دينيار باتل - أربعة دروس من التاريخ.. ترجمة: جمال جمعة

الأوبئة، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية، تؤثر بعمق على مسار التاريخ. فلنتأمّل بعض الأمثلة. لقد أهلك الجدري، والملاريا، والإنفلونزا أغلب السكّان الأميركيين الأصليين بعد الاتصال الأوروبي في القرن السادس عشر، ممهداً الطريق للاستعمار الغربي للعالم الجديد. الحمّى الصفراء ساهمت في تراجع مدّ الثورة في هايتي في بداية القرن التاسع عشر. بعد أكثر من مئة عام، تحولت الإنفلونزا الإسبانية إلى مقاتل فتّاك في خنادق الحرب العالمية الأولى. كما ينسب بعضُ العلماء أزمة فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز في الثمانينيات إلى دفع حركة حقوق المثليين إلى التيار السياسيّ العام.
سوف يكون لكوفيد 19 آثاره السياسية الدائمة. التاريخ يقدم لنا دروسًا عن كيفية تغيير الأوبئة للمجتمعات، والكيفية التي تترك فيها الأمراض بصماتها على البنية الاجتماعية والسياسية في العالم. ها هنا أربعة دروس من هذا القبيل للأخذ بعين الاعتبار.

تأجيج العنصرية والتعصب الأعمى
أولاً: تؤجج الأوبئة العداء للمهاجرين والتعصّب العنصري. تلميحات دونالد ترامب إلى “الفيروس الصيني” لها أصداء خافتة في القرن التاسع عشر، عندما دمرت الكوليرا (التي اُطلِق عليها اسم “الكوليرا الآسيوية” في الصحافة) العالمَ في عدة موجات. دبلوماسيون أوروبيون، كانوا يبحثون عن أشخاص لاتهامهم بالتسبب في نقل المرض، خصوصاً الحجاج المسلمين الذاهبين إلى مكة، على الرغم من توافر العديد من النواقل القوية الأخرى التي تسببت في ذلك.
آخرون وجهوا أصابع الاتهام إلى الهنود، منذ أن نشأت الكوليرا في البنغال. الزهّاد الهندوس ذوو “الخِرَق والشَّعر والجِلد المحمل بالقمل والمشبّع بالعدوى”، كما يسخر دبليو هنتر، وهو مسؤول استعماري بريطاني بارز، في عام 1872، “قد يقتل في كل عام الآلاف ممن هم الأكثر موهبة والأجمل في عصرنا في فيينا، أو لندن، أو واشنطن”. إن “إهمالهم يهدد حياةً أكثر قيمة من حياتهم”.
كان لفكرة أن الهنود أو المسلمين قذرون، ومن ثم هم مرشّحون مثاليون لحمل الأمراض، عواقب سياسية دائمة، وشكلت سياسة الهجرة والسفر.
على الجانب الأخر من المحيط الأطلسي، صاغ السكان الأمريكيون مبادئ الصحة العامة كحجة ضد هجرة مختلف الناس، بما فيهم الروس ويهود أوروبا الشرقية.
خلال تفشي وباء الكوليرا في عام 1892، الذي حاصر الموانئ الأوروبية التي تنقل المهاجرين اليهود غربًا، تصارخ مواطنوها الأصليون من أجل إغلاق الحدود. “إن هؤلاء الناس مؤذون بما فيه الكفاية في أحسن الأحوال؛ وتحت ظل الظروف الحالية، فإنهم يشكلون تهديداً مؤكَّداً على صحة البلاد”، حسب تعليق صحيفة نيويورك تايمز. كان بنيامين هاريسون أول رئيس للولايات المتحدة يحظر الهجرة بواسطة أمر تنفيذي، والذي استمر حتى أوائل عام 1893.

التسبب في الاضطراب الاجتماعي
يشير تفشّي الكوليرا في القرن التاسع عشر إلى النتيجة الثانية للأوبئة: الاضطراب الاجتماعي. يشير صموئيل كوهن، الأستاذ في جامعة غلاسكو الإسكتلندية، إلى أن الثورات الشعبية ازدهرت في أعقاب تفشي الكوليرا في جميع أنحاء العالم من ثلاثينيات القرن التاسع عشر وحتى عشرينيات القرن العشرين.
هزّت “أعمال شغب الكوليرا” مدنًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، وفي بعض الأحيان كانت تتلاقح مع حركات الإصلاح السياسي. في مدينة دونيتسك في أوكرانيا، أحرق المتظاهرون المدينة بأكملها وجعلوها ركاماً فوق وجه الأرض خلال وباء عام 1892.
استهدف مثيرو الشغب بانتظام النخب والسلطات السياسية. ومما يثير القلق أن كوهن اكتشف أن الأطباء والعاملين في الحقل الطبي قد عانوا أيضاً من وطأة العنف. اعتقد الكثير من الناس (الجاهلون لطبيعة انتقال الأمراض، والمفزوعون من معدلات الوفيات العالية في مستشفيات الكوليرا) أنّ العلوم الطبية هي أداة النخب لإبادة قطاعات واسعة من الفقراء.
عندئذٍ، وكما هو الحال اليوم، أسقط الناس من حسابهم المشورة الطبية والأخصائيين، مستهدين بالشائعات والأقاويل. لقد قاوموا أو تملصوا من الحجر الصحي، بحثًا عن العزاء في الدين أو التقاليد كعوامل أكثر فعالية ضد المرض.

إثارة الحركات السياسية
مع أخذ “تمرّدات الكوليرا” في نظر الاعتبار، نصل إلى درس تاريخي ثالث: تجنح الأوبئة إلى تحفيز الحركات السياسية، خاصة الحركات الراديكالية. تأمّل وباء الطاعون الذي اجتاح غرب الهند في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر. السلطات الاستعمارية البريطانية ردت بإجراءات بالغة القسوة عملت على تنفير شريحة واسعة من الرأي السياسي الهندي. حتى أصحاب الأصوات المعتدلة، من أمثال جوبال جوكهال (سياسي هندي ليبرالي)، والذي حافظ على قدر ما من الإيمان بالعدالة البريطانية، أضحى يقارن وقتها علناً بين الراج (الحكم البريطاني) والاستبداد الوحشي للقياصرة الروس.
كان الرد الاستعماري التعسفيّ بمثابة دفعة للسياسات الثورية في الهند. في عام 1897، في نفس اليوم الذي احتفلت فيه الملكة فيكتوريا بيوبيلها الماسيّ في لندن النائية، أطلق ثوريّان هنديّان النار على مفوّض لجنة الطاعون البريطانية في مدينة بوني. دفع الحادث بالقوميين المتطرفين، مثل بال تيلاك (قومي وصحفي هندي)، إلى دائرة الضوء الوطنية. تيلاك، الذي قد تكون كتاباته ضد اجراءات الطاعون قد ألهمت القاتلين في بوني، تم سجنه بتهمة التحريض على العصيان، لكنه خرج من السجن كبطل.
أدت إجراءات الطاعون، والاغتيال، ومحاكمة تيلاك إلى تسريع التصدعات بين المعتدلين والراديكاليين في حزب المؤتمر الوطني الهندي. بحلول عام 1903، اعترف مؤسس حزب المؤتمر الشجاع، سكوتسمان هيوم، بأنه قد فقد الثقة في الأساليب الدستورية لإصلاح الراج. وأنه لم يعد يرى سوى “محيطات من الدم” في مستقبل الهند. في الوقت نفسه، أثار الطاعون وردّات فعل الحكومة الاستعمارية معاداة الإمبريالية في بريطانيا. انضم السياسيون الاشتراكيون مثل هنري هيندمان، الذي أسس أول حزب اشتراكي في بريطانيا، إلى الثوار الهنود في مناصرة الثورة العنيفة ضد الحكم البريطاني. قام هندمان بوصم الملكة فيكتوريا على أنها “ملكة الموت الأسود».

الربط بين العوالم
ربما يكون الطاعون في تسعينيات القرن التاسع عشر قد وصل إلى الهند لأول مرة عن طريق سفينة من هونغ كونغ، مما يبرهن لنا كيفية انتشار المرض مع ازدياد الربط بين العوالم. وهذا ينقلنا إلى الدرس الختامي من التاريخ: الأوبئة، وهي سمة أكيدة من سمات العولمة، يمكنها أيضًا تسريع العولمة. واليوم، مع إغلاق الحدود الوطنية ومكوث الطائرات على نحو مهمل في المطارات المهجورة، قد يكون من المُغري النظر إلى الوباء على أنه انتكاسة للتكامل العالمي.من المرجح أن تكون هذه النكسة مؤقتة للغاية. لا الكوليرا ولا الطاعون خلال القرن التاسع عشر، ولا الإنفلونزا الإسبانية في القرن العشرين، استطاعت وضع الحواجز في طريق العولمة. على الرغم من أن الأوبئة أوقفت في بعض الأحيان الهجرة “غير المرغوب فيها”، إلاّ أن التجارة العالمية ورحلات النخب استمرت بسرعة.
ساعدت الأوبئة، في الواقع، على توليد سبل جديدة للتعاون العالمي، مثل مؤتمرات الصحة الدولية، التي بدأت في عام 1851. هذه المؤتمرات جمعت دبلوماسيون وخبراء طبيون من جميع أنحاء العالم.
تعتقد فاليسكا هوبر، وهي مؤرخة من جامعة برلين الحرة، أن المؤتمرات كانت “المحاولة الأولى لمعالجة مشكلة انتشار المرض من خلال التعاون الدولي”. لقد كانت ريادة مبكّرة بعيدة النظر من قبل منظمة الصحة العالمية، وإجابة من القرن التاسع عشر على نفس الأسئلة التي تتعلق بالسيطرة العالمية على الوباء التي تواجهنا اليوم.
العداء للمهاجرين، الاضطرابات الاجتماعية، والتطرف السياسي، والعولمة، هذه كلها مزيج قوي ومتناقض إلى حد ما من القوى المتنوعة. لا شك في أن قوى أخرى ستلعب دورها أيضاً. إن التاريخ بعيد كل البعد عن الطريقة المثالية للتنبؤ بالمستقبل، ولكنه يشير إلى أننا نعيش في بعض الأوقات المثيرة للاهتمام.

* دينيار باتل: أستاذ تاريخ مساعد في جامعة جنوب كارولينا، ومؤلف كتاب: ناوردجي، رائد القومية الهندية.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...