مجلة الدوحة - الكرسي ومَنَْ حمَلَ.. ملف

لا يختلف الكرسي عن حامله، كلاهما من أصل واحد، كلاهما يهرم ويموت ويعود إلى أمنا الأرض. لكن الكرسي أكثر نبلاً. لا يغتاب كراسي أخرى أو يشي بها، ولا يفسد من تلقاء ذاته
بسبب شر متأصل في نفسه، ولا يرفض وظيفة تسند إليه. لن يرفض كرسي الألم في عيادة الأسنان أن يصبح مأوى ليلياً لقطَّة سعيدة، أو يتحول سريراً لطبيب قرر أن يخون قسَم أبوقراط،
ولن يرفض كرسي الشاطئ القابل للطي أن يعمل سريراً للحكم في قصر حاكم متواضع يراعي فقر دولته، ولن يرفض كرسي الحكم الفخم أن يحتضن قصة حب حقيقية، بين ملك ورعية.
«مثلما تكونوا يولى عليكم» الكرسي بريء وكيفما يكن حملة الكرسي يكن المحمول. غالباً ما يدب الفساد في حاملي الكرسي ومنهم يسري إلى المحمول. وعندما يصبح لدى الجالس
فوق الكرسي القدر الكافي من الشر لا يعود بحاجة إلى ش ر من خارجه، بل ينتج شره الذاتي، ويصبح على حملة الكرسي أن يتطهروا بالانتفاض وأن ينزلوا حملهم بدفع ضريبة الدم.
الأكثر مخاتلة بين من جلسوا على كراسي الحكم في زماننا العربي السعيد هو العقيد القذافي، الذي ادعى أنه بلا كرسي، وشغل جميع الكراسي. أغلب الكراس ي راضية عن حياتها، لأنها تقدم عن طيب خاطر الراحة لجسد منهك، وترفعه قليلاً عن الأرض، في البيت، في الحديقة، على محطة قطار، على شاطئ بحر أو أمام بركة سباحة، وبعض الكراسي يسوء حظها فتقع بين حامل ومحمول. كراسي السلطة في أي موقع كانت ليست أقل نبلاً من كراسي الحدائق العامة، لكن حملة هذه الكراسي ومحموليها هم الذين يسيئون إلى براءة الخشب.
الكراسي تتفوق على حامليها والمحمولين فوقها بالذكريات السعيدة، ففي أوقات فراغها تحن الكراسي إلى الشجر، بينما يحن البشر إلى التراب!
* ملف مجلة الدوحة القطرية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...