ادورد وليم لين - 44 - المصريون المحدثون.. شمائلهم وعاداتهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر .. للأستاذ عدلي طاهر نور

تابع الفصل الثالث عشر - الأخلاق

يمكن أن نعزو ميل المصريات إلى الذات الشهوانية وفساد أخلاق الكثيرات منهن إلى عدة أسباب ينسب بعضها إلى المناخ والبعض الآخر إلى حاجتهن إلى التعليم المناسب والتسلية البريئة والاشتغال بعمل. ولكن ذلك يرجع على الأكثر إلى سلوك الأزواج أنفسهم، وهو سلوك أكثر خزيا لهم من الصرامة الشديدة التي يستعملونها في تنظيم الحريم. فجميع الأزواج في مصر يسعون إلى تحريك شهوة نسائهم بكافة الوسائل التي في قدرتهم، مع أنهم في الوقت ذاته يكدون ويثابرون لمنع زوجاتهم من إشباع هذه الشهوة بطريق يخالف الشرع. وهم يسمحون للنساء بالإصغاء من وراء الشبابيك إلى الأغاني الخليعة والروايات الفاحشة التي ينشدها في الشارع رجال يؤجرون لذلك، كما يسمحون لهن بمشاهدة رقص (الغوازي) الشهواني (والخولات) المخنثين. ويأذنون للغوازي، وحرفتهن الدعارة، بدخول حريم الأغنياء، لا لتسلية السيدات بالرقص فحسب بل لتعليمهن الفنون الشهوانية. وقد يجلب أحياناً لتسلية الحريم دمى لا حشمة فيها

روى لي عن كيد المصريات حكايات لا حصر لها. أذكر نموذجاً منها القصة التالية وقد حدثت أخيراً: تزوج نخاس شابة جميلة من هذه المدينة، وكان يملك مالاً يهيئ له عيشاً رغداً، ولكنه فقد أكثره، فكان له في ثروة امرأته عوض. ولم يلبث الرجل مع ذلك أن أهمل زوجه. ولكنه كان قد قضى عهد الشبان فلم تكترث زوجه لذلك، ومالت إلى رجل آخر يعمل زبالا وكان قد تعود الحضور إلى منزلها. فاشترت لهذا الزبال دكاناً بجانب المنزل ونفحته مبلغاً من المال يصلح من شأنه. ثم أخبرته أنها ابتكرت طريقة ليزورها ف اطمئنان تام. وكان لحريمها شباك بمصراعين قامت أمامه على قرب منه نخلة تعلو المنزل، فلاحظت أن الشجرة تقدم لعشيقها وسيلة للوصول إلى غرفتها والهرب منها وقت الخطر. وكان لها خادمة واحدة تعهدت بمساعدتها على تحقيق رغباتها. وفي اليوم السابق لأول زيارة لعشيقها أمرت خادمتها أن تخبر الزوج بما سيحدث في الليلة التالية. فعزم الزوج على مراقبة زوجه، وأخبرها أنه لن يعود إلى المنزل تلك الليلة، ثم اختبأ في غرفة سفلى. ولما جن الليل جاءته الخادمة تخبره بحضور الزائر إلى الحريم فصعد إلى أعلى ولكنه وجد باب الحريم مقفلاً. وعندما حاول فتحه صرخت زوجه، وحينئذ هرب عشيقها من الشباك عن طريق النخلة. واستغاثت الزوجة بجيرانها وأخبرتهم أن لصاً في دارها. ولم يلبث أن حضر كثيرون منهم فوجدوها قد أوصدت باب غرفتها على نفسها وزوجها في الخارج، فأخبروها أن ليس بالبيت غير زوجها وخادمتها، فقالت إن من يدعونه زوجها هو اللص لأن زوجها يبيت خارج المنزل. فأخبرهم الزوج حينئذ بما حدث وأكد أن رجلا معها، وكسر الباب وبحث في الغرفة ولكنه لم يجد أحداً. فلامه الجيران وشتمته زوجته لافترائه عليها. واصطحبت في اليوم التالي اثنين من جيرانها الذين حضروا على صراخها ليشهدا أن زوجها قذفها في عرضها واتهمته في المحكمة إنه رمى امرأة عفيفة دون رؤية أو شهود. فحكم عليه بثمانين جلدة تبعاً لشريعة (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة). وطلبت الزوجة بعد ذلك من زوجها أن يطلقها فرفض. وعاشا معاً ثلاثة أيام بعد هذا الحادث في سلام. وفي الليلة الثالثة دعت الزوجة عشيقها ليزورها وقيدت زوجها يديه ورجليه أثناء نومه وشدته إلى حشيته. وجاء عشيقها فأيقظ الزوج وهدده بالموت العاجل أن صاح. ومكث مع الزوجة ساعات في حضوره. ولما خرج المعتدي فكت الزوجة وثاق زوجها، فنادى الجيران وأخذ يضربها بقسوة وهي تستغيث. وحضر الجيران ورأوه هائجاً، فلم يشكوا في قولها أن الرجل مجنون. فخلصوها من قبضته وهم يحاولون تهدئته بالكلام اللطيف ويدعون الله أن يشفيه. وأسرعت الزوجة باستدعاء رسول القاضي وذهبت معه هي وزوجها وكثير من الجيران الذين شاهدوا الحادث إلى القاضي. وأجمع الجيران على أن الزوج مجنون فأمر القاضي بوجوب إرساله إلى المارستان. ولكن الزوجة تكلفت الشفقة والتمست السماح لها بتقييده في غرفة من غرف منزلها حتى يمكنها أن تخفف من آلامه بالاعتناء به. فوافق القاضي مثنياً على عطف المرأة وداعياً الله أن يكافئها. وحصلت الزوجة بعد ذلك على طرق من حديد وسلسلة من المارستان. وقيدت زوجها في حجرة سفلى من المنزل. وجعل عشيقها يزورها كل ليلة في حضور الزوج. ثم تلح عليه بعد ذلك ليطلقها بلا جدوى. وكان الجيران يحضرون يومياً للسؤال عنه. فيشكو لهم من امرأته ويتهمها فلا يجيبونه بغير قولهم: (شفاك الله! شفاك الله!) واستمر هكذا شهراً فلما تبين للزوجة إصراره على الرفض أرسلت في طلب حارس من المارستان لينقله إليه. والتف الجيران حوله عند خروجه من المنزل وصاح أحدهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله! شفاك الله!) وقال آخر: (يا خسارة. . . كان رجلا فاضلا حقا!) وقال ثالث ملاحظاً: (حقاً. . . إن الباذنجان كثير الآن!. . .) وأخذت الزوجة تزور زوجها كل يوم في المارستان ملحة في طلب الطلاق وهو يرفض. فتقول له: (ستظل إذن مقيداً حتى تموت، وسيأتي عشيقي عندي على الدوام!) وأخيراً رضى الزوج بالطلاق بعد حبس سبعة أشهر. فأخرجته من المارستان ونفذ وعده. وكان عشيق الزوجة من طبقة دون طبقتها فلا يمكن أن يكون زوجاً لها فبقيت عزبة وظلت تستقبله متى تشاء. غير أن الخادمة كشفت عن حقيقة الأمر. ولم يلبث الحادث أن أصبح حديث الناس.

تتعرض الزانية إذا كانت زوجة لثري أو لذي منصب، كما يتعرض عشيقها، لأهوال عظيمة. وقد حدثا أخيراً أن انتهزت زوجة أحد ضباط الجيش الكبار فرصة غياب زوجها عن العاصمة، فدعت لزيارتها تاجراً مسيحياً اعتادت أن تشتري منه الحرائر. فذهب التاجر إلى منزلها في الوقت المعين فوجد عند الباب أحد الأغوات قاده إلى منزل آخر وجعله يتنكر في ملابس سيدة. ثم عاد به وأدخله على سيدته. وقضى التاجر الليل كله تقريباً في بيت المرأة، ثم نهض قبل أن تستيقظ وأخذ في جيبه كيس نقود كان قد أعطاه إياها. ونزل إلى الأغا ليقوده مرة أخرى إلى المنزل الذي تنكر فيه.

فاسترد ملابسه وقصد دكانه. ولم تلبث السيدة التي افتقدت الكيس أن ذهبت إليه واتهمته بأخذه. ثم أخبرته إنها لا تريد نقوداً ولكنها تبغي رفقته فقط. ورجته أن يعود إليها في الليلة التالية، فوعد بالحضور. غير أن إحدى خادمات السيدة حضرت إلى دكان التاجر عصراً وأخبرته أن سيدتها مزجت بعض السم في الماء لتقدمه إليه. ويقال أن المرأة كثيراً ما تختار هذه الطريقة لتنتقم من عشيقها لأقل إهانة.

يندر أن ترتكب الزوجة المسلمة الزنا دون أن تعاقب بالموت إذا شهد على الواقعة أربعة شهود. ويرفع الشهود أو الزوج دعوى الزنا. وقلما تنجو الزانية من العقاب إذا ضبطها أحد الضباط. فلا يلزم في الحالة الأخيرة شهود أربعة، وإنما تعدم المرأة سراً، إذا كانت من عائلة محترمة، تحت سلطة الحكومة الاستبدادية. غير أن الرشوة قد تخلصها أحياناً لأنها تقبل دائماً إذا لم يكن هناك خطر. وتكاد عقوبة إغراق الزانية تحل الآن محل الرجم في القاهرة وغيرها من مدن مصر الكبيرة.

ويحكى أن امرأة فقيرة من هذه المدينة تزوجت من بائع طيور؛ وبينما هي تعيش مع زوجها وأمها في سكن، اتخذت ثلاثة مساكن أخرى وتزوجت ثلاثة أزواج آخرين كانوا جميعاً يتغيبون عن القاهرة. وحسبت هكذا إنه يسهل عليها إذا جاء أحد الثلاثة إلى المدينة لبعض أيام أن تجد عذراً للذهاب إليه. ولكن حدث لسوء حظها أن قدم الثلاثة في اليوم نفسه وذهبوا في مساء ذلك اليوم يسألون عنها في منزل أمها. فارتبكت لحضورهم معاً ولوجود زوجها الأول أيضاً. فتظاهرت بالمرض وسريعاً ما تصنعت الإغماء، فحملتها أمها إلى غرفة داخلية. واقترح أحد الأزواج إعطاءها شيئاً يقويها. وأراد آخر تجربة دواء مختلف. وأخذ الجميع يتناقشون في أي الأدوية أفضل. وقال أحدهم: (سأعطيها ما يحلو لي. أليست امرأتي؟) فصاح الآخرون في صوت واحد: (امرأتك! إنها امرأتي) وأثبت كل منهم زواجه. فقدمت الزوجة إلى المحكمة وحكم بإدانتها وقذف بها في النيل. وقد حدث حادث مشابه لهذا أثناء زيارتي الأولى فقد تزوجت امرأة ثلاثة من جنود النظام، فدفنت في حفرة إلى صدرها وأعدمت بالرصاص

عدلي طاهر نور



مجلة الرسالة - العدد 490
بتاريخ: 23 - 11 - 1942

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...