صورة واحدة للرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة أثارت لغطاً وجدلاً واسعاً.. صورة الرئيس على كرسي متحرك، وهو يدلي بصوته، ويٌنتخب لعهدة رئاسية رابعة أنست معارضيه أخطاءه الماضية، وتعنته في البقاء على رأس هرم الدولة (منذ 1999)، ودفعتهم للتركيز والتعليق فقط على الصورة التي حملت وتحمل أكثر من مدلول. المثقفون أيضاً انخرطوا في النقاش وتحدثوا، كل من وجهة نظره، عن رمزية صورة رئيس مقعد يحكم بلداً شاباً. صورة بوتفليقة على الكرسي المتحرك وهو ينتخب، ثم وهو يؤدي القسم الدستورية شغلت، الأسابيع الماضية، الفضائيات والصحف، وتباينت حولها التعليقات بين السخرية السوداء والتراجيكوميديا والتعاطف معه.
عن هذه الصورة – الحدث، يتحدث الكاتب والأكاديمي سعيد بوطاجين ﻟ «الدوحة»: «كانت الصورة، بالنسبة إليّ، أمراً طبيعياً بفعل الخطاب الذي تمَ تسويقه وأسهم في تقويته بعض القنوات المضللة، شأنها شأن أجهزة الإعلام التي تؤمن كثيراً بفضلها في تنوير الرأي العام الوطني». صاحب «اللعنة عليكم جميعاً»، أضاف قائلاً: «الصورة مثيرة بطبيعة الحال، بيد أن هناك أطرافاً كثيرة عملت على جعلها مقبولة، إن لم تجعلها مرجعية وضرورة، أو حتمية. ما كنتُ لأندهش لو كانت الحكومة كلها على كراسي متحركة، لأن ذلك يدخل في منطق الأشياء. المشكلة ليست هنا، إنها أعمق من ذلك بكثير. وإذا كان الشارع قد اختار الصورة من أجل الاستقرار فإن له منطقه وخياراته التي لا يمكن القفز عليها، مهما كانت رؤانا وحكمتنا. هناك أشياء لا يمكن للمنطق والرياضيات والفلسفة والعلوم أن تتحكم فيها، لأن السياق التاريخي يريدها كذلك، مقلوبة وسوريالية إلى أبعد حد. وقد شهدت الجزائر مراحل غريبة في تاريخها، لكنها وجدت قابلية في المجتمع وتمَ تبنيها في سياقات معروفة». وبشيء من الاستطراد المشحوذ بالمرارة يواصل بوطاجين قراءته للصورة: «هناك رؤوس كثيرة مزدحمة بالكراسي المتحركة، بما يشبه الشلل العام، ومع ذلك فإن لها تأثيراً كبيراً، وهذا ما يجب التفكير فيه ملياً. أتصوَر أيضاً أن المشهد الذي ظهر فيه الرئيس كان طبيعياً إن نحن تأملنا الصورة العامة، وليس صورته معزولة عن المحيط. لقد كان محاطاً بشخصيات لها وزنها، كما هللت له عدة فئات وجمعيات، وانُتخب بنسبة مرتفعة جداً مقارنة بمنافسيه، بصرف النظر عمَا إذا كانت الانتخابات شفافة أم لا. فإذا كانت كذلك فمعنى هذا أن الشفافية اختارت الصورة، وإذا كانت مزوَرة فإن المزوَرين يكونون من المعجبين بالصورة لأسباب تعنيهم». واختتم بوطاجين تصريحه: «أما أنا فلا ناقة لي ولا جمل لأني من الأغلبية الصامتة، ولست مهتماً كثيراً بالمشهد. وإذا كان لي رأي ما فسأحتفظ به لنفسي. لست أحسن من الشعب الذي خطط لمصيره وفق رؤيته ومصلحته».
أما الروائي كمال قرور، فيقول في قراءته: «صورة الرئيس على كرسي متحرك وهو ينتخب، لها عدة دلالات وقراءات، في ظل عجز كل التحاليل عن فهم النظام الجزائري كيف يفكر وكيف يخطط، وكيف حافظ على بقائه هذه المدة الطويلة، رغم التناقض، ورغم الوهن الذي أصابه». صـاحــب روايــــة «سيد الخراب» يسرد عدة قراءات للصورة: «القراءة الأولى: الصورة تثير الشفقة على رجل طاعن في السن، زائغ العينين، تائه، هو مجرد دمية يعبث بها العابثون المنتفعون من الريوع، والراغبون في استمرارية حكمه، للحفاظ على مصالحهم، وهذه الصورة لا تليق بجمهورية، السيادة فيها للشعب. ودستورها يشترط الصحة البدنية للرئيس المترشح. وسواء كان الرئيس متواطئاً أو بريئاً، فهذه الصورة تؤكد مقولة إن سياستنا خداع وليست علماً.
القراءة الثانية: الصورة تعكس حالة النظام المترهل الذي لا يريد مغادرة الحكم، فهو يؤكد العجز، والإفلاس والتسيب واللامسؤولية. والالتفاف على الإرادة الشعبية.
القراءة الثالثة: الصورة تعكس تعنت وتجبر الرئيس الذي فتح العهدات في الدستور، وغيّب المؤسسات، ليستمر في الحكم، ليموت رئيساً، وها هو يحقق أمنيته، فالجيش الذي كان يصنع الرؤساء وينهي مهامهم، يعجز هذه المرة عن تغيير الرئيس، وهو في أسوأ وضع صحي، وها هو الجيش، الذي ظل قائداً، أصبح يدفع كرسيه المتحرك مكرهاً.
القراءة الرابعة: هذا النظام يحب الاستعراض، وها هو يستعرض أمام الشعب، هذا المشهد، المأساوي العنيف، وهو ليس أقل مأساوية من مشهد قتل الرئيس الأسبق محمد بوضياف (1992) على المباشر، وقتل مدير الأمن في مكتبه».
قرور وبنبرة مستاءة ويائسة، اختتم قائلاً: «في كل الحالات، ومهما كان مخرج هذه الصورة، الأليمة والعنيفة، فإن هذا يدل على انهيار الجمهورية، ويدل أيضاً على مصادرة الإرادة الشعبية».
من جهته الكاتب والناشط الثقافي الدكتور عمار كساب، يرى أن الصورة مأساوية وتحتاج إلى أكثر من تحليل وأكثر من قراءة، إذْ يعلق: «هل هو المُقعد أم نحن؟ هو السؤال الذي طرحه المثقفون الجزائريون وهم يرون بأم أعينهم الرئيس المُعين مسبقاً لعهدة رابعة وهو يصوت من (على) كرسي متحرك، كاد أن لا يعلو به لوضع الورقة داخل الصندوق، تلك الورقة التي تَبيّنَ فيما بعد أنها ربما لم تكن تحمل صورته، بل صورة مترشح آخر. ولا زال المثقفون الجزائريون يطرحون هذا السؤال بعد أن دخلوا في شرود ذهني جفت بعده أقلامهم وشلت ألسنتهم من وقع الصدمة والإهانة». وفي ختام حديثه، يتساءل الدكتور كساب: «فأي نظام هذا الذي له الجرأة والقوة لإهانة شعب بأكمله بتقديم كاميرات وآلات تصوير العالم رجلاً مريضاً لا يقوى على الحركة، وبمباركة من دول الغرب».
صورة الرئيس على كرسي متحرك، حَوّلَتْ الكرسي المتحرك نفسه إلى أسطورة، فقد صار مرادفاً للحكم، بعدما كان مرادفاً فقط للعجز، ويمنع التهكم أو السخرية منه، حيث عُوقِبَ مؤخراً مذيع في الإذاعة الجزائرية بالمنع من تقديم برنامجه اليومي، بتهمة التلميح لكرسي الرئيس.
* مجلة الدوحة
عن هذه الصورة – الحدث، يتحدث الكاتب والأكاديمي سعيد بوطاجين ﻟ «الدوحة»: «كانت الصورة، بالنسبة إليّ، أمراً طبيعياً بفعل الخطاب الذي تمَ تسويقه وأسهم في تقويته بعض القنوات المضللة، شأنها شأن أجهزة الإعلام التي تؤمن كثيراً بفضلها في تنوير الرأي العام الوطني». صاحب «اللعنة عليكم جميعاً»، أضاف قائلاً: «الصورة مثيرة بطبيعة الحال، بيد أن هناك أطرافاً كثيرة عملت على جعلها مقبولة، إن لم تجعلها مرجعية وضرورة، أو حتمية. ما كنتُ لأندهش لو كانت الحكومة كلها على كراسي متحركة، لأن ذلك يدخل في منطق الأشياء. المشكلة ليست هنا، إنها أعمق من ذلك بكثير. وإذا كان الشارع قد اختار الصورة من أجل الاستقرار فإن له منطقه وخياراته التي لا يمكن القفز عليها، مهما كانت رؤانا وحكمتنا. هناك أشياء لا يمكن للمنطق والرياضيات والفلسفة والعلوم أن تتحكم فيها، لأن السياق التاريخي يريدها كذلك، مقلوبة وسوريالية إلى أبعد حد. وقد شهدت الجزائر مراحل غريبة في تاريخها، لكنها وجدت قابلية في المجتمع وتمَ تبنيها في سياقات معروفة». وبشيء من الاستطراد المشحوذ بالمرارة يواصل بوطاجين قراءته للصورة: «هناك رؤوس كثيرة مزدحمة بالكراسي المتحركة، بما يشبه الشلل العام، ومع ذلك فإن لها تأثيراً كبيراً، وهذا ما يجب التفكير فيه ملياً. أتصوَر أيضاً أن المشهد الذي ظهر فيه الرئيس كان طبيعياً إن نحن تأملنا الصورة العامة، وليس صورته معزولة عن المحيط. لقد كان محاطاً بشخصيات لها وزنها، كما هللت له عدة فئات وجمعيات، وانُتخب بنسبة مرتفعة جداً مقارنة بمنافسيه، بصرف النظر عمَا إذا كانت الانتخابات شفافة أم لا. فإذا كانت كذلك فمعنى هذا أن الشفافية اختارت الصورة، وإذا كانت مزوَرة فإن المزوَرين يكونون من المعجبين بالصورة لأسباب تعنيهم». واختتم بوطاجين تصريحه: «أما أنا فلا ناقة لي ولا جمل لأني من الأغلبية الصامتة، ولست مهتماً كثيراً بالمشهد. وإذا كان لي رأي ما فسأحتفظ به لنفسي. لست أحسن من الشعب الذي خطط لمصيره وفق رؤيته ومصلحته».
أما الروائي كمال قرور، فيقول في قراءته: «صورة الرئيس على كرسي متحرك وهو ينتخب، لها عدة دلالات وقراءات، في ظل عجز كل التحاليل عن فهم النظام الجزائري كيف يفكر وكيف يخطط، وكيف حافظ على بقائه هذه المدة الطويلة، رغم التناقض، ورغم الوهن الذي أصابه». صـاحــب روايــــة «سيد الخراب» يسرد عدة قراءات للصورة: «القراءة الأولى: الصورة تثير الشفقة على رجل طاعن في السن، زائغ العينين، تائه، هو مجرد دمية يعبث بها العابثون المنتفعون من الريوع، والراغبون في استمرارية حكمه، للحفاظ على مصالحهم، وهذه الصورة لا تليق بجمهورية، السيادة فيها للشعب. ودستورها يشترط الصحة البدنية للرئيس المترشح. وسواء كان الرئيس متواطئاً أو بريئاً، فهذه الصورة تؤكد مقولة إن سياستنا خداع وليست علماً.
القراءة الثانية: الصورة تعكس حالة النظام المترهل الذي لا يريد مغادرة الحكم، فهو يؤكد العجز، والإفلاس والتسيب واللامسؤولية. والالتفاف على الإرادة الشعبية.
القراءة الثالثة: الصورة تعكس تعنت وتجبر الرئيس الذي فتح العهدات في الدستور، وغيّب المؤسسات، ليستمر في الحكم، ليموت رئيساً، وها هو يحقق أمنيته، فالجيش الذي كان يصنع الرؤساء وينهي مهامهم، يعجز هذه المرة عن تغيير الرئيس، وهو في أسوأ وضع صحي، وها هو الجيش، الذي ظل قائداً، أصبح يدفع كرسيه المتحرك مكرهاً.
القراءة الرابعة: هذا النظام يحب الاستعراض، وها هو يستعرض أمام الشعب، هذا المشهد، المأساوي العنيف، وهو ليس أقل مأساوية من مشهد قتل الرئيس الأسبق محمد بوضياف (1992) على المباشر، وقتل مدير الأمن في مكتبه».
قرور وبنبرة مستاءة ويائسة، اختتم قائلاً: «في كل الحالات، ومهما كان مخرج هذه الصورة، الأليمة والعنيفة، فإن هذا يدل على انهيار الجمهورية، ويدل أيضاً على مصادرة الإرادة الشعبية».
من جهته الكاتب والناشط الثقافي الدكتور عمار كساب، يرى أن الصورة مأساوية وتحتاج إلى أكثر من تحليل وأكثر من قراءة، إذْ يعلق: «هل هو المُقعد أم نحن؟ هو السؤال الذي طرحه المثقفون الجزائريون وهم يرون بأم أعينهم الرئيس المُعين مسبقاً لعهدة رابعة وهو يصوت من (على) كرسي متحرك، كاد أن لا يعلو به لوضع الورقة داخل الصندوق، تلك الورقة التي تَبيّنَ فيما بعد أنها ربما لم تكن تحمل صورته، بل صورة مترشح آخر. ولا زال المثقفون الجزائريون يطرحون هذا السؤال بعد أن دخلوا في شرود ذهني جفت بعده أقلامهم وشلت ألسنتهم من وقع الصدمة والإهانة». وفي ختام حديثه، يتساءل الدكتور كساب: «فأي نظام هذا الذي له الجرأة والقوة لإهانة شعب بأكمله بتقديم كاميرات وآلات تصوير العالم رجلاً مريضاً لا يقوى على الحركة، وبمباركة من دول الغرب».
صورة الرئيس على كرسي متحرك، حَوّلَتْ الكرسي المتحرك نفسه إلى أسطورة، فقد صار مرادفاً للحكم، بعدما كان مرادفاً فقط للعجز، ويمنع التهكم أو السخرية منه، حيث عُوقِبَ مؤخراً مذيع في الإذاعة الجزائرية بالمنع من تقديم برنامجه اليومي، بتهمة التلميح لكرسي الرئيس.
* مجلة الدوحة