و يبقى المعلم كبيرا أيها الصغار

و يبقى المعلم كبيرا أيها الصغار​
" العلم نور"... عبارة لطالما رددناها و لطالما زينا بها صفحات كراساتنا و جدران مدارسنا، لكن كعادتنا نحن المتخلفون نقف عند حدود الألفاظ دون أن نتجاوزها لنبعث فيها الحياة. لقد مر العمر مسرعا فاتضح الظلام، لعلهم نسوا أن يشحنوا بطارية العلم فما شع النور في بلداننا.
كثيرا ما نتحدث أو يتحدثون عن تشييد المدارس بالآلاف، و عن رصد ميزانيات بالملايين، لكن أين الغَلَّة؟ و متى موسم الجني؟ جيل بعد جيل يتضح أن المسار ليس كالذي يُرتضى، لقد صُلبت الآمال و الأحلام على عامود الفشل السياسي و الأخلاقي.
كيف لنا أن نتحدث عن علم يشع بدون تعليم رصين؟ و كيف لنا أن نتحدث عن تعليم رصين بدون تقدير للمعلم؟
لقد بتنا نرى اليوم حياكة الكوميديا بمشاهد ماسخة تجعل المعلمين محور سخرية و تندُّر، لقد بتنا أيضا نشهد عظامهم تهشم عند كل احتجاج أو إضراب في صور بؤس تندر بأن القادم أسوأ، فمتى أُطفِئت المصابيح حل الظلام، و متى حل الظلام حل الخراب.
من للأوطان بعد المعلمين؟؟؟ قد نرفع القوائم لنشيد أعلى المباني، لكن أنّى لنا أن نرفع شأن البلاد و نؤسس لمستقبلها إذا جعلنا المعلم نكرة؟؟؟
إنه ديدن الدول المتخلفة التي تجعل التعليم آخر ما يُعتبر، دول استعصى على ساستها تذوق قيمة المعرفة، هذا إن أحسنا بهم الظن، و إلا فإنهم يرونها فوهة بركان سيأتي على مصالحم إذا ما تحصنت الشعوب بالعلم و تنصلت من براثن الجهل الآسن.
لا يمكن لعاقل أن يجادل في قيمة بناء الإنسان كعمران روحي، فعلى وجوده يتأسس كل شيء، و كل ما بعده ما هو إلا تَبَع. لذلك لم يُبق من الحمق شيئا أولائك الذين يرون بأن أجور المعلمين استنزاف لخزينة الدولة، في حين أن منحا غاية في السخاء تقدم سخاء رخاء لبعض ممن يسمون زورا أهل فن تعتبر بناء للثقافة و تمكينا للحضارة، إنه المكر في أبهى تجلياته.
قد نتساءل عن سر تخلفنا، فتتعالى الأصوات حول ضعف الإمكانات و قلة الموارد ، لكن الواقع ينطق بما يفند ذلك، إذ إن دولا غارقة في النفط و الغاز لكنها بنفس المقدار غارقة في الجهل و التخلف، حتى إن قص الشعر لا يتقنونه، فهم مضطرون لاستيراد حلاقي الشعر بعد أن حلق الاستعمار مقدراتهم و حلق الضعف عقولهم.
و لا أستثني هنا بلدا عربيا واحدا على اختلاف الخطوات المبذولة، إلا أن الجميع يتقاسمون نفس الوضع و نفس الحضيض. ألا بُعدا لمن يهين المعلم و يزدري قدر التعليم...
لقد تبين اليوم بما لا مجال فيه للشك أن مأمن الشعوب يكمن في مشاتل التربية و التعليم، فهناك يمكن أن ننشئ جيلا يقظا قادرا على مجابهة الصعاب و الإسهام البناء في تجاوز المحن، فحينما حل البلاء لم تُرفع الدفوف و لم تصدح المزامير، بل يمم القوم وجوههم شطر أهل العلم لعلهم يجدون عندهم الخلاص. قد تبين بما لا مجال فيه للشك أن الزَّبَد يذهب جُفاء و أن ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
ملايير و ملايير صُرفت أو بالأحرى أُهدِرَت كان حريا بالحكومات أن تبعث من خلالها الروح في مؤسسات التعليم حيث الرحم الودود الولود، و تقْدُر المعلم قدره بأجر يليق بوظيفته و مقام يعادل رسالته، إنهم الكبار بل هم سادة الناس و تيجان الرؤوس، فمن أجلُّ قدرا ممن يبني الإنسان؟ و من أرفعُ شأنا ممن تنطفئ زهرة شبابه ليُنَار مستقبل الأمة؟
لست رجل سياسة و لست رجل نقابة و لست مناضلا حتى...و لكنني سيد الناس ما دمت معلما...أقول لحكوماتنا: من أذلنا عاش ذليلا...فلتنظروا قدركم بين الأمم علَّ مرارة الصغار تعيدكم إلى رشدكم أو بالأحرى تعيد الرشد لكم...
التفاعلات: ياسين سعدان

تعليقات

تحية وتقدير صديقي العزيز يونس مقال في الصميم لقد وضعت يدك على الجرح هذا آفة المجتمعات المتخلفة التي تبخس قيمة المعلم والعلم ..ويل له من عار ..بالعلم نرتقي وبالعلم نحقق التنمية والتقدم والازدهار... وبالجهل والتفاهة نصنف خارج التاريخ وخارج الحضارة مزيدا من التنوير.
ذ.ياسين سعدان
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...