي الذي توفي في دمشق في ٢ / ٥ / ٢٠١٩ وعنوان الشريط " حكم القبلة في الصيام " .
الشيخ خفيف الدم والظريف والمختلف فيه قال رأيا طريفا فيها . إنها مجازة لكبار السن وليست مجازة للشباب ، وحين اعترض شاب متسائلا كيف تجوز لكبار السن ولا تجوز للشباب ، علما بأن دين الشباب هو دين كبار السن ، أجاب الشيخ خفيف الدم إنها تحرك الشهوة لدى الشباب في حين أن سبعين قبلة لا تحرك شيئا لدى الختايرة .
وأنا أشاهد الفيديو تذكرت الليلة الثامنة عشرة من ليالي الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ، وهي ليلة مجونية .
اللافت في زمن الكورونا هو الالتفات إلى أدب الأوبئة وإلى السخرية والمزاح والدعابة فيه لمواجهة الواقع .
الصديق غسان عبدالله حول لي شريط فيديو عن نوح ابراهيم . وأنا أصغي إلى نوح يغني :
" دبرها يا مستر دل
بركن على ايدك تنحل "
وجدتني أقول :
" دبرها يا خواجة ترامب
بركن على ايدك تنضب " .
هل ستنضب الست كورونا ؟
والفعل تنضب يحتمل معنيين هما النضوب / الجفاف - أي تنتهي الكورونا ، والعودة إلى الاستقامة بعد الفجور .
صباح الخير
خربشات
٢٨ نيسان ٢٠٢٠

***

- الست كورونا وسواقو العمومي ٦٥ :

لم أخرج هذا النهار من البيت ، لا لأنني قررت أن ألتزم التزاما تاما بنصائح الحكومة منذ بداية الحجر الصحي ، ولا نزولا عند رغبة المغنية فيروز " خليك بالبيت " ، ولا نتيجة لكسل ألم بي ، فمنذ الصباح المبكر مارست طقوسي اليومية منذ بداية نيسان وهي شطف الدرج والساحة والجلوس فيها ، فقد كان الجو اليوم مناسبا للتعرض للشمس ، وإنما لأنني رغبت اليوم في تنظيف شبابيك الشقة التي تبدو ، بسبب الأمطار والغبار لأشهر خلت ، متسخة ، والنظافة من الإيمان ، فكيف إذا كنا في شهر رمضان - الجلوس في البيت يريحني من السؤال المتكرر الملح :
- هل أنت صائم ؟
وهو سؤال يحل في رمضان محل السؤال التقليدي :
- هل تؤمن بالله ؟
أو محل السؤال :
- هل تتزكى ؟
علما بأن السؤال الأخير يتخذ في الشهر الفضيل صيغة أخرى :
- لا تنسانا يا أستاذ !
اليوم نظفت الشبابيك ومسحت الصالون بعد أن ضببت السجاد الذي نادرا ما يتسخ ونادرا ما أرسله للغسيل ، فأنا أكنسه من الغبار بطريقة تنظفه مما علق به وتراكم عليه .
جلوسي في البيت حال دون الإصغاء للسواقين والتحاور معهم ، وهذه العادة عموما تقلصت منذ حوالي أربعين يوما بسبب الإغلاق وتقلص معها وقل تدويني لأحاديث الحافلة التي كثرت في كتاباتي .
مرات قليلة خلال الأربعين يوما أتيت على أحاديث السواقين ، فالمرات التي صعدت فيها معهم لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة .
السواقون في هذه الأيام يشعرون بالملل والضجر ويشكون قلة ما في اليد ، فعدا أنهم مكثوا أكثر من شهر في البيت ، وهذا ما لم يعتادوه ، بالكاد يلتقطون راكبا من هنا وثانيا من هناك ، وإذا ما عثروا على راكب ثالث فإنهم يترددون في حمله خوفا من الشرطة . سيارات العمومي التي يصل سعرها إلى ٧٠ ألف دينار أردني غدت مجرد حديد لا تسمن ولا تغني من جوع .
هل ستعتبر السلطة الفلسطينية سواقي تكسيات العمومي عمال مياومات ، وهم كذلك ، أم أنها لن تنظر إليهم كذلك ؟
كان أبي سائقا وقد احترف هذه المهنة حوالي خمسين عاما ، وكانت مهنة السائق مهنة ملوكية ، ولهذا لقب أبي ب " الملك " وكان هناك ، في مخيمنا ؛ مخيم عسكر القديم ، ملكان آخران ؛ سائق وعامل نظافة و ...
" وإنما الناس بالملوك " قال المتنبي ، وما تفلح عرب ملوكها .. الخ .
اليوم كان لي يوما منزليا بامتياز ، فلم تكن الكورونا هي الست وحسب . أنا أيضا كنت " ست منزل " !!
لا جديد على ما يبدو !
صباح الخير
خربشات
٢٩ نيسان ٢٠٢٠

***

- الست كورونا والصيحة المرتقبة ليوم القيامة ٦٦ :

للمرة السادسة ، خلال خمسة أسابيع ، أغادر أمس شقتي إلى وسط المدينة ، وهذا ما لم يحدث إلا في ربيع ٢٠٠٢ - أي ربيع الاجتياح ، وها نحن في الربيع .
الأجواء في المدينة هادئة ، فلا ضجيج ولا أزمة مرور ، والحديث مع سائق العمومي الذي أقل راكبين فقط ، وهذا هو حكم الست كورونا وقوانينها الطارئة ، لم يختلف عن الحديث مع السائق أول أمس إلا في تفاصيل ثانوية جدا ، والشكوى لغير الله مذلة .
ولأول مرة سلكت طريق سوق الحدادين إلى خان التجار . كان خان الوكالة مغلقة أبوابه وكانت محلات بيع الملابس نصفها مغلق والنصف الآخر نصف فتحة . إنه عالم الأنصاف على ما يبدو . نصف راتب ونصف إغلاق ونصف البشر فلا ريفيون ولا سيدات إلا ما ندر ونصف حياة ونصف احتلال ونصف دوام ... الخ .
رأيت وجوها لم أرها منذ خمسة وثلاثين يوما واشتريت ، بعد التوكل على الله و " طبشها " نصف كيلو دجاج مسحب ومخلل خيار وأقفلت عائدا منقدا السائق ضعف الأجرة ، ويبدو أن أهم أثر تركته الست كورونا علي شخصيا يكمن في أنها جعلتني أنفق بلا حساب ، ولعله اقتراب يوم الحساب ، فاليوم أرسلت إلي ابنة عمي شريط فيديو عن " الصيحة " ولم أكن من قبل سمعت بالصيحة وقصتها .
الجمعة التي تلي جمعة يوم غد موعدنا مع " الصيحة " وهذا اليوم يأتي في الخامس عشر من رمضان إن كان الخامس عشر يوم جمعة .
سبعون ألف أعمى وسبعون ألف أطرش وسبعون ألف ... إلخ سيضافون إلى ضحايا الست كورونا في يوم " الصيحة " وحتى لا يكون الواحد منا في عدادهم فيجب عليه أن يلتزم بالبيت ويغلق عليه الأبواب والنوافذ ويقرأ القرآن - أو هكذا فهمت .
نحن آل أسطة الكرام ممسوسون على كبر بالدين إلا أبي وأنا فكلانا " يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلا " ، فلم يكن أبي متدينا ولعله أورثني هذا ووضع سره في ، بخلاف إخوتي ، فأنا وأبي في واد وإخوتي في واد ، ومن شابه أباه فما ظلم .
هل سيرسل لي صديق غدا شريط فيديو تحت عنوان " الدين في زمن الكورونا " ؟
لقد وصلتني أشرطة فيديو تحت لافتات " الحب في زمن الكورونا " و " الدبكة في زمن الكورونا " و " القبلة في زمن الكورونا " و " الزواج في زمن الكورونا " وها أنا أنجز كتابا عنوانه " يوميات الست كورونا " وربما أجعل العنوان " الكتابة في زمن الكورونا " . يقصف عمرها هالكورونا شو خفيفة دم وشو بلبقلها - الأخيرة باللهجة النابلسية وسبعين عين تطرقها أيضا . وغدا سوف أكتب تحت عنوان " يا شهر أيار " .
صباح الخير
خربشات
٣٠ نيسان ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا وشهر أيار وبجامات ابراهيم طوقان ٦٧ :

ثمة قصيدة تنسب لابراهيم طوقان مطلعها المنشور في المواقع الالكترونية هو :
" فل وورد وغيد في البجامات
يا شهر أيار يا شهر الكرامات "
وكنت أحفظ المطلع بغير ما ورد آنفا . كنت أحفظه على النحو الآتي مع بعض " محو " :
" يا شهر أيار يا شهر ...
يا مخرج .... من البجامات "
وفي أيار من كل عام أتذكر المطلع وأحور فيه ، كأن أقول :
" يا شهر أيار يا شهر ...
يا مخرج الفلسطينيين من الديارات "
وربما يتساءل القاريء عن صلة ما سبق بالست كورونا ، فهي فايروس غير مرئي والفتاة التي تتحدث عنها قصيدة الشاعر ، أو المنسوبة إليه ، هي امرأة من لحم ودم أخطأت واعترفت ولم تؤذ سوى نفسها ! ربما !
منذ أربعين يوما تقريبا لم أكو أي بنطال ولم أر " أبو حسين " الصديق المكوجي ، بل ولم أكو أي بنطال . أنا أكوي القمصان وأما البلاطين فيكويها أبو حسين الذي عانى مما الجميع منه يعاني ، في فترة الحجر الصحي ، فأغلق مصبغته .
هل من حاجة أصلا لكي / لكوي البلاطين ؟
منذ أربعين يوما تقريبا ونحن لا نغادر منازلنا إلا لأوقات محدودة ، وقد لا نرتدي البنطال في الأسبوع ساعة أو ساعتين . إنه زمن البجامات ، فهل تذكر قصيدة الشاعر أمر مستغرب ؟
اليوم الأول من أيار وهو يوم عيد العمال العالمي ، والعمال ، منذ أربعين يوما ، معيدون وأمس خرجوا من البيوت وخلعوا البجامات وذهبوا إلى المدينة ، كما لو أن الحجر الصحي انتهى وولت أيامه .
أول أمس كانت محلات النوفوتيه شبه مغلقة ، وأمس سمح لها بفتح أبوابها أمام الزبائن ، فهل سترتفع أسعار البجامات في الأيام القادمة وتنخفض أسعار البلاطين ؟
في الحافلة يجلس راكبان أو ثلاثة وتتضاعف الأجرة . أمس كتبت عن أننا نعيش " زمن الأنصاف " وعقب الصديق محمد عدنان أبو إيلاف " وأجرة الركاب أضعاف " وهو ما هو محقق حقا ، ومع ذلك فإن الحافلات لا تعمل جيدا والسواقين يشكون ويتذمرون وتبدو لهجة حديثهم تبعث الأسى في النفس . ماذا فعلت بهم وبحافلاتهم الست كورونا ؟ هل انخفض سعر رقم الحافلة ١٠ آلاف دينار حقا ؟
العبارة الأكثر تكرارا على الألسنة هي " الناس خرب بيتها " والبنك العربي أعلن اليوم مقدار أرباحه في الأشهر المنصرمة ، وإن سمعت جيدا فإنها فاقت ال ٧٠٠ مليون دينار . اللهم لا حسد ، والسبب أن السيد صبيح المصري يرعى الأيتام . لقد بارك الله له في الرزق ، فكافل اليتيم في الجنة .
ماذا لو تبرع البنك العربي ب ١٠٠ مليون دينار لخزينة السلطة ؟
اليوم اشتريت خبز " فتوت " فنحن في موسم البطيخ والشمام - ما أطيب الشمام ورحم الله أبي - وفي موسم البطيخ ليس أطيب من تناول خبز الفتوت مع الجبنة والبطيخ .
واليوم اشتريت أيضا المخللات والمكسرات وسرت من شرق المدينة إلى غربها ، ولأول مرة ، منذ أربعين يوما ، أذرع السوق الشرقي ووجدتني أستخدم ورق المحارم مثل كمامة بسبب الازدحام .
هل بدأت الحياة تعود إلى سابق عهدها وأننا - شئنا أم أبينا - مضطرون لاتباع سياسة القطيع ؟
يبدو أنه لا بديل عن الروح الإسبارطية فمن كان قويا عاش ومن كان ضعيفا فعليه الانسحاب ! يبدو !
ويا شهر أيار يا شهر الكرامات
يا مخرج الفلسطينيين من الديارات
صباح الخير
خربشات
١ أيار ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا والأوضاع الاقتصادية الصعبة والسرقات ٦٨

اليوم الجمعة لم أخرج من البيت إلا في الرابعة عصرا ، وأنا غالبا ما أكون يوم الجمعة منزليا بامتياز ، ولا أظن أن إيقاع يوم الجمعة سيتغير لو لم تشرف الست كورونا.
اليوم أعدت قراءة تمهيد ( بوكاشيو ) لكتابه " الديكاميرون " فحمدت الله أننا في وضع أفضل بكثير مما كانت عليه مدينة ( فلورنسة ) في العام ١٣٤٨ م ، كما أعدت قراءة الفصل السابع من كتاب عن طاعون لندن ١٦٦٢ " يوميات سنة الطاعون " وما كتبه ( دانيال ديفو).
كان الدافع ، وراء إعادة القراءة ، تتبع أخبار السرقات في المدينتين المذكورتين ، آنفا ، في ظل انتشار الطاعون . هل سيأتي يوم نشهد فيه انتشار ظاهرة السرقة في ظل هذه الجائحة؟
غالبا ما أصغي إلى الشكاوى من سوء الأوضاع الاقتصادية . في حديث رئيس الوزراء في وسائل الإعلام ، وفي الحافلة ، وفي السؤال عن الرواتب في نهاية الشهر ، وفي الحديث عن فتح الأسواق وإغلاق المحلات وما ألم ويلم بعمال المياومة و .. و .. وكثير من المواطنين عليهم أن يسددوا أقساطا للبنوك ، ثمنا لسيارات أو لشقق اشتروها ، وحالة تعبانة يا ليلى!!
ماذا سيفعل كثيرون منا ممن رهنوا حياتهم للبنوك ؟
غالبا ما نكرر المثل " على قد فراشك مد رجليك " ولكننا نفعل عكس ما يقوله المثل ، فنمدد أرجلنا مترا أبعد من فراشنا .
أعرف كثيرين مرتهنين للبنوك وهم الآن في ضائقة ، فهل ستدفعهم الظروف إلى السرقة إن استطاعوا؟
في " يوميات سنة الطاعون " كان الناس ينتظرون موت المريض ليسرقوه ، وقد لا ينتظرون فيقدمون على قتله طمعا في ماله ، علما بأن الطامعين قد يموتون في الساعة التالية أو في اليوم الثاني للسرقة.
هل سيفتي مفت بجواز السرقة في عام " الكورونا " ويمنع قطع يد السارق ؟ هل تتذكرون ما فعله عمر بن الخطاب في عام الرمادة ؟
قبل أربعين عاما وأكثر كنت أكرر قول الشاعر العراقي مظفر النواب :
" لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر .
فالجوع أبو الكفار ،
مولاي أنا في صف الجوع الكافر ، ما دام الصف الآخر يرزأ من حمل الأوزار " .
والآن ... ؟
هناك مثل عربي قديم يقول :
" تجوع الحرة ولا تأكل من ثدييها " .
نحن في رمضان وفي حيص بيص ، فهل الفضيلة الأولى ، كما ورد في قصة غسان كنفاني " زمن الاشتباك " أو " الصغير يذهب إلى المخيم " ، هي أن نبقى على قيد الحياة ، وأن لا فضيلة قبلها ؟
حالة تعبانة يا ليلى
حب ما فيش !!
صباح الخير
خربشات
٢ أيار ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا وشكوى سائق الحافلة ٦٩ :

اليوم ذهبت إلى المدينة . أقلني من الحي الذي أقيم فيه ، وهو حي يبعد عن وسط المدينة حوالي خمسة كيلومترات ، سائق أعرفه جيدا ، ولسوء حظه كنت الراكب الوحيد . أجرة الراكب قبل الحجر الصحي كانت ثلاثة شواكل وصارت منذ خمسة أيام ، بسبب الحجر الصحي وتبعاته ، أربعة شواكل . نقدت السائق خمسة شواكل وحين أعاد لي شيكلا رفضت أخذه ، وكما قلت من قبل فقد صرت بسبب الست كورونا كريما وتمردت على بخلاء الجاحظ .
في أثناء العودة أقل السائق ، وهو غير السائق الأول ، ثلاثة ركاب ، وقد غامر وخالف القوانين الجديدة التي اشترطت بسبب الست كورونا وسياسة التباعد بين الأفراد ، أن يقل السائق راكبين فقط .
ليس المهم مقدار ما نقدته لأننا ثلاثة ، فالمهم هو حديث السائق عما ألم به خلال الأربعين يوما الماضية ، حيث تعطلت حافلته والحافلات العمومية عن العمل .
قال لي السائق ، وهو أب لأربعة أطفال ، إنه لم يكن يملك قبل فرض الحجر أكثر من أربعمائة شيكلا ، فماذا تجدي نفعا لستة أفواه ؟
وأضاف :
سبحان الله فإن الأطفال وهم في البيت " ينفجعون " فيأكلون أضعاف ما يأكلونه في الأيام العادية .
ما سبق لم يكن هو بيت القصيد ، فبيت القصيد أنه قبل سبعة أيام اضطر إلى العمل على الحافلة مخالفا نظام الحجر . وعلى ذمته فإنه لم يكن يملك ثمن جرة غاز ، ما دفعه إلى المغامرة ، وتساءل بأسى :
- نحن ندفع لشركة التأمين مبالغ ، فلماذا لم تتبرع الشركة بجرة غاز لكل سائق في ظل هذه الظروف ؟
أغلب السواقين يأخذون ثلث دخل السيارة اليومي ، وغالبا ما لا يكفيهم المبلغ لسد احتياجاتهم اليومية ، وصاحب السيارة مثلهم أيضا فدخلها ، إن كان مصدر رزقه الوحيد ، بالكاد يكفيه .
هل ستدفع شركات التأمين جزءا من أرباحها لنقابة السواقين لسد احتياجاتهم وهل ستعفي الدولة أصحاب السيارات من ضريبة الدخل ؟ وهل ؟
ما شاء الله على شركات التأمين ! ما شا ءالله !
لم أستطع في آذار الحصول على دواء السكر والمميع بسبب الحجر الصحي ، وسرعان ما بادرت الشركة ، وقد كتبت هذا ، بإيقاف صرفه لي . شركات بالصلاة على النبي ، وأعتقد ، قياسا على ما جرى معي ، أن تعفي الشركات الحافلات من دفع المبلغ كاملا . إنها شركات وطنية طبعا وعند الامتحان تكرم الشركات أو تكرم أيضا .
حالة تعبانة يا ليلى ، حب ما فيش ، شواكل ما فيش ، دولارات ما فيش ، والوزراء من أيام وزارة الدكتور رامي الحمدلله يعانون من قلة الدخل ولذلك طالبوا بزيادة رواتبهم - أي والله .
على فكرة ، هل أعاد الوزراء كلهم مبلغ ٨٢ ألف دولار حصلوا عليها من عرق جبينهم ؟
دبرها يا " حاج " دونالد ترامب . دبرها.
مساء الخير
خربشات
٢ آيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا والعقل " ما العقل إلا الجنون " ٧٠ :

منذ عادت سيارات العمومي إلى العمل ما عدت ألتزم بنصيحة " خليك بالبيت " وصرت مثل " أبو الفتح الإسكندري " بطل مقامات بديع الزمان الهمذاني .
كان أبو الفتح يتجول في البلاد الإسلامية ، فيجتاز في بعض بلاد الأهواز ، و " قصاراي لفظة شرود أصيدها ، وكلمة بليغة أستزيدها " .
شخصيا لا أجتاز المسافات لأجل اللغة كما كان أبو زيد يفعل ، وإنما أتنقل لأستمع إلى حكايات الناس وقصصهم في زمن الكورونا وأدونها .
اليوم مثلا تركت شقتي ليعبث بها الصائمون والمصلون الذين يعبدون الله ، عملا بقوله لا تدخلوا البيوت حتى يؤذن لكم ، وأنا لا آذن لأحد عموما بدخول شقتي في غيابي ، اليوم تركت شقتي لأتسكع في شوارع المدينة ، ولأذهب إلى شقتي الثانية فاستريح و ... .
وأنا أذرع شوارع البلدة القديمة ، قرب خان الوكالة المغلقة بوابته منذ أربعين يوما ، وكنت أحيانا أتردد عليه ، أصغيت إلى حوار بين رجلين ، يقول أحدهما للثاني :
- إن شاء الله ، بعد رمضان ، سأغرق أهل نابلس كلها بالحشيش .
سار الرجل إلى جانبي وتجاذبنا أطراف الحديث وشرح لي لماذا قال ما قال .
كان بيد الرجل مصفاتا شاي أصلحهما له سمكري أو صاحب محل البسكليتات ، ولاحظ الرجل أن حجمهما تضاءل فعبر عن اندهاشه ، ما جعل السمكري يسأله إن كان محششا .
عبارة الرجل " إن شاء الله ، بعد رمضان ، سأغرق نابلس كلها بالحشيش " ذكرتني بالروائي اميل حبيبي الذي طالب الفلسطينيين بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي بالضحك ، وأنه لولا خوفه من أن يفطن الإسرائيليون إلى ذلك ، وبالتالي يسنون قانونا يمنعون الناس بموجبه من الضحك ، لولا هذا لأغرق الفلسطينيين بالضحك .
وأنا أعيد قراءة مقدمة كتاب " الديكاميرون " توقفت أمام ردود أفعال أهل ( فلورنسة ) إزاء الطاعون الذي تفشى في مدينتهم في ١٣٤٨ .
هناك من واجه الطاعون بشرب الخمر وبالمزيد من الملذات ، وهناك من واجهه بالعزل ، وهناك من واجهه بالخروج إلى الطبيعة والتمشي فيها ، وهناك من واجهه بالتجمعات والحياة الجماعية و " كان البعض .... يستمتعون بالموسيقى وغيرها من المتع الرصينة التي في متناول أيديهم وكان لآخرين رأي مخالف ، فهم يرون أن الغرق في الملذات والإكثار من شرب الخمر ، والترويح عن النفس ، وإشباع كل الرغبات المتوفرة ، والضحك والسخرية ، هي العلاج الحقيقي لذلك الداء ... "
تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي ، ومن ١٣٤٨ ما أرانا إلا نعيش معادا مكرورا . وانتهت المقامة المكفوفية بأبيات شعر منها :
لا تكذبن بعقل
ما العقل إلا الجنون .
صباح الخير
خربشات
٣ آيار ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا و" حب الحياة إذا ما استطاع الناس إليها سبيلا " ٧١

اليوم ، وأنا في المدينة ، وجدتني أكرر سطر محمود درويش ذائع الصيت وواسع الانتشار :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا "
والناس تحب الحياة على ما يبدو إذا ما استطاعت إليها سبيلا .
كما لو أن الست كورونا اختفى خطرها وزال إلى غير رجعة ، فالناس في المدينة تجولوا كما كانوا يتجولون قبل الحجر الصحي ؛ الشوارع مكتظة بالبشر وحافلات العمومي ذات اللون الأصفر تملأ الشوارع وسوق الخضار مكتظ وأصوات الباعة الأليفة التي خفتت في الأربعين يوما الماضية ارتفعت من جديد . نساء ورجال خارج منازلهم ، وما عادت النسوة يطلبن الطلاق أو يفكرن فيه لجلوس الرجال في المنازل ، فمن الأشرطة التي تناقلها النشيطون فيسبوكيا وماسنجريا شريط امرأة سورية جميلة ضاق خلقها من وجود زوجها في المنزل ، فقد أخذ يتدخل في كل صغيرة وكبيرة .
- ما أول شيء ستفعلينه بعد انتهاء الكورونا ؟
يسأل الصحفي ، فترد المرأة :
- سأذهب إلى المحكمة وأطلب الطلاق .
وحين يلح السائل ويسأل عن السبب تجيبه :
- وأنت التاني شو دخلك ! روح انقلع .
وإذا كان بيت الشعر العربي قال " ولكن أخلاق الرجال تضيق " فإن الست كورونا جعلت " أخلاق النساء تضيق " وقد نقرأ في قادم الأيام إحصائيات عن نسبة الطلاق وارتفاعها ! قد !
مرة سألتني امرأة السؤال الآتي :
- ماذا ستفعل بعد انتهاء عملك في الجامعة ؟
فأجبتها :
- سأجلس في البيت .
المرأة التي نصحتني بالزواج ، وما أكثر من نصحني في حياتي بالزواج ، قالت لي :
- لا أنصحك إن تزوجت بالبقاء في البيت ، فالمرأة لا تحب جلوس الرجل في البيت .
أحيانا أفكر في شأن البيوت التي غالبا ، بل دائما ، ما يبنيها أو يشتريها الأزواج وأرى أنها تصبح ملك الزوجة وأهلها . لاحظوا أن المرأة ترى في جلوس الرجل في البيت مصيبة ، كما لو أنه لم يشتر البيت بل اشترى حصة في المقهى .
في قصص ( بوكاشيو ) " الديكاميرون " نقرأ عن مواجهة أهل مدينة ( فلورنسة ) لوباء الطاعون بالخروج من المنازل ، فسلطة القانون " سواء الإلهي أو البشري ، قد انهارت واختفت تماما ، لأن أحبارها والقائمين عليها قد ماتوا أو أصيبوا بالمرض مثل غيرهم من الناس ، أو أنهم ابتعدوا بأسرهم ، بحيث لم يعد بإمكانهم ممارسة مهامهم ، وصار مباح لكل امريء أن يفعل ما تمليه عليه أهواؤه ، فكان هناك صنف من الناس لم يعتكفوا في بيوتهم ، مثلما فعل الأولون ، ولم يغرقوا كذلك في الإفراط بالشراب والملذات مثلما فعل الآخرون ، بل راحوا يستمتعون ، وفق رغباتهم ، بمقادير معتدلة من المتع ، دون أن يحتجزوا أنفسهم ، بل يخرجون للمشي ، وهم يحملون في أيديهم أزهارا أو أعشابا عطرة...."
ويبدو أن أهل المدينة اليوم قرروا الخروج .
هل ضجرت ربات البيوت من أزواجهن أم ضجر الأزواج من زوجاتهن وفضلوا الست كورونا على ست البيت ؟
حالة تعبانة يا ليلى ، والحمد لله أنني بلا امرأة !!
لا تقولوا " قصر ذيل يا أزعر " .
صباح الخير
خربشات
٤ أيار ٢٠٢٠

***

-الست كورونا ورحيل أبو زياد ودفن الموتى ٧٢ :

وأنا أتصفح رسائل الماسنجر هذا الصباح قرأت رسالة من فداء نزار زوربا تعلمني فيها أن جدها أبو زياد الشبيري انتقل فجر امس إلى رحمته تعالى ، وتخبرني أنه أول أمس سألها عني .
كنت تعرفت إلى " أبو زياد " في مقهى البرلمان وكان يحدثني عن أهلي ، فقد عرفهم في يافا التي هاجر منها في العام ١٩٤٨ وغدا لاجئا في نابلس .
سألت فداء عن عمر جدها فأجابت أنه في الثمانين ، ولما أعدت السؤال ، فهو أكبر ، أخبرتني أنه في الخامسة والثمانين ، وهذا معقول أكثر ، فقد كان ذاكرة يافاوية بامتياز - يعني كان عمره عام الخروج خمسة عشر عاما على الأقل .
عائلة الشبيري عائلة يافاوية معروفة من خلال أشهر ملاكم يافاوي كنا نحفظ اسمه في طفولتنا ، بل ورأيناه ، وهو نعيم الشبيري .
وأنا أقرأ الخبر سألت فداء عن الجنازة والدفن والعزاء ، وكنت كتبت ، من قبل ، عن دفن شهيد الكورونا الثاني وهو من طولكرم وعن اقتصار الجنازة على عشرة أشخاص ، وعندما توفي صديق لي من مخيم عسكر لم أذهب إلى بيت الأجر ، فلم يقم أصلا .
أجابتني فداء بأن جدها دفن وأن بيت الأجر في بيته في نابلس الجديدة ، ولما سألتها عن عدد الذين شاركوا في الجنازة أخبرتني بأنهم لم يقلوا عن ١٧٠ وهم الأخوال والأعمام والأحفاد ، فالأسرة ممتدة .
كان الدافع إلى سؤالي هو معرفة إن كان الناس يلتزمون بتعليمات المسؤولين أم لا ، ومنذ أسبوع تقريبا آثر الناس اتباع سياسة القطيع عموما وصاروا يخرجون ويمشون في الأسواق غير ملتزمين بسياسة الحجر الصحي .
إحصائيات المصابين بالست كورونا فاقت ال ٣ ملايين والموتى زادوا على ال ٣٠٠ ألف ، وهذه الأعداد في عالم ال ٧ مليارات وأكثر قد لا تذكر ، ومع ذلك فهي قد تبعث الرعب في نفوس كثيرين وإن كانت تسعد قليلين ممن ينشدون تقليل عدد سكان المعمورة بحيث لا يتجاوز المليارين .
على الرغم من أن الست كورونا فرضت نظام منع تجول على العالم كله تقريبا - هذا ليس جديدا على الفلسطينيين - إلا أننا لم نشهد بعد ما شهده العالم في القرون التي انتشر فيها وباء الطاعون أو جائحة الانفلونزا الإسبانية .
في " الديكاميرون " وفي " يوميات سنة الطاعون " تشغل الكتابة عن الموتى ودفنهم حيزا لافتا ، ويقرأ المرء فقرات تبعث الرعب في النفوس . خذوا الفقرة الآتية من " الديكاميرون " :
" ونادرا ما كانت جثامين الموتى تنقل إلى الكنيسة وبرفقتها أكثر من عشرة أو اثني عشر من المرافقين ، ولا يكون هؤلاء من المحبين أو من المواطنين البارزين ، وإنما صنف من الرعاع ذوي المكانة الوضيعة ، ممن أطلقوا على أنفسهم تسمية " الحمالين " ، يؤتى بهم من بين أشد الناس خسة. وكانوا يتلقون أجرا مقابل خدمتهم في حمل النعش ، ونقله بخطوات متعجلة ، ليس إلى الكنيسة التي اختارها الميت وهو حي ، وإنما إلى أقرب الكنائس في معظم الأحيان ، ويمضي وراءهم بشموع قليلة ، أربعة أو ستة رهبان يعمدون ، بمساعدة الحمالين ، دون أن يزعجوا أنفسهم بصلوات طويلة ومهيبة ، إلى وضع التابوت في أول مدفن فارغ يصادفونه ، أما دفن الفقراء ، وكثير من متوسطي الحال ، فكان أشد بؤسا بكثير ، لأن معظمهم يستبقون في بيوتهم ، بدافع الأمل أو البؤس ، فينقلون الداء إلى مئات من جيرانهم كل يوم ... "
وما سبق يذكر بمثلنا الشعبي " موت الفقير و .. " ومرة كتبت قصة عنوانها " هكذا إذن يا فاطمة " استوحيتها من جنازة المرحوم ظافر المصري وجنازة المرحوم أبو دراع مختار مخيم بلاطة .
هل تتذكرون قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود " الحمال الميت "؟
" والناس - مذ كانوا - ذوو قسوة
وليس للبائس فيهم نصيب " .
رحم الله " أبو زياد " ورحم الله يافا أيضا .
صباح الخير
خربشات
٥ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا واللاجيء الفلسطيني في لبنان ٧٣ :

لم تحل الست كورونا دون استمرار سياسة اضطهاد اللاجئين الفلسطينيين ، فلم توحد البشر لمواجهتها ، ويبدو أن ما يعمم من أن الفايروس هو ثمرة جهد يد بشرية صحيح ، وأن من كان وراء انتشاره يرمي إلى التخلص من خمسة مليارات من البشر غالبيتهم ستكون من الفقراء ، يبدو أنه صحيح .
كان الله في عون اللاجئين الفلسطينيين الذين عانوا منذ عام النكبة معاناة كبيرة.
أنا لاجيء فلسطيني وكنت كتبت مرة قصة قصيرة أوردت فيها عبارة نسبت إلى رئيس بلدية تسيء إلى اللاجئين " اسقي الماء لحمير الحجارة ولا اسقيه للاجئين " ولم أسمع العبارة شخصيا من فم رئيس البلدية ، ولكني سمعتها منسوبة إليه .
في طفولتنا لطالما كنا نكرر عبارات تفصح عن بؤس معاملة غير اللاجيء اللاجيء " حا .. حا .. وجهك وجه لاجيء " كان المواطن يخاطب حماره ، ورحم الله " أبو محمد العفن من قرية عسكر حيث كان يمنعنا من نهل الماء من نبع قريته .
التعميم الذي أصدرته سفارة لبنان لدى دولة الإمارات العربية المتحدة أعادني إلى تلك الأيام ؛ أيام الطفولة ، والتعميم بالأصل صادر عن المديرية العامة للأمن العام اللبناني وبموجبه لا يسمح بالعودة إلى لبنان على متن طائرات الإجلاء للأشخاص من التابعية الفلسطينية اللاجئة في لبنان من حملة الوثيقة اللبنانية أو حملة جواز السفر الفلسطيني .
في قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " يتجرأ الكل على الفلسطيني ، وحتى الفئران تتجرأ على أموال اللاجيء فترتع وتسمن من مخازن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين .
" وجهك وجه لاجيء " وإلى أين يذهب الفلسطيني اللاجيء .
من جديد أعاد بعض الأصدقاء تعميم قصيدة عنوانها " وبتقولوا كورونا منين ؟ " وفيها يعزو صاحبها الفايروس ونشأته إلى الظلم ، وفي طاعون ١٣٤٨ في فلورنسة عزا الناس الطاعون إلى غضب السماء على البشر لقسوتهم على بعضهم البعض " فمن طريق كائنات سماوية ، أو بسبب أعمالنا الجائرة ، أصاب غضب الرب العادل البشر الفانين بهذا الوباء "
الأجواء اليوم كانت ماطرة ، وفي أيار ٢٠٠٢ عام الاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية هطلت الأمطار أيضا . الأمطار تهطل في الاجتياح وها هي تمطر في الجائحة وكله زي بعضه : الاحتلال والفايروس .
صباح الخير
خربشات
٦ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا و أجواء المدينة أمس وأول أمس ٧٤ :

حالة الطقس أمس وأول امس ذكرتني بحالة الطقس في عام اجتياح القوات الإسرائيلية نابلس في العام ٢٠٠٢ .
في أيار ٢٠٠٢ أمطرت السماء مطرا غزيرا فنظفت شوارع نابلس من آثار الدمار الذي ألحقه الاجتياح بها ، ولم يقتصر الاجتياح يومها على استخدام المشاة والدبابات ، فقد دمرت الطائرات الإسرائيلية بعض المباني في البلدة القديمة ، وصارت بعض الصبانات مواقف سيارات ، وكلما مررت بالمكان تذكرت وحشية العدوان .
في آيار ٢٠٠٢ أمطرت مطرا غزيرا غسل شوارع نابلس المغبرة ، ويومها خرجت النسوة والرجال من بقايا اليساريين في مظاهرة سرت فيها ، ومن وحيها كتبت قصتي القصيرة " هن .. هن " . وأمس وأول أمس أمطرت أيضا ، فهل سيغسل المطر آثار الست كورونا ويبيدها . عسى ولعل ، وإن كانت قصة الفايروس محيرة !!
كانت أجواء نابلس أمس وأول أمس أجواء شبه عادية ، كما لو أن أيام الجائحة ولت ، وكما لو أن المطر كان يؤذن بهذا ، ولولا وضع بعض المواطنين كمامات ، ولولا ارتداء الباعة الكفوف ، ولولا أن سائقي الحافلات لا يقلون إلا ثلاثة ركاب ، لا أربعة ، ولولا ارتفاع الأجرة تعويضا عن عدم اكتمال عدد الركاب ، لصارت الست كورونا من عداد الماضي .
أسواق المدينة في اليومين الماضيين كانت مزدحمة ومزدهرة ، وكانت الابتسامات تعلو وجوه السائقين فقد عادت المياه إلى مجاريها وعادت الغلة وفيرة إلى حد ما .
هل قضى الطب الشعبي على الفايروس ؟
آخر علاج مصري للقضاء على الكورونا أخبرنا عنه مواطن مصري يتحدث بثقة وجدية واضحة . إن أفضل علاج للكورونا والتخلص منها يكمن في عصير البرسيم . هل المثل " طور الله - ثور الله في برسيمه " مثل مصري ؟
المحامي ماهر فتحي بسطامي أرسل إلي من يومين شريط فيديو عن اللقاح الذي لا بد من أخذه وإلا ...
اللقاح هو الشريحة 666 وال ID 2020 ، وفي الأسابيع الأخيرة جاء وعد الله ، ووعد الله حق وما كان افتراضا سيغدو حقيقة ، وكما كتبت ، من قبل ، عن الملاكين في المعتقد الديني ، حيث يحصيان علينا حركاتنا وأنفاسنا وما يجول في خاطرنا ، فإن الشريحة 666 ستصبح ملاكي ( بيل غيتس ) و آل ( روكفلر ) والحكومة العالمية القادمة .
شخصيا أعاني من ثلاثين عاما وعام من ملاحقة يومية ومن تفتيش منزلي في غيابي وتتبع أخباري وإحصاء أنفاسي ورصد كلامي ( ما ينطق من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ، ولقد تعبت وأتعبت ولم تأخذ أجهزة السلطة ورقابة الأهل والجيران والطلاب ومن وراءهم مني ، لا حقا ولا باطل ، وهم في كل يوم برأي مختلف ، وهو ما عبرت عنه في نص " ليل الضفة الطويل " ، فهل ستريحهم الشريحة 666 وتقلل من حيرتهم ؟
شريحة بحجم حبة الأرز ستحل محل " العثة " في بلد العسكر ، والعالم كله سيغدو عالم عسكر والديموقراطية ستصبح من عالم الماضي على رأي الاقتصادي طلال أبو غزالة ، ولا يبقى على ما هو إلا هو والرفيق نايف حواتمة . ستنتهي الديموقراطية والجبهة الديمقراطية ولن يخلد إلا الأمين العام الرفيق " أبو النوف " .
صباح الخير
خربشات
٧ آيار ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا وسياسة القطيع في نابلس ٧٥ :

أمس عادت باصات النقل العام لتقل الركاب . لم أصعد في الباص منذ بدأ الحجر الصحي في نهاية آذار ، فلم يعد يسمح للباصات بنقل الركاب .
سألت السائق عن الأجرة فأجابني إنها أصبحت ثلاثة شواكل ، وكانت من قبل شيكلين ، واشترط السائق على الركاب أن يجلس كل واحد في مقعد خاص ، فلا يجوز أن يجلس راكبان في مقعد واحد .
النقل العام في الباصات يعني الموافقة على اتباع سياسة القطيع في مواجهة الست كورونا ، ولم تكن المدينة لتقول غير ذلك ، فقد سمح لأهل القرى بدخول المدينة والتبضع منها ، والمدينة أمس وأول أمس عادت تماما إلى ما كانت عليه قبل فرض الحجر الصحي والفارق الوحيد يكمن في رؤية مواطنين يشكلون نسبة لا بأس بها يضعون الكمامات على أفواههم وأنوفهم .
تسكعت قليلا من الوقت ومررت لأزجي " أبو هيثم " السلام واستمع إلى لسانه الذي ينقط عسلا ، إذ منه أسمع شتائم ومفردات نابلسية ولبنانية نادرا ما أسمعها من غيره ، وواقعنا كما يقول مظفر النواب وهو يقرأ قصيدته " في الحانة القديمة " واقع بذيء أبذأ من المفردات كلها .
وأنا أقري " أبو هيثم " السلام مر بائع اللبن الريفي وعرض لبن النعاج ، فسأله " أبو هيثم " عن سعر العلبة .
- ثمانية شواكل .
- إنني اشتريها من جاري الذي تبيعه أنت بستة شواكل . هل تبيعها بسبعة ؟
وناوله البائع علبة ، وأنا ابتسمت ، فلماذا لم يشتر " أبو هيثم " العلبة من جاره بستة شواكل واشتراها من البائع بسبعة ؟ وكيف لم يلتفت البائع إلى الأمر ؟ هل أراد أن يبيع بضاعته ويعود إلى قريته ؟
من يومين استلم الموظفون رواتبهم ولذلك كانت الأسواق مزدهرة . هل يعود الأمر إلى استلام الرواتب أم إلى أن الناس ملت الحجر الصحي وفضلت اتباع سياسة القطيع ؟
أمثالنا تقول " جنة بلا ناس ما بتنداس " و" الموت مع الجماعة رحمة " و " حط راسك بين هالرووس وقول يا قطاع الروس " و" اللي بوكل لحاله بزور " وكانت جارتي أم فادي تكرر المثل بصوت عال حتى خلت أن القصد من وراء قوله هو حثي على الزواج ، وكان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات .
إلى أين ستقودنا الست كورونا ؟
ما أخشاه هو أن يقترح علينا بعض الناس أن حليب التيس هو أفضل علاج للكورونا ، ومرة شاع في منطقة جنين إشاعة تقول إن تيسا في جنين يشفي حليبه من العقم ، وهجم الناس عليه واصطفوا على الدور ، مع أن مثلنا يقول " بنقول تيس بقولوا احلبوه " .
صباح الخير
خربشات
٨ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا ورؤية محمود الهباش ٧٦ :

صحوت أمس الجمعة في السابعة صباحا تنتابني حالة من الكسل قد يكون سببها توقع ما يحدث في يوم " الصيحة " ، وكنت كتبت عنه بعد أن جاءني شريط فيديو يشرح فيه شيخ عما سيحدث في الخامس عشر من رمضان إن جاء يوم جمعة ، علما بأنه جاءني منشور عصرا يقول إن ما بث وأعلن عن اليوم المذكور ليس صحيحا ، وهكذا حمى الله مائتي وعشرة آلاف من العمى والطرش والصمم .
كانت الشمس تشع وكان الجو حارا ، وناداني شباك المطبخ كي أنظفه ، فهو الشباك الوحيد الذي بقي على حاله ، وعندما فعلت شكرني وسبح بحمد الله ، فقد صارت الكورونا بعيدة عنه كل البعد .
ماذا أفعل يوم الجمعة حيث لا أخرج من البيت ؟
أصغيت إلى " يوتيوب " تتحدث فيه ممرضة بريطانية عن سلب الحريات الشخصية في بريطانيا بحجة " الكورونا " وقد قالت كلاما خطيرا ، وكنت أدرجت الشريط على صفحتي ليومين ثم حذفته ، وعقبت عليه ذاهبا إلى أنه أخطر شريط سمعته منذ بداية الحجر الصحي . إنه شريط خطير جدا جدا جدا جدا ، ولأول مرة أكرر كلمة " جدا " وصرت مثل إخواننا المصريين .
تقول الممرضة إن القانون الجديد سيطبق ابتداء من ٢٧ نيسان ٢٠٢٠ وأنه ما إن يشتبه بك على أنك مصاب ، وأنك ستنقل العدوى ، فأنت معرض للاعتقال ، بل إن أسرتك كلها معرضة كذلك ، وكذلك أشياؤك كلها من الأثاث إلى السيارة إلى المنزل ، ويحق للدولة أن تصادر هذه كلها ، ويحق لها هدم المنزل ولا يحق لك الاعتراض ، والوحيد الذي يبت في الأمر هو القاضي ، ويطبق القانون على الجميع باستثناء الأسرة المالكة وجلالة الملكة ، وإذا ما رفضت أخذ اللقاح فستغرم ٥٠٠٠ جنيه وكلما تأخرت في الدفع دفعت غرامة مالية . لا حريات شخصية فالدولة مسؤولة عن صحتك ، وقولوا إن العرب لم يكونوا سباقين وإن الحاكم العربي كان متخلفا حين كان يرى المواطنين رعايا له وجزءا من ممتلكاته .
العالم فاض بالبشر وامتلأ وثانية أكتب سطر مظفر النواب " والبلاد إذا سمنت وارمة " .
انتهى يوم الجمعة ولم تكن هناك صيحة ، ولكن كان هناك ما هو أطرف ، وهو ما عمم عن رؤية رآها السيد محمود الهباش وزير الأوقاف الفلسطيني السابق في السلطة الفلسطينية .
أحد الأصدقاء حول إلي صورة للسيد الهباش أعلاها كتابة عن رؤية رآها ، فماذا رأى الوزير السابق على ذمة ما وصلني ؟
رأى الهباش أنه رأى في المنام رجلا أبيض الشعر يرتدي دشداشة بيضاء ويسير في بستان ، وقد أخبر هذا الرجل الهباش بأن الكورونا ستنتهي قريبا . من هو هذا الرجل الذي رآه الرائي ؟ إنه أيوب الفلسطيني الرئيس محمود عباس .
شباك المطبخ ، وهو شباك المطبخ والصالون معا ، إذ فتحت الصالون على المطبخ على النظام الأميركي ، شاف أيضا شوفة . شاف وجه ربه ، ولذلك بشرني بأن الكورونا ابتعدت عنه كثيرا . ومقالي يوم الأحد القادم عن الفلسطيني معشوقا . اللهم ارزقني أنا والرئيس محمود عباس ، في الجنة ، ومعنا السيد محمود الهباش ، سبعين حورية ، ورحم الله حورية أم محمود درويش . هل تذكرون قصيدة " تعاليم حورية " ؟
و
" اشتدي أزمة تنفرجي
قد أذن ليلك بالبلج " .
إنها رؤية الهباش كما عمم ، ولست متأكدا إن كانت الرؤية صحيحة أم أن هناك من انتحل القصة .
صباح الخير
خربشات
٩ / ٥ / ٢٠٢٠

***

- الست كورونا وغضب ( هتلر ) على سائق المفرق ٧٧ :

الشوارع في نابلس مكتظة بالمواطنين وما عاد هناك أثر لما كان ، فكأن الحجر الصحي كان حلما لولا بقايا كمامات يضعها أفراد قليلون على أفواههم وأنوفهم ، واليوم تحدثت عن جبرا ابراهيم جبرا لفيلم تنتجه سوسن قاعود لفضائية " الجزيرة " وانتهى الحديث بإقراري أنني لا أمانع من أن يبث الفيلم على شاشة " الجزيرة " .
سرت في الرابعة في وسط البلد وفي خان الوكالة فشارع النصر في البلدة القديمة ، ورأيت الناس زرافات ووحدانا . الأماكن تعج بالمواطنين والفلافل المحشو والعوامة وأصابع زينب والفطير والكنافة على قفا " مين يشيل " ، ولم تكن الحياة في مشافي الولايات المتحدة الأميركية تقول لنا ما تقوله الشوارع في نابلس ، وهذا عزز مقولة أخذ الناس يكررونها وهي أن الشعب العربي محصن من خلال عصير البرسيم والشلولو وحبة البركة وبول البعير واليانسون والدكتور كمون ضد الكورونا ، أو أن الكورونا تخاف من العرب ، فما جادل جاهل عالما إلا غلبه ، وما صارع انسان خنزيرا إلا توسخ به واستمتع الخنزير بالمصارعة .
شريط الفيديو الذي أرسله إلي الدكتور Kareem Khashan
قال إن الوضع في المشافي في نيوجرسي ونيويورك مأساوي .
الدكتورة فائزة / فايزة عوض تعمل في مشاف عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية . لقد تكلمت بلهجة فلسطينية ثقيلة قريبة من لهجة بعض قرى رام لله والقدس ، تختلط بلغة انجليزية راقية ، فحيثما أعياها الحديث بالعربية تكلمت بطلاقة بالانجليزية وأظهرت للوضع الصحي في أميركا ، بخصوص الكورونا ، صورة سلبية جدا ذكرتني بالصورة التي كانت عليها فلورنسة ولندن في " الديكاميرون " و " يوميات سنة الطاعون " ، وكنت كتبت أن ما نمر به لا يكاد يذكر قياسا إلى ما مر به أهل هاتين المدينتين في العصور السابقة حين ألم الطاعون بهما .
الصورة قاتمة ، فلماذا كانت نابلس اليوم مزدهرة ومكتظة شوارعها ؟
الفوهرر ( ادولف هتلر ) غضبان من سائق الشاحنة في المفرق ، ويبدو أن السخرية من بعض الأنظمة وبعض الرموز ، بل ومن الذات القومية ، لاقت في الست كورونا لحظتها المناسبة ومجالها الخصب .
قبل أسبوع تقريبا ظلت الأردن تصرح بخلوها من إصابات في الكورونا ، ففرح الناس واطمأنوا ودعا سائق المفرق أصدقاءه إلى وليمة ، و " أجت الحزينة تفرح ما لقيت مطرح " وتراجع الرقم صفر وأعلنت الأردن عن تسجيل إصابات جديدة عديدة .
أحد الساخرين دبلج مشهدا من فيلم عن ( ادولف هتلر ) يجتمع فيه بمستشاريه ويعلن عن غضبه لما آلت إليه الأوضاع في الجبهة في سنة الحرب الأخيرة .
كان هتلر غاضبا من سائق المفرق ، فقد أفسد الجهود التي قام بها رئيس الوزراء الأردني في مكافحة الكورونا لتجعل من الأردن دولة عظمى ، وما عادت " لندن مربط خيولنا " . صرنا مسخرة ، كما قال ( هتلر ) وازداد الأمر سوءا حين لاحظ ارتباك المترجم ، فجاءت ترجمته ضعيفة ركيكة ، وبذلك أساء لأصدقائه العرب وعلى رأسهم الحاج أمين الحسيني .
اللهم انصر ( هتلر ) في قبره على ( تشرشل ) و ( ديغول ) .
صباح الخير
خربشات
١٠ / ٥ / ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا وإجراءات السفر الجديدة في الطائرات ٧٨:

كنا نؤرخ بما قبل الميلاد وما بعده ، ويبدو أننا سنؤرخ ، إلى حين ، بما قبل الكورونا وما بعدها.
الصديق Ziad Ameireh أرسل إلي شريط فيديو عن موقع " الحدث " تشرح فيه شابة جميلة أنيقة ، ترتدي ملابس ذات لون أحمر ، إجراءات السفر المنوي تطبيقها في المطارات ، وستكون الإجراءات مرهقة ومعقدة ، فهي تحتاج إلى جواز سفر مناعي ضد فايروس كوفيد ١٩ ، وسيخضع المسافر ، منذ وصوله إلى المطار حتى إقلاع الطائرة ، إلى سلسلة من الإجراءات والفحوصات ، ومثله أمتعته ، ما يعني لي شخصيا أنني قد لا أطير إطلاقا ، تجنبا لوجع الرأس ، وتلافيا لاستثارة ذكريات السفر عبر الجسور قبل العام ١٩٩٣ ، وهي ذكريات مرة ومريرة ، فقد كنا نخضع لتفتيش يدوي وآخر بأجهزة الكترونية تمرر على أجسادنا وعلى المناطق الحساسة فيها ، بعد أن ننزع ملابسنا كلها إلا " الكلسون " ، وقد أشيع يومها أن تكرار فحص " عدة الرجل " قد يصيبه بالعقم .
والصحيح أن ما سيجري من تفتيشات يذكر بشبيهاتها في عصور سابقة كتب الأدباء عنها في نصوصهم .
في " الديكاميرون " مثلا ، عندما تفشى وباء الطاعون في مدينة ( فلورنسة ) كانت الدمامل تتفشى في جسم المصاب ، وأحيانا تتفشى في مناطق حساسة جدا ، ما يستدعي المعالجة ، وبعض النسوة كن يشعرن بالخجل من عرض تلك المناطق على الممرضين أو المعالجين ، فماذا لو شفين والتقين بمن عالجهن ؟
" فقد جرت أمور لم يسبق لها مثيل ؛ فلم تعد المرأة ، مهما كانت مهيبة وجميلة ونبيلة ، تجد حرجا ، حين تمرض ، من الاستعانة بخادم رجل ، شاب أو غير شاب ، ومن أن تعرض عليه دون خجل أجزاء من جسمها ، كأنها تعرضها على امرأة أخرى ، إذا اقتضت ضرورات المرض ذلك ، مما ألحق العار في ما بعد بمن شفين منهن " .
وهو ما فعله ، في رواية ( فولتير ) " كنديد " القراصنة بالنساء في عرض البحر إذا ما استولوا على سفينة ما ، فقد روت عجوز ما حدث معها على النحو الآتي :
" ومن الأمور التي تثير العجب سرعة تعرية هؤلاء السادة للناس ولكن أكثر ما أدهشني هو إدخالهم إصبعا إلى مكان فينا جميعا لم نكن ، نحن النساء ، لندع شيئا يدس فيه غير أنابيب المحقنة " - قبل حلقات كتبت عن مؤخرات الطليانيات والصليب - .
في رواية اميل حبيبي " المتشائل " يذكر بطلها سعيد ما تفعله السلطات الإسرائيلية بالمواطنين العرب جوا وبحرا وبرا في مطار اللد وفي ميناء حيفا وفوق الجسور المفتوحة . وبعد أن ينتهي سعيد من قص هذه الحكايات على صاحبه الفضائي يقول الأخير مستريحا :
" فهل تقول - بشدة على الواو وضمة - صاحبك عليه ، بأنه قلد كنديد ، يعود إلى أنهم حين كانوا يعرونهم كانوا يدخلون أصابعهم هناك ؟" .
عندنا مثل يقول " طول عمرك يا زبيبة بطيزك هالعود " .
هل ستنجح الحكومات العالمية في تطبيق إجراءاتها ؟
أمس شاهدت شريط فيديو من مدينة ( ميونيخ ) الألمانية يتظاهر فيه المواطنون ضد التلقيح الإجباري " Kein Impfzwang "
" ، والدكتور Nabil Bushnaq عقب مرة على منشور لي بأنه يراهن على الشباب الأوروبي في إفشال اللقاح الإجباري ، معتمدا على ما حدث في أوروبا في نهاية ستينيات القرن العشرين ، حيث احتجاجات الطلبة الشهيرة التي رضخت لها حكومات الدول الأوروبية . من منكم يتذكر منظر تلك الحقبة ؟
نحن الفلسطينيون اعتدنا وصرنا مثل زبيبة ، فما جرى في آذار من حجر صحي عشنا أقسى منه في ربيع ٢٠٠٢ ؛ ربيع الاجتياح ، وتجربتنا على الجسور ما بين ١٩٦٧ و ١٩٩٣ تقول لنا إن الإجراءات الجديدة لا تذكر قياسا لإجراءات دولة إسرائيل من قبل، على الجسور .
صباح الخير
خربشات
١١ آيار ٢٠٢٠ .

***

الست كورونا : هل انتهى الحجر الصحي ؟ ٧٩ :

الأوضاع في نابلس ، اليوم ، تبدو عادية وكأن الحجر الصحي والكورونا صارا ذكريات ، لولا مشاهدتي ، من نافذة غرفتي ، في شقتي قرب مدرسة عادل زعيتر ، جنازة ميت .
لا أعرف من هو الميت ، وأول أمس وقبل يومين عرفت وقرأت عن بعض الجنازات . أخبرتني فداء نزار زوربا عن جنازة جدها أبو زياد ، وقد كتبت عنها ، وأول أمس قرأت ما كتبه Samer Kawa عن جنازة قريب له وذهب إلى أن الجنازة كانت جنازة " كورونية " فلا تأبين ولا تسليم ولا بيت عزاء ، وثمة تباعد جسماني ، وعظم الله أجركم وشكر الله سعيكم ورحم الله ميتكم .
تساوت جنازة الفقير وجنازة الغني ولم تعد تكاليف العزاء تثقل على أهل الميت ومعارفهم ، ومع أن الجنازة والدفن بهذه الطريقة لم يروقا لسامر ، إلا أن التخلص من تبعات الجنازة أمر جيد ، وكان مطلبا لدى أكثر الناس ، بخاصة الفقراء ، وهم كثرة . هل ستنشأ عادات جديدة لتقاليد وطقوس الدفن والعزاء وبيوت الأجر ، فلا تعود مرهقة لأهل الفقيد ؟
أعود إلى " الديكاميرون " للمرة الخامسة أو السادسة .
ورد في المقدمة الآتي عن تغير سلوك الناس في عادات الموت :
" وبصورة شبه اضطرارية ، نشأت بين المواطنين المتبقين على قيد الحياة عادات مخالفة لعاداتهم السابقة المعهودة ، ففي السابق ، كان من عادة نساء الجيران والأقارب ، مثلما هي الحال اليوم ، أن يجتمعن في بيت من يتوفى ، ويبكينه هناك مع ذويه الأقربين ، بينما يجتمع أمام بيت الميت جيرانه وجمع كبير من رجال المدينة مع ذويه وأقربائه ، وبعد ذلك يأتي رجال الدين ، حسب مكانة الميت الاجتماعية ، ويحمل من هناك على الأكتاف ، في موكب جنائزي مهيب تتخلله التراتيل والشموع ، وينتقل إلى الكنيسة التي يكون الميت قد اختارها قبل موته ، ولكن هذه الأمور توقفت ، كلها أو بعضها ، منذ أن بدأ الوباء يستفحل ، وحلت محلها عادات جديدة ، فلم يعد الناس يموتون دون أن تحيط بهم النساء وحسب ، وإنما يموتون دون شهود ، وقلة هم الذين ينتقلون من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى ، ويجدون من يتحسر على فقدانهم أو يبكيهم بمرارة ... " .
عندما كتب اميل حبيبي " المتشائل " كتب أشياء شبيهة بما كتبه ( فولتير ) في " كنديد " ، وكان بينهما مائتا عام ، فسخر كارهو اميل منه بأنه كرر ( فولتير ) فما كان منه إلا أن رد عليهم في جزء لاحق بأنه ليس الملوم ، والملوم هي الحياة التي تتكرر أحيانا بعض أحداثها .
صباح الخير
خربشات
١٢ / ٥ / ٢٠٢٠

***

الست كورونا : سبحوا بحمدي أيها البشر ٨٠ :

عاتبتني الست كورونا ذاهبة إلى أنني ظلمتها ، حين قرنت سيرتها بالموت والرعب والسرقات والتباعد الجسدي والمؤامرات وإفناء البشر وعدم فتح بيوت أجر و.. و .. ولم أتوقف مطولا أمام إيجابياتها ، وقالت لي إنه غاب عن ذهني أشرطة عديدة لمحبيها وعشاقها ، ممن رأوا فيها ناطقة باسم الفقراء والمظلومين والشعوب الفقيرة والمضطهدة ، فقد جاءت لتنصفهم ولتنتقم لهم من أميركا والدول الكبرى التي بغت وظلمت واستبدت واستغلت . كأنما لسان حالها وهي تخاطبني " ويلي عليك وويلي منك يا رجل " .
قالت لي الست كورونا متسائلة :
- ألا تتذكر شريط ذلك الرجل العراقي وهو في الكعبة يطوف ويدعو ربه أن ينتقم له من أميركا التي قتلت زوجته وأبناءه في حربها على العراق ، ولم تبق من عائلته أحدا ؟
وسألتني أيضا إن لم أكن سمعت شريط " وبثقولوا كورونا منين ؟!" وفيه يعدد المتحدث ما يراه شرورا كبيرة وعظيمة جاءت كورونا لتنتقم بسببها .
والحقيقة أن قسما من الناس ، ممن لم ترق لهم الحياة وبعض مظاهرها ، رأوا في الجائحة عقابا ربانيا وانتقاما ، وهو ، كما ذكرت من قبل ، ما رآه بعض أهل ( فلورنسة ) في الطاعون الذي ألم بمدينتهم .
أول أمس أرسل إلي الصديق هشام الزعبي شريطا لرجل يتحدث بالانجليزية مع طفله عن عالم ما قبل الكورونا وعالم ما بعدها وأنها جاءت لتعيد أشياء كثيرة ، افتقدناها في العقود الأخيرة ، منها مثلا تفكك العائلة وفقدانها الأجواء الحميمة وانشغال كل فرد من أفرادها بجهازه وحياته الخاصة و .. و .. أنها جاءت لتعيدها وتعيد الكون إلى توازنه .
وأنا أصغي إلى الشريط تذكرت الأستاذ الدكتور محمود ابراهيم - رحمه الله - وما قاله لي ولزملائي في بعض محاضراته عن الحياة المادية في الغرب .
كان الأستاذ ذا توجه إسلامي ، وكان درس في لندن في ستينيات القرن العشرين ، والتفت إلى بحث بعض الغربيين عن حياة روحية يفتقدونها في عالمهم الرأسمالي الموغل في قسوته ووحشيته ، العالم الذي يسعى فيه الأوروبيون إلى المادة ويجرون وراءها حتى نسوا الله وتوقف الدكتور أمام الآية ( ألهاكم التكاثر ، حتى زرتم المقابر ) . وإن لم تخني الذاكرة فإن الآية هذه دفعت مستشرقا للإسلام .
أكثر أشرطة الفيديو التي تكلم فيها متدينون كان المتكلمون فيها يرون في الست كورونا نعمة و ..
أمس أرسل إلي صديق شريط فيديو يصور موقف صهيوني من فلسطيني وابنه يصليان في الشارع . لم يرق المنظر للصهيوني فترك كلبه يهاجمهما وظل الكلب يعوي ويصرخ وواصل الفلسطينيان صلاتهما ، فكف الكلب عن النباح وتمدد على الأرض ساجدا . وأنا أرسلت الشريط إلى أصدقاء منهم العلماني ومنهم المتدين ولفت نظري تعقيب كل منهما على الشريط . كتب العلماني " ههههههه ، أعز الله الإسلام والمسلمين بهذا المسلم الجديد " ، وكتب المتدين " ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض " ، وهكذا هو الموقف من الست كورونا . فهل الست كورونا ملومة حين تعاتبني ، ويبدو أن الكتابة عن الست كورونا أوشكت على نهايتها فقد أخذت الحياة تعود إلى مجراها . يبدو !!
صباح الخير
خربشات
١٣ أيار ٢٠٢٠

***

الست كورونا : " وبتقولوا كورونا منين " ٨١ :

بدلا من أن تعطي مفاتيح بيتك لأخيك وأبناء أخيك ليحرسوه في غيابك ويحافظوا على أثاثه ، صار لزاما عليك أن تحميه من اخوتك وأبنائهم وتلاحظ ماذا ألم بأشيائه في أثناء غيابك . ماذا سيفعلون في فترة الحجر الصحي ؟ لا بد من أن يشغلوا أنفسهم بشيء .
عندما قرأت قصة زكريا تامر " الجريمة " وتتبعت فيها موقف والد سليمان الحلبي ووالدته وأخته من ابنهم المعتقل ، فقد تنصلوا من علاقتهم به ، قلت إن زكريا تامر يبالغ في الأمر وأنه كتب القصة متأثرا ب ( فرانز كافكا ) وأدبه الأسود المتشائم ، وأن أجواء القصة غريبة عن مجتمعنا . لم تكن تجربتي لتتقبل ما ورد في القصة ، حتى عشت أجواء كابوسية لم يعشها أبطال ( كافكا ) ولم تخطر على باله .
الفضل ، كل الفضل ، للسلطة الفلسطينية وحرص الجارة الأردنية على جيرانها ، والفضل أيضا لحركة المقاومة الإسلامية حماس ، وأما دولة الاحتلال الإسرائيلي فليست الذئب في سورة يوسف .
أحيانا يصبح الخيالي هو الواقعي الأكيد .
هذا الصباح ثمة شهداء وجرحى وثمة اشتباكات في قرية بيتين - وليس بوتين - وفي يعبد مقتل جندي إسرائيلي بحجر . هل سنصغي اليوم إلى قصيدة محمود درويش " عابرون في كلام عابر " ؟
لا إصابات في الكورونا في فلسطين لليوم الخامس ، والإصابات كانت بسبب الاشتباكات مع جنود الاحتلال ، واحترنا يا مصائب من أين تأتينا ، و" احترنا يا قرعة منين نبوسك " .
الكورونا خرجت من فلسطين وازدادت في دولة الاحتلال وفي فرنسا ، وموت ٢٩٢ ألف بالفايروس ، في العالم ، وارتفاع عدد المصابين إلى أكثر من ٤ ملايين .
هل ستضم إسرائيل الضفة وتشتعل انتفاضة ثالثة .
صباح الخير
خربشات
١٣ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا : " كل دا كان ليه " ٨٢ :

كدت أتوقف عن الكتابة عن الكورونا ، كما لمحت إلى ذلك في الحلقة ٨٠ ، ولكن تعقيب سيدة علمتها في العام ١٩٨٢ / ١٩٨٣ وإرسالها لي نصا كتبته ابنتها الصغيرة البالغة ١٧ عاما ، وتجاذبي معها أطراف الكتابة ، كل هذا جعلني أكتب من جديد .
السيدة التي سألتها عن أسرتها وأحوالها سألتني بدورها عن أحوالي الأسرية ، وعندما أخبرتها أنني وحيد منذ زمن رغبت في معرفة المزيد - إن لم يكن ذلك تدخلا في خصوصياتي ، فهي تحترم الخصوصية .
هل بقي لنا ثمة خصوصية أصلا ؟ وإذا ما كانت الكورونا - في فرنسا قررت الأكاديمية الفرنسية أن الكورونا مؤنث - لعبة القصد من ورائها تعميم اللقاح في زمن ال 5G وزرع شريحة تحصي علينا أنفاسنا ، كأنها ملاكا الله المزروعان معنا منذ ولادتنا ، فهل سيبقى لكلمة خصوصية أي معنى ؟ ولمعلوماتكم فإن الأمن الوقائي يعرف تفاصيل حياتي ما ظهر منها وما بطن وما لم يظهر وما لم يبطن .
أيام الاحتلال الإسرائيلي عندما تفننت إسرائيل في فرض الضرائب عقب أستاذ فلسطيني قائلا :
- لم يبق على الدولة إلا أن تركب عدادا في غرف نومنا لندفع لها ضرائب على نومنا مع نسائنا .
حقا هل بقي ثمة خصوصية ؟
في سيارة المكتب كان المسؤول يوجه السائقين ويمدهم بالمعلومات عن حركة الركاب ، ومما أخبر به السائق الذي يقلني أن قوات الأمن منعت السيارات القادمة من طمون من دخول المدينة ، ولكنها سمحت للركاب ، ففرح السائق قائلا :
- الحمد لله يعني اليوم في شغل .
ونصحه المسؤول في المكتب أن يقف عصرا قرب المجمع الشرقي ، فسيضطر أهل طمون إلى العودة بسيارات المكاتب ، ومصائب الكورونا لدى بعض الناس فوائد .
أطرف شريط فيديو شاهدته اليوم أرسلته لي الزميلة Wafa Abushmais الروائية ومدرسة اللغة الانجليزية في جامعة النجاح الوطنية ، ويصور طلاب المدارس في الصين يعودون إلى مدارسهم . وكل شيء خاضع للتعقيم بدقة متناهية ، لدرجة أن بعض الأصدقاء الذين حولت لهم الشريط عقب بكلمات مثل " مذهل " و " لا يصدق " .
ابن أختي Anwar Mazen سألني عما رأى وقال إنهم متقدمون فكتبت له :
- إن تقدمهم لا يذكر أمام تقدمنا .
قبض ابن أختي الكلام على محمله الجاد الظاهر وطلب مني أن أزور الصين لأرى ، وكان زار الصين غير مرة . وهنا اضطررت لأن أكتب له إن كنابتي هي من باب السخرية ، وعقبت :
- هم أنجزوا ونحن نستهلك .
في الحلقة ٨٠ كتبت عن الإسرائيلي الذي سلط كلبه على فلسطيني وابنه يصليان فلم يهتما ودهش الكلب فسجد لله . السيد Alla Juma وقد أنجز الدكتوراه قبل عامين أو أكثر قليلا من ألمانيا وما زال هناك ودعاني قبل عامين لزيارته والإقامة في شقته ، طلب مني أن أحول له شريط الكلب ففعلت ، وعندما شاهده أعلمني أن الشريط مفبرك " ممنتج " .
الست كورونا جعلت مخزون الإيمان لدى كثيرين يفيض حتى أن الرئيس ترامب احتاج إلى من يبخره كي لا تصيبه عين فيصاب بالكورونا وعقبال ما يطلب يشرب بطاسة الرعبة .
صباح الخير
خربشات
١٤ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا : السلحفاة والخوف من الكورونا وما أدراك ٨٣ :

قبل خمسة أيام تقريبا عدت إلى البيت فلاحظت بنات ابن أخي يلاعبن سلحفاتين كان لونهما يميل إلى البني الغامق ، كما لو اكتسبتاه من الطين ، ما أثار اشمئزازي وخوفي وجعلني أشعر بعدم الرضا ، فالكورونا ، كما تردد ، قد تأتي من الحيوانات .
حملت السلحفاتين وأردت وضعهما في حاوية القمامة ، وهذا أغضب البنات ، وما إن هممت بإلقائهما حتى عرض أحد الجيران علي أخذهما ولم يأبه لتحذيري من أنهما قد تنقلان عدوى .
وأنا أنظر إلى السلحفاتين وتقوقعهما ابتسمت فقد أوحت لي حركاتهما بفعل جنسي . تمد السلحفاة يدها فتطول ثم سرعان ما تسحبها إن شعرت بالخطر.
ليست حركة اليدين والرجلين فقط ما لفت انتباهي ، فبطء السلحفاة ذكرني بقصص وحكايات مثل حكاية الأرنب والسلحفاة والسباق بينهما وغفوة الأول وتجاوز السلحفاة له . لقد تذكرت قصة طويلة للكاتب التشيكي ( ميلان كونديرا ) هي " البطء " وقد كتب عن البطء في زمن السرعة وحاجة الإنسان إليه . إن الاسترخاء هو ما ينقصنا في زمن السرعة . هل حقق الحجر الصحي لنا قدرا من الاسترخاء ؟ وإن لم تخني الذاكرة فإن طول العضو وقصره وتحقيق اللذة كان فكرة محورية في " البطء " بالإضافة إلى البطء نفسه في الوصول إلى الذروة .
هل ذكرتني حركة يد السلحفاة ب ( توبنغن ) ؟ وهل ذكرتني قصة " البطء " بتلك الأيام والليالي ؟
يبدأ الانسان حياته طفلا ثم يقوى عوده ويشتد ليبدأ تقوس ظهره من جديد ويبدأ بالتلاشي ، ولا يبقى على ما هو إلا هو ، وسبحان محول الديناصور إلى عصفور !! إن اتباع نظرية ( داروين ) يقولون إن الديناصور لم ينقرض بل تحول ، حسب نظرية النشوء والارتقاء ، إلى عصفور . وكل عضو في جسد الإنسان لا يستخدم يضمحل . لاحظوا الفرق بين يد موظف ويد عامل أو ميكانيكي أو بنشرجي !
" المرأة لما تطل بتسبق الكل " مثل فلسطيني سمعته من إحدى طالباتي يوم قررت تدريس رواية نجوى بركات " يا سلام " ، ولما تراجعت سألني الطلاب عن السبب فأجبت بأن الرواية فيها من الكلمات ما قد لا تستسيغونه .
قصة " البطء " فيها بعض مشاهد فاضحة ، وفي الفترة الأخيرة قرأت رواية " النبيذة " للكاتبة العراقية انعام كجه جي ولفت نظري فيها تجربة بطلتها تاج الملوك مع الرجال ومقارنة أعضائهم التناسلية ببعضها :
" تلك الصباحات الفاجرة التي نقلتها من براءة الطفولة إلى دوامة الأنوثة . جرذ قاتم ترك أثره على علاقتها بالرجال . جرذان كثيرة ستنكشف أمام عينيها .تنتعظ بنظرة منها. لكل منها شكل ولون وحجم . كاتالوغ متعدد المقترحات . عصفور . فأر . حمامة . أبو بريص ." و " قنفذ " و رأت زوج أمها ينظر إليها و" الجرذ الأسود الرابض في كفه " .. إلخ .
من المؤكد أن المحافظين سيكررون عبارة " وبتقولوا كورونا منين " ولسوف ينسون أن كتب التراث تحفل بذكر الجوارح والأعضاء التناسلية دون حرج .
ما الذي أوحت لي به السلحفاتان ؟
عندما دخلت إلى شقتي غسلت يدي بالماء والصابون مدة لا تقل عن ثلاث دقائق ، فلم أكتف بالعشرين ثانية .
مساء الخير
خربشات
١٤ أيار ٢٠٢٠
وغدا الذكرى ٧٢ للنكبة .

***

- الست كورونا والنكبة الفلسطينية ٨٤ :

هل أرعبتنا ، نحن الفلسطينيين ، الست كورونا ؟
نحن ، الفلسطينيين ، نعيش وضعا أقسى وأصعب مما نعيشه في زمن الكورونا . خذوا مثلا الحجر الصحي . كان هذا الحجر مفروضا على الفلسطينيين في لبنان بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ ، فلم يكن يسمح لهم بحرية التنقل إلا بعد أخذ موافقة من مكتب وزارة الداخلية ، وهو ما كتبت عنه سميرة عزام في قصتها " فلسطيني " وفيها نقرأ عن الفلسطيني المقيم في لبنان الذي وصله خبر وفاة أبيه المقيم في عمان . يومها أراد السفر ليشارك في الجنازة فطلب منه الموظف اللبناني مراجعته للحصول على الإذن بعد أسبوع ، ما دفع الفلسطيني لأن يبرق لأهله في عمان البرقية الآتية:
" أجلوه أسبوعا أو فافدفنوه " .
وكانت البرقية أسمج نكتة سمعها موظف البريد .
عن الحجر في لبنان تحدث أيضا شفيق الحوت ، في مقابلة تلفزيونية مع فضائية الجزيرة ، ومما قاله إن اللاجيء إن تزوج من لاجئة من مخيم آخر غير مخيمه لم يكن يسمح له ولأهله الذهاب إلى مخيم العروس لاستلامها، فكان الحوت يذهب ، باعتباره ممثلا للفلسطينيين في لبنان ، لاستلام العروس من أهلها ويقوم بتسليمها إلى العريس . هل ما شاهدناه عن الزواج في زمن الكورونا كان جديدا ؟
ما لا ينبغي أن يغيب عن الذهن هو ما عاشه أهل الباقتين ؛ الغربية والشرقية ، والبرطعتين ؛ الشرقية والغربية ، من ١٩٤٨ إلى ١٩٦٧ ، وهو ما كتب عنه الكاتب الإسرائيلي ( دافيد غروسمان ) في كتابه " الزمن الأصفر " ، حيث كان الأهل يحتفلون بالأعراس أو يشاركون بالعزاء بواسطة مكبرات الصوت ، فثمة حدود تحول دون تنقل المواطنين . إنه حجر صحي أمني عسكري قومي .
وفي لبنان عاد الحجر وفرض على أهالي المخيمات بعد خروج المقاومة من بيروت في ١٩٨٢ ، وهو الآن في أقسى حالاته ، وكنت كتبت قبل أسبوع عن تعميم وزارة الداخلية في بيروت وسفارة لبنان في أبو ظبي .
فلسطينيو فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ فرض عليهم الحكم العسكري من ١٩٤٨ حتى ١٩٦٦ ، وأما أهل الضفة فلم يكن يسمح لهم بالسفر عبر المعابر إلا إذا كان معهم جواز سفر مناعي يثبت عدم حملهم فايروس حب الوطن وعدم الانتماء إلى فصيل فلسطيني ، وأما غزة فالحجر عليها قائم منذ سنوات ، وكان ( اريك شارون ) في سبعينيات القرن العشرين طبق القانون الذي أخذت حكومة بريطانيا تطبقه منذ ٢٧ نيسان ٢٠٢٠ ، وهو ما كتبت عنه قبل أسبوع تقريبا .
ما أخشاه هو أن يخرج علينا رئيس ما ، مثل ( دونالد ترامب ) ، ويقول إن فحص سلالة فايروس كوفيد ١٩ أثبت أنه فلسطيني .
منذ ١٩٤٨ ونحن نحيا على إيقاع الحجر ، وكما يرى الروائي الياس خوري Khoury Elias فإن النكبة مستمرة وما زال الفلسطينيون يعيشونها .
اليوم الذكرى ٧٢ للنكبة - الكورونا الفلسطينية .
صباح الخير
خربشات
١٥ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا : أنا الأفعى التي فححت عليكم ولم تتوحدوا ٨٥ :

نادرا ما أخرج يوم الجمعة من المنزل ، ولكني أمس ، في ذكرى النكبة ، خرجت ومشيت في الأسواق ثم أخذت أقرأ في "دفاتر " معين بسيسو الفلسطينية ، وتوقفت أمام شمشون الإسرائيلي وقطاع غزة .
الأسبوع الماضي لم يكن شمشون يتجول في قطاع غزة ، فقد كان منشغلا بقرى الضفة الغربية مثل يعبد وكوبر ، ولم تمنعه الكورونا من ممارساته الاحتلالية واعتقالاته الشباب الفلسطيني .
كانت الست كورونا تمد لسانها ساخرة من خيال محمود درويش في قصيدته " سيناريو جاهز " فالأفعى المتخيل وجودها في الحفرة التي سقط فيها أنا المتكلم الفلسطيني وعدوه لم تضعهما معا في مواجهتها :
" أنا وهو
سنكون شريكين في قتل أفعى
لننجو معا
أو على حدة " .
لقد واصل الإسرائيليون مدججين بإيديولوجيتهم الصهيونية اعتقال الفلسطيني ومحاصرته ، كأنه لا يكفيه حصار الكورونا .
الطريف هو ما حدث ، فقد تبادل الفلسطيني جوليات واليهودي داوود الأدوار ، وداوود المدجج بالسلاح قتل ، في يعبد قرب جنين ، بحجر الطفل جوليات ، وهنا كانت سخرية الست كورونا القائمة على المفارقة ، كما لو أنها قرأت رثاء محمود درويش نفسه لآباء شهداء انتفاضة الأقصى .
في " حالة حصار " ٢٠٠٢ كتب الشاعر على لسان والد الشهيد :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا :
كيف بدلت أدوارنا ، يا بني ،
وسرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا ! "
وما كتبه الشاعر الفلسطيني على لسان والد الشهيد الفلسطيني قاله والد الجندي الإسرائيلي القتيل .
في شريط فيديو أرسلته إلي الصديقة فوز فرانسيس كان والد الجندي الإسرائيلي عميت بن يغال يبكي ابنه ويخاطبه : لم أكن أتوقع أن أدفنك يا بني ، كان يجب أن تدفنني أنت " وبكى ، وبكت الأم فقد فقدت ابنها الذكر الوحيد ابن الواحد والعشرين عاما ولم يبق لها إلا ابنتان ، واحدة في الثانية عشرة والثانية في الرابعة .
كانت الست كورونا تمد لسانها ساخرة ، فمن لم يمت بالكورونا مات بالحجر ، وتعددت الأسباب والموت واحد .
مش زابطة ، فلا الأفعى ستوحد الفلسطينيين والإسرائيليين ولا الست كورونا ستوحدهم . يبدو أن الأيديولوجيا أقوى من الغريزة .
صباح الخير
خربشات
١٦ أيار ٢٠٢٠

***

- لست كورونا : " وقفة عز ، ووقفة نذالة " ٨٦ :

الحياة بدأت تقريبا تعود إلى طبيعتها ، ولولا أن السائق غير مجرى سيره وشرح لي السبب لما شاهدت اليوم في المدينة ما يذكر بالست كورونا والحجر الصحي .
لم يختر السائق اليسار وواصل السير بالطريق المستقيم ، وهكذا لم نمر بمقر البنك الوطني ، وقد أعفاني السائق من السؤال حين برر سلوكه متحدثا عن الأزمة وسببها .
أكثر من خمسمائة مواطن كانوا يقفون ، أمام البنك وفي الشارع العام ، ينتظرون دورهم للحصول على مساعدة من صندوق " وقفة عز " الذي أسس لدعم من تضرروا من العمال بسبب الحجر الصحي ، ولم يكن الأمر مختلفا أمام مبنى بنك فلسطين .
السائق قال لي إنه فحص عن اسمه الكترونيا فلم يعثر عليه ، ولما كنت أعرف أنه موظف فقد أخبرته عن السبب :
- ما دمت موظفا وتأخذ راتبا شهريا فلن تحصل على مساعدة من الصندوق .
الخبر المتداول اليوم ، في الضفة الغربية ، على ألسنة المواطنين ، وفي وسائل التواصل الاجتماعي ، كان محوره كلام الوزير عن طبيب راتبه سبعة آلاف شيكل تقدم للحصول على مساعدة من صندوق " وقفة عز " - رحم الله أبي فقد طلب مني ، وأنا أستاذ جامعي ، أن أسجل ، في نهاية الانتفاضة الأولى ، اسمي للحصول على مبلغ رمزي من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، فابتسمت وأعطيته " كرت المؤن " الخاص بي وقلت له :
- إن حصلت على المبلغ فهو لك ، وأنا لا أريد . ولا أعرف ما ألم بكرت المؤن وأغلب الظن أنه سرق من شقتي - .
نحن ، الفلسطينيين ، فينا من الأمراض الاجتماعية والنفسية ما فينا ، ففي العام ١٩٤٨ سجل كثيرون ، من سكان مدن الضفة الغربية وقراها ، أنفسهم مع اللاجئين ليحصلوا على معونات من وكالة الغوث ، ف " اللي ببلاش كثر منه " و " مكسب من العرصات " و" شعره من طيز خنزير بركة " و " الكل سجل فلماذا لا أسجل " و " إن لم تأخذه يأخذه غيرك " و " المساعدات للكل " و ...
وفي رواية عارف الحسيني " كافر سبت " ظلت عبارة " والحقيقة أن النذالة لا دين لها .... " تلح على ذهني ، فالنذالة قد تجد في ظروف مثل ظروف الكورونا مرتعا خصبا حيث الاستغلال واقتناص الفرص وموت الضمير والجشع وارتفاع أسعار المواد المعقمة والكمامات وإلى آخره إلى آخره .
واليوم كنا ننتظر ما سيعلنه رئيس الوزراء عما ستقرره الوزارة في الأسبوع الأخير من رمضان بخصوص الحجر الصحي .
العيد على الأبواب وأطرف شريط فيديو شاهدته كان لعضو كنيست إسرائيلي يرد فيه على أسئلة صحافي عربي حول الكورونا ، وكان يتحدث بالعربية ، ووجهة نظره أن الكورونا في إسرائيل لعبة سياسية بين رئيس الوزراء والسيد ( غانس؟) لتشكيل الحكومة ، فالكورونا مثل " الايبولا " موجودة في بلدان محددة وهي غير موجودة في اليونان وإسرائيل ومصر . إنها كذبة ويجب ألا تتعطل الحياة في الدولة ، تماما كما لم تتعطل الحياة عندما كان " الايبولا " منتشرا في افريقيا .
اليوم انشغلت بقصتين قرأتهما في كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " هما
- تحول من تحسن إليه إلى جاسوس ومخبر يتعقب أخبارك .
- اختطاف القوات الإسرائيلية الشيوعي علي عاشور من غزة في إحدى غاراتها على القطاع وإعادته إلى حيفا ، وفي حيفا أطلق سراحه وصار كاتبا في جريدة الحزب الشيوعي الإسرائيلي ( راكاح ) .
في أزمنة الاحتلال والكورونا والفقر والجهل والهزيمة تتراجع القيم الأخلاقية وتصبح الفضيلة الأولى هي أن نبقى على قيد الحياة حتى لو تجسسنا على بعضنا .
يكتب معين بسيسو إن العائلة اللاجئة التي وقف هو وأسرته إلى جانبها ، فأطعموها وأووها ، كان ربها قد تحول إلى مخبر قاد قوات المباحث إلى بيت معين لاعتقاله .
" والحقيقة أن النذالة لا دين لها " ، وما حدث مع معين يحدث الآن أيضا .
صباح الخير
خربشات
١٧ / ٥ / ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا والصيام في رمضان الكوروني ٨٧ :

في الحافلة اليوم تواصل الحديث عن توزيع المساعدات التي قدمها صندوق " وقفة عز ".
أحد الركاب قال إن التجمهر أمام المصرف يندى له الجبين وذم بني قومه الفلسطينيين ومدح الإسرائيليين ، فهم نظاميون ، ومثل هذا المديح سمعناه بعد ١٩٦٧ وما زلنا نسمعه .
ما قاله الراكب الذي زعم أنه اختلط باليهود ، وعمل أربع سنوات في مصانعهم ، لم يرق للسائق الذي رأى أننا أفضل منهم وأكثر فهما وإدراكا لأهمية النظام ، ولكننا لا نريد .
كنت حذرت السائق أن لا يكثر من حركات يديه حين يتكلم ولكن لا حياة لمن تنادي ، وكأن لا كورونا في هذا العالم ولا يحزنون ، وماذا يقول مثلنا عن ذيل الكلب " ذيل الكلب أعوج حتى لو وضعته بألف قالب لتصحيحه ، وكثير من أفراد شعبنا يتذاكون .
توزيع المساعدات على مستحقيها شغلت اليوم أذهان الناس وألسنتهم ، و " عمر موزع ما بدخل جنة " .
أمس عقب أحد طلابي على ما كتبت تحت عنوان " وقفة عز " قائلا إن هناك حالات أخرى شبيهة بحالة الطبيب الذي يأخذ راتب ٧ آلاف شيكل وقدم للحصول على معونة ، ودنيء النفس يظل دنيئا ويحب المكسب ويتذاكى . إنه فهلوي . لقد اكتشف الطالب الذي كان يساعد في البحث عن الأسماء أن هناك موظفين يستلمان راتبا شهريا وحصلا على ال ٧٠٠ شيكل ، ف " اللي ببلاش كثر منه " و " ما هي المصاري جاي وجاي " و " السلطة تشحد باسمنا " و ... و ...
كانت الأجواء في الثانية عشرة ظهرا شديدة الحرارة ، ولذلك لم تكن هناك حركة نشطة في الأسواق .
وأنا جالس في شقتي ، غرب المدينة ، عادت بي الذاكرة إلى شهر رمضان في العام الماضي حيث كنت أظل في المدينة حتى التاسعة أو العاشرة ، خلافا لرمضان الحالي الكوروني إذ اضطر إلى العودة إلى سكني في شرق المدينة في السادسة مساء . وفي هذا الوقت تكون الأزمة بلغت الذروة والكل يريد أن يعود ، فحركة السير عند أذان المغرب تتوقف ، ليبدأ الحجر الصحي .
سائق الحافلة ، وهو لاجيء من الشيخ مونس قرب يافا ، تحدث عن بؤسنا وبيعنا الأراضي لليهود ، وهنا وجدتني أصحح له معلوماته وأقول له إننا لم نبع أكثر من ٥ بالمائة حتى العام ١٩٤٨ ، وأن من باعوا كانوا من الإقطاعيين وجل البائعين ما كانوا فلسطينيين ، وأن معلوماته خاطئة .
لقد أبدى السائق استعداده لبيع أراضي جده لو امتلك الكوشان ، ولقد ابتسمت وقلت له إنني لست مستعدا للبيع ولكن ..
السائق شكا أحواله في فترة الحجر الصحي وأقسم أنه لولا تقديم إخوته وأخواته مساعدات له لما وجد رغيف خبز يطعمه لأبنائه ، فهو يعمل ويعيش من دخله اليومي .
ما زالت الأشرطة حول أصل الست كورونا تتوالى ، وما زالت الآراء كلها تتكرر : أهي مفتعلة أم هي عقاب رباني ؟
غيتس و آل روكفلر و آل روتشيلد وعصابات المافيا تتحكم بالدول وحكوماتها وإلا ما هو تفسير تطبيق الإجراءات نفسها في الدول كلها ؟ ونحن في حيص بيص ما عدنا نعرف الحقيقة . أهي مؤامرة ؟
إلى أين نحن ذاهبون ؟
الحيرة الحيرة الحيرة
صباح الخير
خربشات
١٨ / ٥ / ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا والجامعة ٨٨ :

اليوم زرت الجامعة بعد انقطاع عن زيارتها منذ بداية الحجر الصحي .
السائق الذي أقلني ، وهو من مخيم بلاطة الآن ، وأهله من الجماسين قرب يافا ، سألني عن رأيي في الست كورونا وإن كانت مفبركة أصلا ، وقد عبرت عن رأيي قائلا إنني ، مثل كثيرين غيري ، حائر في الأمر ، فما أشاهده من أشرطة فيديو حقيقية ومفبركة ، يتحدث فيها عرب وغير عرب ، علماء ورجال سياسة واقتصاد ، مشعوذون وعلمانيون أربكت أكثرنا . إننا في حيص بيص حقا .
سألت السائق إن كان زار يافا وقضاءها وعرف بيت أهله فأجاب بالإيجاب ، تماما كما سألته عن حركة العمل . لقد اعتدت في هذه الأيام على توجيه الأسئلة للسواقين للإلمام بأحوالهم وكيف دبروا أمرهم خلال فترة الحجر الصحي ، ولو كنت مسؤولا في الحكومة لأصررت أن يدفع لكل سائق ولكل عامل مياومة مبلغ 1500 شيكل شهريا
طالما استمر الحجر الصحي .
أما كان الأجدر أن تحول المبالغ المدفوعة إلى حسابات المستفيدين بنكيا ؟ ربما هذه نكتة ، فمن له من عمال المياومة رصيد بنكي ؟
عندما دخلت إلى مبنى الجامعة القديم لم أضع الكمامة ، فلم أشترها حتى اليوم ، ولاحظت بعض موظفي الجامعة من حراسها يضعونها .
لو لم تكن هناك كورونا لكانت الجامعة الآن تعيش فترة الامتحانات ، ولكان الطلاب يملأون الزاويا وأماكن الظلال فيها ، ومن المؤكد أن الساحات ستكون خالية من الطلاب بسبب موجة الحر الشديد ، فالساعة كانت تقارب الثانية عشرة ظهرا .
في مبنى الإدارة يجلس أكثر الموظفين في مكاتبهم ينجزون أعمالهم ، وفي المبنى العام لا ترى إلا موظفا في العلاقات العامة وزميله جالسين في الظل ينشدان الهواء والنسيم العليل.
لا أحد في الجامعة ولم أفتح مكتبي لتهويته فسرعان ما أقفلت عائدا .
ماذا سيجل بهذه المباني لو فتكت بنا الست كورونا وصرنا نعيش حالة أهل ( فلورنسة ) في العام ١٣٤٨ م أو حالة أهل لندن في ١٦٦٢ م ؟
وماذا لو تم الفتك ب ٦٥٠٠ مليون من البشر ليبقى ٢ مليون فقط ؟
هل سيأتي شاعر جاهلي ليقف على الأطلال ويكتب :
" يا دار " النجاح " في سفح جرزيم سلاما
أين احتفالات الخريجين فتية وفتيانا "
أو
" أقفرت من طلابها النجاح
فالكافتيريات حولها والساح "
- " جنة من غير ناس ما بتنداس "
لقد كررت اليوم أيضا هذا المثل ، ولم أعهد الجامعة على هذه الشاكلة إلا في الإجازات ، وحتى في الإجازات لا تشعر بما تشعر به حين تزور الجامعة في زمن الكورونا .
لا جديد في الأشرطة ، فالمعلومات تكاد تتقارب وتتشابه ولا يختلف فيها إلا الوجوه واللغات .
أول أيام عيد الفطر قد يكون السبت وفي مساء الجمعة ستمنع الحركة في المدينة وبين المدن لمدة ثلاثة أيام ، ولا أعرف إن كان القرار صائبا وحكيما ، فالناس في العيد تظل في بيوتها ، بعد أن تزور أقاربها في اليوم الأول .
في الطفولة والشباب كنت أزور قبر أخي وجدي وجدتي وأضع على قبورهم سعف النخيل حتى أمنع عنهم العذاب ، ومنذ بدأت أعيش العذاب ، منذ ثلاثين أربعين عاما ، نسيت زيارة القبور وشراء السعفات وجرها إلى المقبرة ونسيت أيضا أخي وجدي وجدتي وأبي وأمي لدرجة أنني منذ توفي أبي في ٢٠٠٦ وأمي في ٢٠١١ لم أزر قبر أي منهما .
اليوم كان الجو حارا جدا جدا .
صباح الخير
خربشات
١٩ / ٥ / ٢٠٢٠

***

- الست كورونا : الأجواء الحارة وأجواء العيد تنسي الناس الفايروس ٨٩ :

كما لو أنه لم يبق من الست كورونا إلا بعض أثر يدل عليها : الكمامة وارتفاع أجرة المواصلات وتأثير هذين الأمرين على المواطنين ، وربما بقايا حديث عن توزيع المساعدات التي قدمها صندوق " وقفة عز " .
منذ زمن لم أجلس على مقهى رصيف ، وغالبا ما كنت أجلس إن استحق المكان الذي أجلس فيه هذه التسمية : أربعة مقاعد أمام محل يبيع القهوة والبهارات استغله أصحابه علهم ينتفعون منه في ظل فرص العمل القليلة في هذا الوطن الذي يضيق بسكانه ، في هذا العالم الذي كثر سكانه وفاض بهم .
اليوم جلست في شارع حطين وكان الحر شديدا فشغل الحديث عنه الناس ، تماما كما شغل توزيع المساعدات حديث الناس .
أمام محل بائع الخضار والفواكه همس البائع في أذني بأن الوزير خص جماعته بالمعونات ، وأن كل من انضوى تحت لواء " حزب الشعب " فاز .
سألت البائع علام اعتمد في رأيه ، فمثل هذا الحكم يحتاج إلى دليل .
في سنوات الانتفاضة الأولى ( ١٩٨٧ - ١٩٩٣ ) وسنوات الانتفاضة الثانية ( ٢٠٠٠ - ٢٠٠٦ ) لطالما انتشرت آراء مثل هذه حول توزيع المساعدات ، فكل فصيل كان يخص أتباعه ومناصريه بمساعداته ، ومع مجيء السلطة الفلسطينية تردد كلام كثير عن تفضيل المناضلين السياسييين على الكفاءات العلمية . هذا موسم تقسيم الكعكة ، ومع استقلال جمهورية غزة الإسلامية - أو ولاية غزة - صار التعيين غالبا هنا وهناك مرهونا بالولاء .
كررت السؤال على البائع عن مرجعيته ، فأخبرني أنه هو شخصيا ، وهو عاطل عن العمل ، قد سجل اسمه ولكنه لم يمنح أية مساعدة .
المساعدات التي وزعت لا تسمن ولا تغني من جوع ، وهي رمزية على أية حال ، ومع ذلك فقد ظهرت على السطح وغاب عنه الحديث عن الفايروس .
هل ستنهي موجة الحر الشديد الست كورونا وتشويها في نار جهنم ؟
لا جديد ، ولا جديد أيضا في الكتابة ، وأحيانا يصح على ما نكتب قول الشاعر :
" ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا " .
مثلنا الشعبي يقول " مثل دق المي في الهون " وبدر شاكر السياب استحدم عبارة " دورة اسطوانة " للتعبير عن تكرار حديثه عن حنينه ، وهو في الكويت ، للعراق .
لا جديد يذكر .
صباح الخير
حربشات
٢٠ / ٥ / ٢٠٢٠

***

- الست كورونا : ورمضان الكوروني ٩٠ :

انقضى رمضان العام ٢٠٢٠ وكان رمضانا كورونيا بامتياز ، فلم يشهد المسلمون شهر رمضان على شاكلته .
ما من رمضان مر في السنوات التي عملت فيها أستاذا جامعيا إلا حضرت فيه إفطارا جماعيا تنظمه نقابة العاملين ، وكنت أشارك فيه غالبا مع أنني لا أصوم منذ عقود .
في رمضان هذا لم ينظم أي إفطار جماعي ، لا في الجامعة ولا في غيرها تقريبا إلا في المسجد الأقصى ، فقد شاهدت شريط فيديو لنساء مسلمات يفطرن معا على مرأى من جنود الاحتلال الإسرائيلي ، ولم يكتفين بتناول الطعام فقد أخذن يهتفن للأقصى متحديات الجنود الذين طلبوا منهن الصمت فازددن إصرارا وهتافا .
المطاعم مغلقة وكذلك المقاهي ليلا ، فلا فندق الياسمين شهد إفطارا جماعيا ولا مطعم سليم أفندي ولا أي مطعم آخر في المدينة ، ولم يلتق خريجو ألمانيا هذا العام معا ليجتروا الذكريات ، وقد جرت العادة أن يجتمعوا معا على إفطار رمضاني غالبا ما كنت أشارك فيه .
المدينة ظهرا كانت " تنغل " وكانت الأسواق عامرة تماما . أمام الصراف الآلي في المول طلب مني طفل في الثامنة من عمره شيكلا ، فسألته من أين هو ولماذا يريد الشيكل !!
الطفل قال لي إنه من مخيم بلاطة وإنه يريد الشيكل ليركب على الحصان الحديدي القريب ، وما إن نقدته ما طلب حتى ركض باتجاه الحصان وصعد فرحا ، وكان صديقه يراقبه فسألته إن كان هو أيضا يرغب في فعل ما فعله صاحبه فأخذته العزة ورفض أخذ شيكل .
سألت الطفل الأول كيف سيتدبر شأن العودة فأجاب بأن لا مشكلة ، والمخيم لطفل مثله ليس بعيدا عموما .
في محل بيع كعك العيد والمعمول كانت السيدة تضع المعمول بيدها دون لبس كفوف ، فأيقنت أن الكورونا والحجر الصحي كانا حلما وفي الخيال . كانا سحابة صيف .
في السادسة ذرعت شارع النصر كله ، من غرب البلدة القديمة إلى شرقها ، وكانت أجواؤه رمضانية تماما . ثمة اكتظاظ بشري لافت وكان بائعو الحلوى وأصابع زينب والعوامة وبائعو الحمص والفلافل يبيعون كعادتهم كما لو أنهم استثنوا من قائمة المطاعم التي افترض الحجر الصحي إغلاقها .
سائق الحافلة الذي أقلني في الذهاب عبر عن امتعاضه لأنه لم يحي ليلة القدر في المسجد الأقصى ، وقال لي إن قصة الكورونا مختلقة لكي يحولوا بيننا وبين المساجد . هذه بروفة لما سيأتي ، ومن الأشرطة التي لفتت انتباهي بخصوص الست كورونا شريط يصور احتجاجات اللندنيين على تطبيق الإجراءات الجديدة التي كتبت عنها من قبل ، وأشرت في كتابتي إلى تاريخ ٢٧ / ٤ / ٢٠٢٠ . سكان لندن يحتجون ضد اللقاح الإجباري ومثلهم سكان ميونيخ ، والقادم أخطر . هل ستشهد أوروبا ما شهدته في نهاية ستينيات القرن العشرين وكنت أشرت إلى منظر تلك الحقبة الذي غاب اسمه عن ذهني .
ترى كيف سيكون عيد الفطر السعيد في الزمن الكوروني ؟ هل سنسميه العيد الكوروني ؟
صباح الخير
خربشات
٢١ / ٥ / .٢٠٢

***

- الست كورونا وظهور الملائكة فوق الكعبة ٩١ :

وأنا أشاهد شريط فيديو أرسله إلي الصديق فرحان السعدي تذكرت كتاب صادق جلال العظم " نقد الفكر الديني " الصادر بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ .
يظهر شريط الفيديو أسراب طيور بيض فوق الكعبة المشرفة ، ويظهر لنا ردود أفعال المشاهدين التي تراوحت فيما بينها تراوح آراء الناس - العلماء ورجال الدين ، المثقفين وغير المثقفين - من جائحة كورونا .
ذهب بعض الناس إلى أن الملائكة تظهر في سماء مكة ، وعلق آخرون قائلين إنها ظاهرة عادية ، فأسراب الطيور على هذه الشاكلة تظهر في أمكنة مختلفة.
هل جاءت الملائكة لتبشر المسلمين بانتهاء الجائحة ؟
في كتاب العظم مناقشة مطولة لظاهرة مشابهة هي ظاهرة تكرار ظهور السيدة العذراء ، بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، في كنيسة الزيتون ، وقد رأى بعض رجال الدين في ذلك إشارة سماوية إلى تحقق النصر " إن تكرار ظهور السيدة العذراء يؤكد أن المعجزة ستستمر حتى تعود القدس عربية وتتحرر من الإرهاب الصهيوني ... " ، والكلام السابق صدر عن الدكتور رؤوف عبيد أستاذ القانون الجنائي بجامعة عين شمس ، وهو واضع أول " دراسة علمية عن حقيقة ظهور العذراء في كنيستها بالزيتون . ( ص ١٤٩ من ط ٢ من كتاب العظم).
أسراب الطيور هذه كانت مثل اختبار ورق الرورشاخ ، فهي تتفاعل مع الخلفية الفكرية والثقافية والبيئية التي تشكل وعي كل فرد منا . إنها صورة عبد الناصر أولا ، ثم صدام حسين ثانيا ، على وجه القمر ، وهي لي ما أتخيله حين أرشق كأس ماء على جدار . ربما يبدو المشهد سرياليا .
منظر الطيور البيض ذكرني بقصيدة ابراهيم طوقان " ملائكة الرحمة " التي مطلعها :
" بيض الحمائم حسبهنه
أني أردد سجعهنه " .
وقد رأى الشاعر في الممرضات ملائكة رحمة .
في شريط آخر أدرجته Inam ElKhuffash كان الحديث باللهجة اللبنانية عن الكورونا وعدتها المتكلمة التي ترتدي فستانا أبيض كذبة كبرى .
لون الفستان الأبيض جعلني أربط بين ملائكة الرحمة في قصيدة الشاعر وبين الطيور في سماء مكة وبين المتحدثة وربما أيضا كل ما سبق بالكمامة البيضاء .
بدا اليوم في نابلس يوم وقفة عيد حقا ، فغدا الجمعة وقد تخلو المدينة من سكان الريف ، وإن كان ثمة مصابون بين الناس بالكورونا فإن الناس ستأكل في العيد هواء ، بالمعنى المجازي للكلمة ، وهواء على وزن " خراء " .
هذا العيد سيكون عيدا كورونيا ، فحكومة سلطتنا ، مثل حكومة جارتنا الأردن ، قررت ما يشبه منع التجول تقريبا .
أسعار البطيخ تراجعت ونزلت إلى الحضيص ، لا بسبب الخوف من كورونا بطيخية ، وليس لأن الناس أخذت بنصيحة شاب أردني حذر من تناول البطيخ بسبب هرمونات التسمين ونسبة مادة معينة فيه تؤدي إلى التسمم ، وإنما لأن البطيخ صار مثل الماء في موسم غزير المطر " أعز مفقود وأهون موجود " وكثر البطيخ كما كثر البشر ، فهل ستتفتق عبقرية بيل جيتس و آل روكفلر و آل روتشيلد عن اختراع فايروس بطيخي لبحافظوا على الأسعار ؟
" ثلاث بطيخات بعشرة شيكل " كان البائع ينادي ويضيف " على الموس وعلم " وفي يوم الجمعة الماضي اشتريت ثلاث بطيخات ، كل بطيخة بخمسة عشر شيكلا ، ومثل البطيخ الشمام ، وكان أبي يفضل الشمام - طبعا بدلالاته الرمزية .
صباح الخير
خربشات
٢٢ أيار ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا وقوة الحياة وتفاصيلها ٩٢ :

مل الناس على ما يبدو من الحديث عن الكورونا ، مع أن أرقام الموتى والمصابين في دول العالم في ازدياد .
ثمة بقايا كلام أغلبه تكرار لما كتب وما قيل عبر أشرطة فيديو من قبل . ربما الجديد هو المظاهرات قليلة العدد في لندن يعلن المتظاهرون فيها رفضهم اللقاح الجديد المتمثل في الشريحة التي ستزرع في أجسامنا ، لنغدو مواطنين صالحين جدا نسير وفق إرادة إلاه جديد جبار متسلط يتحكم فينا كليا ، فيمنع عنا الدواء أو يغلق رصيدنا في البنك بلا سؤال - فعلها البنك العربي معي مرة وحجز أموالي وكتبت عن هذا تحت عنوان " مزحة البنك غير المحتملة وفكرت أن أقاضيه بقصد القتل عمدا .
الحكومة العالمية الجديدة - إن صح ما يكتب - هي ذات إلهية قاسية دكتاتورية متسلطة تخضع البشر ولا تترك مجالا لإبليس المتمرد المغوي . إنها تريد عالما على مزاجها ، واليوم تحدث معي السائق حول موت عمه في المشفى مبديا حزنه لطريقة تعامل بعض العاملين فيه مع المريض كبير السن الميؤوس من حالته ، وقال لي :
- هذه هي الكورونا . إنها التخلص من كبار السن .
الحياة في نابلس عادت إلى طبيعتها تقريبا والتزاحم البشري لشراء احتياجات العيد ألغى وسائل الحذر ولم تعد متطلبات التباعد الاجتماعي أو الجسدي في الحسبان ، ولكن هذا لم يحل دون تخوف الناس من تحولات عكسية .
العيد سيكون مختلفا وقد كتبت مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية تحت عنوان " العيد في زمن الكورونا " .
ليس التزاحم البشري هو ما عاد فقط ، فقد عدنا إلى همومنا العادية المألوفة وأخذنا نهتم بالتفاصيل التي تولد النزاعات . ببساطة نسينا ما خفنا منه في البداية ونسينا إيغالنا في التشاؤم المتمثل في أن الكورونا قد تنهي الحياة على الأرض .
منذ شهر راسلتتي دار نشر الغاوون لأنشر كتبي فيها ، وأرسل المسؤولون إلي شروط النشر ، وهي شروط تفرض علي دفع مبالغ مالية ، ووعدت بأن أرد ولم أرد فلم تعد شهوة النشر تستبد بي ، عدا أنني أنشر كتبي دون أن أدفع أي قرش إلا ما أنشره أنا شخصيا لأسباب .
كنت في نظر دار النشر كاتبا مبدعا وكبيرا ومتميزا ، ولما تناسيت الموضوع عادت دار النشر اليوم وذكرتني وكتبت إلي إنها ما زالت تنتظر ردي ، فرددت إن كتبي منشورة وليس لدي الآن كتب للنشر وحال توفرت أكتب لكم ، وهذا ما لم يرق لها فكتبت إلي :
" كاتب بلا مبدأ " وبلكتني - أي حظرتني ، ويا لحسن ما فعلت .
أمس قرأت الآتي :
" الكاتب يكتب والناشر يربح " وهذا موضوع طريف لأن يكتب فيه تحت عنوان آخر بعيد عن " الست كورونا " .
نسينا الكورونا وعدنا نمارس حياتنا العادية ونشتبك مع بعضنا . أنا " كاتب بلا مبدأ " .
شو أعمل فلا أفكار ماركس نفعت ولا حتى كلام الأنبياء ، ولو كنت شيوعيا اعتقل في ستينيات القرن العشرين لربما وافقت على استنكار الحزب الشيوعي الهدام وأعلنت ولائي لجلالة الملك وحكومته الرشيدة ورحم الله الشاعر معين بسيسو فقد رفض استنكار حزبه وظل سجينا .
صباح الخير
خربشات
٢٣ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا والحزينة التي جاءت تفرح ٩٣ :

أمس كان يوما كورونيا بامتياز ، فالحجر الصحي كان تاما وشاملا ، على الأقل في الحي الذي أقيم فيه ، فلا حركة سيارات ولا مشاة . ثمة هدوء تام وصمت كصمت المقابر .
صحوت في السادسة ويبدو أنني كنت المواطن الصاحي الوحيد ، فالكل نيام ، وفي بعض الأحيان يبدو جو مثل هذا مطلبا وأمنية معا ، فحين يزعجك الآخرون ويمعنون في إزعاجهم تتمنى لو أنك وحيد في جزيرة ، كما بطل حي بن يقظان أو روبنسون كروزو ، وقد تكرر ، مع أنك تقطن في حي سكانه مسلمون ، عبارة " نوم الكفار عبادة " . هل نوم المسلمين عبادة ؟
إن ابتليت بمسلمين فضوليين فمن المؤكد أنك ستلفظ العبارة في صيغتها المحورة .
ماذا سأفعل غير المعتاد ؟
شطفت الساحة وجلست أتشمس ، ولكن الشمس كانت تشع دقيقة وتختفي عشرا ، ما دفعني للعودة إلى الشقة أسترخي ، وفجأة نادتني الحديقة ، فغدا هو العيد ولا بد من أن تعيد مثلنا وتبدو بمظهر أنيق .
أحضرت المشاطة ومشطت التراب فصارت الحديقة تسبح بحمد خالقها ، فالنظافة من الإيمان .
وأنا أتصفح الفيس بوك قرأت نصيحة الكاتب محمود شقير لمن هم فوق الخامسة والستين " خليك بالبيت " ، وتذكرت أنني متقاعد وبعد أيام سأبدأ عامي السابع والستين ، وفي العام ١٩٦٧ حلت هزيمة العرب الكبرى .
كثيرون كانوا ينصحونني بالسفر ، فأنت متقاعد ويحق لك بعد عمل ٤٣ عاما أن تتنعم والسفر يحقق ذلك .
كنت بدأت ، منذ سنوات ، أكتب سلسلة مقالات عن المدن الفلسطينية في الذاكرة ، وقررت أن أكملها لأصدرها في كتاب ثم شرفت الست كورونا وهي ، لا بلوغ الخامسة والستين ، من جعلتني متقاعدا .
منذ شهرين ونصف لم أخرج من نابلس ، فلم أزر عمان للمشاركة في مؤتمر جامعة الزيتونة ولم أزر القدس أو يافا ، وهكذا لم تكتمل الكتابة عن الأخيرة ولم يكتمل الكتاب .
في المجر بدأت الجامعات تعود إلى طبيعتها كما كتب الصديق Sami Sadder حيث يدرس هناك ، ولكنها لم تسمح لمن هم فوق الخامسة والستين بدخول الجامعة ، خوفا على صحتهم وصحة الآخرين ، فهل كنت مجافيا للحقيقة حين كتبت قبل ست سنوات تقريبا مقالا عن المرء في هذا العمر " مثل جريغوري ، هكذا أنت في الخامسة والستين " وجريغوري هو بطل قصة ( فرانز كافكا ) " المسخ " . أنت في الخامسة والستين مثل سيارة عتيقة خربة .
أجواء أمس كانت رطبة لا حارة ، ومع ذلك وجدتني أكتب الحلقة ٣٦ من " خفة الكائنات غير المحتملة " التي بدأت أكتبها قبل سنوات . كانت الكتابة حادة وعند درجة الصفر ، لدرجة أن الصديق محمدعدنان ابو ايلاف عقب متسائلا إن كانت القصة رمزية .
هل كنت أبالغ ؟ لعل توضيح ذلك يتطلب إجراء مقارنة بين محمد الماغوط وتجربته وكتابته عن عالم القمع وبيني وتجربتي وكتابتي عن العالم الكابوسي . ومرة تساءلت إن كان أبطال ( كافكا ) عانوا عشرة بالمائة مما عانيت .
اليوم كان يوما كورونيا بامتياز ، على الرغم من قسوة أيامنا وقسوة تجربتنا إلا أن هذا لا يمنع من الكتابة " كل عام وأنتم بخير " ومن تكرار لازمة ( نيتشة ) و محمود درويش " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " ، والسؤال هو :
- هل سنكرر هذه العبارة إن تشكلت الحكومة العالمية الموحدة وزرعت الشريحة فينا وانتهت الخصوصيات الفردية وصرنا مشاعا تبث تفاصيل حياتنا على الهواء مباشرة؟
أغلب الظن أن علينا أن نؤمن بالحزب الواحد ، حتى تصبح الجنة مأوانا ، على رأي مظفر النواب " فويل للمارق " لأن الحكومة العالمية الموحدة ستحاكمه قدام الدنيا قاطبة وتمنع عنه الأنسولين ورصيده البنكي .
عالم كابوسي هو عالم ما بعد الكورونا .
صباح الخير
٢٤ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا والعيد في يومه الأول ٩٤ :

أمس الأحد انقضى اليوم الأول من العيد . السماء في العاشرة كانت غائمة وسرعان ما هطل المطر بغزارة ، ولا يحدث أن تمطر في نهاية أيار إلا كل عشر سنوات تقريبا . حدث ذلك في عام الاجتياح ٢٠٠٢ وحدث ذلك في العام ٢٠١٠ ، وأعتمد في هذا على الذاكرة الشخصية وذاكرة الفيس بوك .
حركة السيارات في المدينة التي قسمت إلى مربعات بينها حواجز كانت قليلة ، وقليلة جدا كانت الحركة بين المدن في فلسطين ، وليس السبب هو الاحتلال الإسرائيلي ، إنه يعود إلى دواعي الحذر من الإصابة بالكورونا بعد أن شهدت المدن ، في الأيام العشرة الأخيرة ، حالة من النشاط انعدم فيها الحجر الصحي وسادت فيها سياسة القطيع والتربية الإسبارطية ، وبعد أن عاد العمال الفلسطينيون العاملون في المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ إلى مدنهم وقراهم في مناطق السلطة الفلسطينية - أي المحتلة في العام ١٩٦٧.
أجواء العيد وقلة الحركة ذكرتني بأعياد الميلاد في ألمانيا التي عشت فيها أربع سنوات ، ففي أعياد الميلاد تكاد الحركة تنشل ويلتزم الناس في بيوتهم يحتفلون معا في جو أسري دافيء ونادرا ما يخرجون منها . إنهم ينشدون أيضا الدفء في أيام شديدة البرودة ، وفي تلك الأيام غالبا ما كنت في منزل الطلبة وحيدا ، فالطلاب كلهم غادروا إلى بيوت عائلاتهم .
الجو كان ماطرا ومع ذلك فلم يحل دون زيارة قسم من الأقارب في القسم المتاح لنا التحرك فيه من المدينة .
في كل بيت يقدم لك العصير والحلوى والقهوة أو الشاي حسب رغبتك ، وتجود بما تجود به النفس من أموال ، فمنذ وعيت على هذه الدنيا والعيد مرتبط بصلة الرحم والمال ، وأيام كنا صغارا كان السؤال الجاري على اللسان هو :
- كم جمعت من عيديتك ؟
شخصيا أنفقت النصف الثاني من النهار وحيدا أنظر في صفحة الفيس بوك وأتابع ما يصلني من رسائل عبر الماسنجر وأرد عليها وعلى الرسائل الواردة ببريد الرسائل ، وعرفت من رسالة ابنتي أنها رزقت بمولود ثان أسمته وزوجها " فيصل " وصارت العائلة مكونة من 4f - أي فارس وفائزة وفرح وفيصل .
وكما في اجتياح القوات الإسرائيلية لمدينة نابلس في ٢٠٠٢ صارت الحركة داخل المدينة صعبة ، فثمة حواجز أمنية حالت دون الوصول إلى غرب المدينة حيث يقطن بقية أفراد الأسرة الواحدة .
أمس لم أقرأ أية صفحة ولم أفكر في الكتابة ولم أدون أية فكرة لكي أخوض فيها . الذهن صاف ولم تمتد يدي إلى أي كتاب . فقط قرأت المقطع الذي ضمنته مقال الأحد " العيد في زمن الكورونا " لمحمود درويش واضطررت في الحادية عشرة إلى التأكد مما نقلته ، فقد سألني المحامي ماهر فتحي بسطامي عن كلمة " كل على حدة " أهي " كل " أم " كلا " وبحثت عن تخريج لها كما وردت في القصيدة ؛ أهي بدل من المفعول به أم من الفاعل ؟
عبر شريط فيديو أرسله إلي الصديق Ahmad Abusohaib شاهدت مشهد تأبين الصديق محمد عيسى الذي مات بالسرطان . كانت الجنازة جنازة تلتزم بشروط الدفن في زمن الكورونا من حيث قلة عدد المشاركين وارتداء الكمامات ولبس الكفوف.
في اليوم الأول من العيد الكوروني وجدتني مثل الإمبراطور السعيد في قصيدة " في البيت أجلس " ولكني لم اداعب الكلاب ، فلا كلاب حيوانية في بيتي .
في قصيدته " باللون الرمادي " يقول الشاعر العراقي مظفر النواب :
" تهر خلفي كلاب الليل ناهشة
أطراف ثوبي على عظم من المنح
ضحكت منها ومني فهي
يقتلها سعارها وأنا يغتالني فرحي " .
صباح الخير
خربشات
٢٥ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا والمسرحية التي لا بد من أن تنتهي ٩٥ :

في شريط فيديو لا يزيد على ثلاثة دقائق عمم أمس كان ثمة نائب ايطالي يتحدث بلغته عن مسرحية الكورونا التي بدأت في التاسع من آذار وقبل ذلك بقليل ، وقال إن أرقام الموتى بالكورونا المعلنة مفبركة ، وإن أكثر من ٩٦ بالمائة من الأرقام نجم الموت فيها عن أمراض الانفلونزا والقلب ... إلخ .
وأمس أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد اشتية عن العودة إلى حياة طبيعية إلى حد ما في مناطق السلطة الفلسطينية مع بعض حرص وحذر ، وأوحى كلامه كما لو أن الفصل الأخير من المسرحية يوشك على الانتهاء .
في الوقت نفسه عمم شريط فيديو لا تتجاوز مدته خمس دقائق تقول خلاصته إن قصة الكورونا هي مقدمة لفرض اللقاح على البشر وزرع الشريحة في أجسادهم ؛ شريحة آل ID أو 666 التي تحتوي على معلومات تفصيلية عن الفرد وصحته والأمراض التي يعاني منها ورصيده البنكي و .. و .. وبواسطتها يتحكم في مصيره ، والمعلومات تبدو مكرورة ، ومكرورة كتابتها في اليوميات أيضا .
وأمس تم صباحا وطيلة النهار اختراق الحجر الصحي الذي فرض من مساء الجمعة حتى مساء الاثنين وعادت الحياة كما كانت قبل مساء الجمعة ، وفي يوم الجمعة عاد العمال الفلسطينيون العاملون في المناطق المحتلة في العام ١٩٤٨ إلى مدنهم وقراهم ، وهو ما ذكرته من قبل وأكرر ذكره لأنني شاهدت مقابلات مع عدد من العمال أجراها مراسل صحفي لتدرج على صفحة " المنسق " التي تشرف عليها جهة إسرائيلية تشرح فيها ما يجري في مناطق السلطة الفلسطينية وعلاقتها بدولة إسرائيل .
مدح العمال عودتهم وأشادوا بدولة أبناء العمومة وأرباب العمل الإسرائيليين وتمنوا النجاح في معركتهم ضد الكورونا وتمنوا للشعبين ؛ الفلسطيني والإسرائيلي حياة مستقرة هادئة .
شخصيا أعادني شريط الفيديو إلى أعمال أدبية فلسطينية أتى كتابها فيها على حياة العمال ومعاناتهم منذ احتلال ١٩٦٧ وأبرز هذه الأعمال رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي المتشائل " ورواية سحر خليفة " الصبار " و" عباد الشمس " وقصة غريب عسقلاني " الجوع " وكتاب سعاد العامري " مراد مراد " وفيها يصور الكتاب والكاتبات رحلة العمال القاسية في بحثهم عن رغيف الخبز .
هل معاناة العمال في زمن الكورونا كانت أمرا جديدا ؟
ربما كان المختلف في زمن الكورونا هو الصلاة في شكلها الجديد ، فالجوامع التي ستؤدى فيها الصلاة ابتداء من فجر اليوم ستشهد شكلا جديدا في تنظيم الصفوف فلا " رصوا الصفوف " و " لا تتركوا مسافة للشيطان " . " باعدوا بينكم واحضروا سجادة الصلاة معكم وتباعدوا " بدلا من تقاربوا ، وقبل شهرين كان المؤذن يقول :" صلوا في بيوتكم " .
أمس شاهدت شريط فيديو يبث صلاة أهل يافا على شاطئها وكان التباعد الجسدي بين المصلين هو اللافت .
هل كل ما شاهدناه في الشهرين الماضيين كان مسرحية ؟ وهل كان أمس الفصل الأخير منها ؟
ما دوري أنا في اليوميات في هذه المسرحية ؟
ربما أكتب الآن الجزء الأخير منها !
ربما !
صباح الخير
خربشات
٢٦ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا وخلاف إيطالي ، غير لغوي ، مع منظمة الصحة العالمية ٩٦ :

في اليوم الثالث من أيام العيد زرت طمون التي تبعد عن مدينة نابلس حوالي ٢٥ كلم ، وكنت قد انقطعت عن زيارتها عشرين عاما تقريبا ، فرأيتها قد اختلفت كليا ، وآخر مرة مررت بالطريق المؤدي إليها كانت منذ بضع سنوات حيث زرت طوباس لأعطي محاضرة في مكتب وزارة الثقافة عن محمود درويش والمتنبي .
الطريق من نابلس إلى طمون غدت مختلفة ، فقد كثرت المباني وقلت الأراضي الزراعية ، وربما لهذا السبب فكر آل روكفلر و آل روتشيلد في اختلاق الفايروس والشريحة . العالم فاض بسكانه ونابلس خلال عشرين عاما اكتظت بالمباني وازداد عدد سكانها من ١٢٠ ألفا إلى ٤٠٠ ألف وفلسطين التي كان عدد سكانها في العام ١٩٤٨ حوالي مليون مواطن صاروا في ٢٠٢٠ حوالي ١١ مليونا ، صارت دولة ونص دولة ، وعليه قس .
في الطريق قالت أختي إن الفايروس هو باكتيريا ، وهذا هو رأي الطليان الذين رأوا أن منظمة الصحة العالمية أخطأت حين نظرت إلى الست كورونا على أنها فايروس ، فالكورونا ليست كذلك . إنها باكتيريا ، ولطالما اعترض المعترضون على عنوان يومياتي متسائلين لماذا أنثت الفايروس والفايروس مذكر ؟
ولم تشفع لي الأكاديمية الثقافية الفرنسية أمام هجوم بعض القارئات والقراء المدافعين عن المرأة وحقوقها واتهموني بأنني عدو للمرأة غير مقتنعين بما قدمته من أسباب .
هل خلافنا مع الست كورونا خلاف لغوي ؟
الصحيح أنني تذكرت قصيدة الشاعر محمود درويش " خلاف ، غير لغوي ، مع امريء القيس " من ديوانه " لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ " ١٩٩٥ ، فخلافه مع امريء القيس المعاصر / ياسر عرفات ليس خلافا لغويا . إنه خلاف سياسي ، وكذلك خلافنا مع الكورونا . إنه خلاف مصيري ، فهي تهدد الحياة البشرية إن كانت غير مختلقة .
" أغلقوا المشهد
انتصروا
صوروا ما يريدونه من سماواتنا
نجمة ، نجمة
صوروا ما يريدونه من نهاراتنا
غيمة غيمة
غيروا جرس الوقت
وانتصروا... "
ويبدو أن المقطع السابق يجسد ما آلت إليه الأوضاع أول أمس وما ستصير عليه في الأيام القادمة :
شريحة ولقاح وجواز سفر مناعي و ID و 666 وحكومة عالمية واحدة إن لم تقع الحرب بين الصين وأميركا .
وأنا أمر بمنطقة الفارعة وعين الباذان لاحظت ما آلت إليه ، ولاحظت أن هذه المنطقة السياحية في زمن الكورونا بدت شبه مهجورة ، فلو لم نمر بما مررنا به في السبعين يوما الماضية لكانت الطريق تعج بالسيارات ولكان المكان مكتظا بالبشر ، فالمكان سياحي وهو متنفس مدينة نابلس وقراها وبعض المدن القريبة .
سألني ابن أختي ، في العاشرة من مساء أمس ، عما كتبت عن الست كورونا ، فأجبته بأنني أكتب عادة في الحادية عشرة والربع ، وإن كتابتي عن الست كورونا أوشكت على نهايتها فقد أخذت الحياة تعود إلى طبيعتها وإن الكورونا أيضا أفل نجمها ، ولكنه أوضح لي أنها شرشت وصار لها أولاد وأحفاد وأنها قد تعود بعد شهرين أشد وأقوى .
كتبت أول أمس إننا ربما نشهد الفصول الأخيرة من المسرحية .
هل سأواصل الكتابة ؟
لست أدري وقبلي كان إيليا أبو ماضي حائرا ولا يدري ومثلنا المطرب محمد عبد الوهاب الذي غنى " جايين الدنيا ما نعرف ليه " .
صباح الخير
٢٧ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا ومسك الختام ٩٧ :

وأنا عائد ، مساء أمس ، إلى بيتي انتظر السائق حتى تمتليء الحافلة ، - وهي من نوع " شتل " - بالركاب وعددهم سبعة ، خلافا لما ألفناه في الأسابيع الأخيرة حيث منع السائقون من تحميل أكثر من أربعة في سيارة مثل هذه ، وذلك تطبيقا لسياسة التباعد الجسدي ، حفاظا على السلامة وعدم نقل العدوى ، وعندما سألت السائق إن كان يغامر فيما قام به ، أجابني بأن الجهات المختصة أصدرت قرارا يقضي بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل سياسة الحجر الصحي ، وذلك اعتبارا من غد ، ونحن قررنا أن ننفذ القرار منذ الثالثة عصرا - أي قبل الموعد .
لم يخل الحديث في الحافلة من الإتيان على فترة الحجر الصحي ومعاناة المواطنين وعدالة توزيع المساعدات وعدمها وفقر الناس وحاجتهم ، وعبر السائق عن فرحه لانتهاء المرحلة الطارئة :
- " اتركونا نشتغل ولا نريد منكم شيئا " خاطب الحكومة من خلال حديثه إلينا .
صباح أمس أصغيت إلى قاريء القرآن عبد الباسط عبد الصمد يقرأ الآية ( إن أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ، فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ) ووجدتني أتذكر آل روتشيلد و آل روكفلر والأشرطة التي استمعت إليها وأتت على ذكرهم وذكر ( بيل غيتس ) أيضا .
كما لو أن العائلتين لهما ال ٩٩ نعجة ولبقية سكان المعمورة نعجة واحدة تسعى العائلتان ، من خلال الكورونا وتبعاتها ، للحصول عليها .
هل ذكرتني الآية الكريمة ب آل روتشيلد و آل روكفلر فقط ؟
هل تذكرت شركة الاتصالات مثلا ؟
هل تذكرت السلطات الحاكمة في كثير من البلدان العربية ؟
هل تذكرت الدولة العبرية منذ تأسيسها حتى اللحظة وحديثها عن ضم مناطق من الضفة الغربية في شهر تموز ؟
وخيل إلي أن لسان حال المذكورين أعلاه هو لسان حال جهنم في القرآن الكريم " هل من مزيد ؟ "
هناك مثل شعبي غالبا ما أكرره في بعض المناسبات وهو " من فقرنا زيدوا غناكم " ، وهناك قول لجبران خليل جبران قرأته في مقال له عنوانه " مستقبل اللغة العربية " أتى فيه على سياسة أميركا ونصه " من معه يعطى ويزاد ، ومن ليس معه يؤخذ منه " ، و آل روكفلر و آل روتشيلد ، والحمد لله ، معهم ، ومع ذلك وحسب سياسة بلدهم يجب أن يعطوا ويزادوا ، ويجب أن يتخلص من الفقراء .
أحيانا أنا أبدو أنهج نهجا أميركيا ومثلي كثيرون من أساتذة الجامعات حيث ندرس مساقات إضافية ونحرم منها من لا وظيفة لهم .
وهذه حكاية سوف أكتب عنها فيما أكتبه من حلقات تحت عنوان " أنا والجامعة " .
يا للعار !
اعتبارا من أمس قالت السلطة الفلسطينية للست كورونا :" باي باي " ، وبقي أن تفتح المعابر ونزور مدن يافا وحيفا وعكا ونشارك في المؤتمرات ويا دار ما دخلتك كورونا .
لعل هذه الحلقة هي مسك الختام .
الأشياء بخواتيمها والألمان يقولون :
Ende Gut alles Gut
٢٨ أيار ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا : استدراك ٩٨ :

" أجت الحزينة تفرح ما لقيتلهاش مطرح " يقول مثلنا الشعبي ، وكنت أود أن أبدأ صباح أمس بقدر من الفرح ، فالحياة عادت إلى طبيعتها وانتهت الظروف التي مررنا بها منذ منتصف آذار ، فلا يوجد حجر صحي ولا مقاه أو مطاعم مغلقة ، ووسائل المواصلات عادت تتحرك دون شروط ، ولكن أخبار الصباح من إذاعة " أجيال " تمحورت في معظمها عن الكورونا في العالم ؛ في أميركا والبرازيل ودولة أبناء العمومة المصونة " إسرائيل " ، بل وعن اكتشاف حالة إصابة جديدة في مدينة قلقيلية ومحيطها .
في المدينة زرت الشيخ داوود مكاوي صاحب مكتبة " الرسالة " وكان الحديث كله بيننا ، أنا وهو وزائران ، يدور حول " الكورونا " فتحدثت بطلاقة من ألف كتابا في الموضوع على مدار تسعين يوما وأكثر " يوميات الست كورونا " ولم يتوصل إلى قرار أو رأي يتكيء عليه .
" أنا في حيص بيص بخصوص ما عشته منذ توقفت أمام فايروس كوفيد ١٩ ، وكلما قرأت أكثر وأصغيت إلى أشرطة فيديو أكثر ازددت حيرة " وهو ما كتبته تعقيبا على استفسار الناشط خليل حمد مساء أول أمس .
ما إن بدأ أحد الزوار يحرك يديه تحريكا ذا دلالة حتى تركت الجلسة وذهبت إلى موعد مع كامل ياسين لنلتقي في مقهى " خان الوكالة " لأبدي رأيي في رسالة الماجستير التي أعدها وانتهى من كتابتها ، بحكم كوني مشرفا ، حتى تتم مناقشتها . إنه نموذج التعلم عن بعد ، وقد صار في المقهى عن قرب ، واستبدلنا المقهى بالجامعة ، علما بأن المقاهي عادت تستقبل زوارها منذ بضعة أيام فقط .
في المقهى جلست مع صديق قديم تعرفت إليه في عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين يوم كان نشيطا من نشطاء الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين . لم يبق من فلسطين إلا بمقدار ما بقي من الجبهة الديموقراطية وعما قريب ، حين تضم إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية إلى دولتها المصونة ، سنصبح دولة ابارتهايد .
في مقهى " خان الوكالة " عقمت يدي ولاحظت الموظفين يرتدون الكفوف وينتظرون الزبائن وكان الأخيرون يترددون على المقهى بفرح وبلهفة العاشق إلى معشوقه بعد غياب ثلاثة أشهر .لماذا لم تصدح في المقهى قصيدة محمود درويش بصوت مارسيل خليفة " ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا " ؟ ولماذا لم يكن الشاعر ينشدها بصوته ، فهي خير تعبير عن حالتنا ونحن جلوس ؟
آخر أجواء عيد الفطر كانت تلاحظ في المدينة ، والنسوة كن يتبضعن وينفقن ما تجمع لديهن من نقود ك " عيديات " ، وآخر الرسائل التي وصلتني تمحورت حول أوضاع السلطة الفلسطينية في الشهرين القادمين .
هل بدأت حقا مظاهر انهيار السلطة ؟
هل سيبدأ حصار الرئيس أبو مازن ؟
وهل سيحاصر في المقاطعة كما حوصر الرئيس أبو عمار في ٢٠٠٢ ؟
ربما نحن على عتبة سبع سنوات عجاف ، وقد آن أوانها .
صباح الخير
خربشات
٢٩ أيار ٢٠٢٠ .

***

- الست كورونا : استدراك ثان ٩٩ :

صارت الكورونا لنا في فلسطين حدثا عابرا ، فلم تعد تشغلنا أخبارها كثيرا وعدنا إلى ما نشأنا عليه منذ ولادتنا وولادة آبائنا وربما ولادة أجدادنا وهو مستقبلنا في بلادنا في ظل الهجمة الصهيونية التي بدأت قبل العام ١٨٨٢ بقليل .
خفتت أشرطة الفيديو التي تأتي على الكورونا ونشأة الفايروس والقصد منه ومواجهته وانشغلنا بضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية ومصير السلطة الفلسطينية ومستقبل الدولة العبرية والصراع القومي في قادم الأيام .
شخصيا تذكرت قصة الهنود الحمر وإبادة الرجل الأبيض لهم وما كتبه السوري منير العكش في الموضوع وقصيدة محمود درويش " خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض " ، وهذا التذكر قادني أيضا إلى معسكرات الاعتقال والإبادة التي أقامها النازيون ومن قبلهم الإنجليز .
وأنا جالس إلى جانب عجوز ألماني في الباص متجها إلى ميونيخ دار حديث بيننا عن فلسطين والنازية ومعسكرات الإبادة فأخبرني أن الإنجليز كانوا أسبق من الألمان في إقامتها .
ما صلة كل ما سبق بالكورونا ؟
هل سيقاد كل من يرفض اللقاح إلى معسكرات اعتقال ؟
هل حقيقة سيتخلص من مليارات البشر ؟
إن كان الزعم صحيحا ، فمعنى ذلك أن الرجل الأبيض سيمارس ما مارسه أجداده حين اكتشفوا القارة الأميركية - أي سلخ جلدنا وقطع رؤوسنا ، وعلينا أن نعد خطبتنا الأخيرة أمام آل روتشيلد و آل روكفلر .
قادتني الست كورونا إلى تأملات عديدة منها البحث عن الفارق بينها وبين الطاعون مثلا.
في أثناء قراءة ما كتب من أعمال أدبية عن الطاعون لم ألاحظ أنه كان عنصريا يميز بين غني وفقير وبين أبيض وأسود ، فقد كان يختار ضحاياه من هؤلاء كلهم ، فهل الكورونا كذلك ؟
إن صحت قصة المليار الذهبي والمليار العبيد ، فمعنى ذلك أن الفايروس سيكون عنصريا بامتياز .
وأنا أكتب اليوميات هذه تساءلت إن كنت ساردا كلي المعرفة - السارد الإله ، أو ساردا محايدا - السارد الكاميرا ، أو ساردا جزئي المعرفة - حفظت شيئا وغابت عني أشياء ، على رأي " أبو نواس " وهو ما كتبته معقبا على كلام الأستاذ خليل حمد حين طلب مني إبداء رأي في موضوع الكورونا .
وأمس طلب مني الصحفي Kamal Al Rawagh أن أكتب عن الكورونا في القسم الثاني من الوطن - أي غزة ، ما جعلني أوضح له أنني لا أكتب إلا عما أشاهده وأعيشه وما يترك تأثيرا كبيرا علي ، وأن هناك من أبناء غزة من يكتب عن الكورونا فيها - وقاها الله منها - وللصدفة فقد قرأت خبرا أن نتيجة فحص ١٢٧ شخص في غزة قالت إنهم خلو من الإصابة - دقوا على الخشب فالحصار يكفي.
أمس تم اكتشاف حالات جديدة مصابة بفيروس كوفيد ١٩ ، ومع ذلك لم تشغل الرأي العام الفلسطيني ، فكورونا أبناء العمومة هي الأخطر ، وهي كورونا عنصرية.
أطرف شريط فيديو وصلني أمس كان يحتوي على صورة امرأة جميلة فاتنة سافرة تنشر ملابس داخلية لها وأعلى من صورتها مثل لبناني نصه " إن ما عندك هيك جارة اترك الحارة " ، وأنا أقيم في حي سكانه محافظون . هل يطلب مني الصديق علي رافع أن أترك حارة الفقراء والمساكن الشعبية الشرقية ؟
صباح الخير
خربشات
٣٠ أيار ٢٠٢٠

***

- الست كورونا : استدراك ثالث : حذر وريبة وتخوف ١٠٠ :

هل تسرعت بعض الدول ومنها دولة أبناء العمومة وسلطتنا الوطنية الفلسطينية في إصدار قرار بعودة الحياة إلى طبيعتها ؟
أمس قررت الدولة اليهودية ، كما ترغب هي أن تكون ، أن تمنع الطلاب من الذهاب إلى المدارس بسبب اكتشاف حالات جديدة مصابة بفيروس كوفيد ١٩ ، وفي منطقة قلقيلية التابعة للسلطة لم يؤد طلاب التوجيهي الامتحان الأول ، خلافا لأقرانهم في مناطق أخرى ، وتم تأجيله إلى وقت لاحق ، ومثل هذا لم يحدث من قبل . إنه عام كوروني حقا .
نابلس كانت مزدهرة وفلسطينيو الداخل زاروا المدينة وتبضعوا ، كعادتهم قبل فرض الحجر الصحي .
في السوق المزدحمة التقيت بسائق سيارة " شتل " يعمل على خط جامعة النجاح الوطنية القديم ، وقد سألته عن صحته وعمله وأحواله ، فأجابني إنه لم يعمل منذ بداية الحجر وأن الوضع سيبقى على حاله في الفصل الصيفي إن لم يمتد للفصل الدراسي الأول من العام ٢٠٢٠ / ٢٠٢١ - يعني " أكلنا هوا " قال السائق وأخبرني أنه لم يحصل على مبلغ ال ٧٠٠ شيكل .
في محل شي اللحمة شوى لي صاحبه نصف كيلو دجاج ، ولاحظت أن بلدية نابلس أخذت ترمم بعض المباني في سوق الحدادين ، ولم يكن محل الشواء مكتظا .
لأول مرة أدعى إلى الاحتفال بعرس في زمن الكورونا .
عادت المياه إلى مجاريها ، ولكنني كنت متوجسا وقلقا وحذرا . العرس هو لابنة أختي ومكان الاحتفال هو صالة الماسة ، وكان لا بد من المشاركة ولو رمزيا .
لم أدخل الصالة ولم أمكث في المكان ، فأنا الآن أنهي عامي السادس والستين وكثيرون يحذرون من هم في سني من الاختلاط والتردد على الأماكن العامة .
والصحيح أنني بدأت أقلق مما نمر فيه . أمس شعرت بالخواء والهزال الجسدي ، كما لو أن الكورونا ستصيبني بالعين لا باللمس ، فهل سأكون في الليلة المائة مثل الشنفرى :
دعست على غطش وبغش
وصحبتي سعار وارزيز ووجر وأفكل .
الأجواء ما زالت باردة متذ أربعة أيام تقريبا ، ويبدو أن وراء كل موجة حر موجة مطر وبرد .
نحن الآن في الأول من حزيران ، ولي نص سيري عنوانه " حزيران الذي لا ينتهي " وهو أشبه بسيرة ذاتية وأدبية لسنوات من حياتي هي السنوات من ١٩٦٧ حتى ١٩٨٢ . هل ما أكتبه هنا تحت عنوان " الست كورونا " شبيه بما كتبته قبل عامين تقريبا عن شهر حزيران ؟
نحن مقبلون على صيف حار من حيث الطقس ومن حيث ضم مناطق من الضفة الغربية إلى الدولة المصونة ومن حيث البطالة .
كان الشنفرى قرر أن يقتل مائة من بني سلامان ، حين عرف أنهم سبوه صغيرا وعايروه بهذا كبيرا ، ويقال إنه قال ٩٩ ولم يوف بنذره ، إذ كمن له جماعة من بني سلامان وأردوه قتيلا وظلت جمجمته في الصحراء ، ومر بجمجمته شخص من بني سلامان فضرب الجمجمة برأسه وهنا تكتمل الحكاية ، إذ يقتل عظمها الرجل المائة وهكذا يوفي الشنفرى بوعده .
صباح الخير
خربشات
١ حزيران ٢٠٢٠


>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
- يوميات الجزء الأول من 1 إلى 60
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

الست كورونا للبروفيسور عادل الأسطة .. يوميات مشوقة زادتها هموم التوجس والخوف من الغيب والاشجان اليومية المتشظية المجتزأة من الروتين اليومي الذي يفرضه قسرا الحجر الصحي ، تتجول بنا هذه اليوميات عبر التاريخ النضالي الطويل للشعب الفلسطيني والتحولات السياسية والاقتصادية ، وأخبار التدريس والتحصيل والوطن والشتات ، والعلاقات الاجتماعية ، والعيش تحت نير الاحتلال ، وتذكر الأهل والخلان واستحضارهم من بين تلافيف الذاكرة الحرون، والمواقف الطريفة ومآسي الوباء ومثالبه ، حيث يختلط الواقع المرير بالسخرية ، ولعل اجمل انتصار على الازمات هي مقابلتها بالسخرية والتهكم والدعابة السوداء ، وهي مواقف واجهتنا في العديد من القصص والحكايات والكتب والروايات حيث يستعين ابطالها بالسخرية لتصريف الازمة ونسيانها والانتصار عليها، إذ كلما ازداد عمق الاشياء اتسعت مساحة السطح
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...