يقال إن المسرح بدأ من الطقوس الدينية- وكذلك الموسيقا كما يبدو- ويُظن أن العطور والروائح جاءت أيضاً من الطقوس الدينية أولاً كروائح البخور والصندل والأعشاب الطبية الأخرى.. كما كان التداوي بالرائحة وتلك النباتات العطرية منذ القديم.
يتعرف الطفل على أمه عبر الرائحة, ويمكن لقميص الأم حينما يُترك قريباً من أنفه أن يهدّءهُ حتى لو ابتعدت الأم ويستمر في النوم.
فما سر الرائحة.. ما قدرتها؟
تفوح أحياناً رائحة ما في ذاكرتي.. هل تطلق الذاكرة رائحة؟! بلى تمر الرائحة من تلافيف عقلي وسراديب ذاكرتي إلى أنفي, وأكاد أقسم أنني أشمها طازجة تماماً كما لو أنني أمسك وردة أو زجاجة عطر.. ثم أسترجع المكان والزمان والحدث الذي ارتبط بتلك الرائحة في ذاكرتي.
مازلت أذكر مثلاً رائحة مدرّسة اللغة الإنكليزية التي علمتني في الصف الأول الإعدادي, ورائحة عطر أستاذ اللغة العربية, وأذكر رائحة قريبٍ لي رغم رحيله المبكر مقترنة بقالب كاتو دوماً فهي تشبه الفانيليا.. ومثل هذه الروائح كثيرة.
كلما مررت في مكانٍ قام شخصٌ ما بجزِّ العشب فيه, أحسُّ أن الربيع مرّ من هنا.. كلما اقترب الربيع الحقيقي أشمه في الهواء وقبل حلوله فعلياً.
في أمكنة الاستجمام والراحة وما يسمى مراكز ال (spa) تنتشر روائح الليمون والبخور مترافقة بأضواء خافتة.. في النوافير الدمشقية تطفو زهرات الياسمين على وجه الماء.. وكلما شممت رائحة ماء الورد أو ماء الزهر تذكرت حلاوة الجبن الحمصية.. وبيارات واسعة من برتقال الساحل السوري.
ترتبط المدن أيضاً برائحة محددة في ذاكرة زوارها, فمن مدينة حلب مازالت رائحة الزعتر وصابون الغار تفوح. حين جاءت صديقتي إلى دمشق مؤخراً بعد غياب سنتين عنها, قالت بحزن ودهشة: لم أشم رائحة دمشق التي أعرف.. لقد تغيّرت رائحة دمشق!
كلما تذكرت «برلين» فاحت رائحة الغابة في أنفي.. وكلما مررت بدمشق القديمة فاحت ببالي رائحة التوابل, وقوافل طريق الحرير.
من طقوس الكتابة عند بعض الكتاب كما أعلم تحضير المكان بروائح أو بأضواء أو بمشروب ما... هي حيلة جمالية لاستدعاء ما فوق الحالة الواقعية العادية, والغوص في الروائح للانطلاق منها وعبرها إلى كون آخر.
هل للفراغ رائحة؟
كنت دوماً أظن أن للفراغ رائحة خاصة ربما تتغير من شخص إلى آخر.. بالنسبة لي يحمل الفراغ رائحة الاوكسجين! هل للأوكسجين رائحة؟! هذا ما أعتقده.. والأمر أعقد من أن أصفه.
في كتابه «الرائحة» يغوص بيت فرون وآخرون مثل: (أنطوان فان أمرونغين، وهانز دي فرايفي) في عالم هذه الحاسة المهمشة, وهو كتاب علمي أكثر منه أدبي, ويقول: «بالرائحة تتداعى الذِّكرياتُ في الخواطر», فقد صحّ ما ذهبت إليه إذاً من ارتباط الأحداث أو الأماكن بروائح محددة.
لا يمكن الحديث عن الرائحة دون المرور برواية «العطر» لباتريك زوسكيند.. يا له من خيال مدهش.. حيث يستقطر بطل الرواية العطر من أجمل الفتيات ويخزنها في قوارير.. كما جاء الفيلم المأخوذ عنها جميلاً وبديعاً. أذكر أيضاً فيلم «عطر امرأة» والمذهل آل باتشينو في أداء مبهر ساحر يخطف الأنفاس.
للطفل رائحة خاصة.. للتراب بعد مطر رائحة خاصة.. للحبر رائحة خاصة- وقد حرمنا الكومبيوتر من التعامل معها- للبحر أيضاً.. لكل شيء رائحته الخاصة, وبارتباط الرائحة بمكان أو بشيء أو بشخص, يصبح تذكر ذلك المكان أو الشيء أو الشخص مقترناً بطريقة تلقائية بتلك الرائحة.
تبتلع شقوق الذاكرة غالباً كثيراً من الحقيقة, فهل تستطيع هذه الشقوق تغييب الرائحة؟
أسوأ الروائح كما أعتقد رائحة النفوس المريضة.. والقلوب المدججة بالإثم- الحقد والحسد.. والعقول المتعفنة التي تفوح منها روائح قبور مكشوفة في العراء..
للحرب رائحة كريهة أيضاً..
لقد تغيرت روائح المدن في بلدي... ثمة رائحة للخوف.. للترقب والحذر.. وثمة رائحة للأمل أيضاً..
مازال الياسمين متسلقاً كتف دمشق يختزن خضرته ويعد كما عادته أبداً برائحة شهية تدوّخ العالم.
يتعرف الطفل على أمه عبر الرائحة, ويمكن لقميص الأم حينما يُترك قريباً من أنفه أن يهدّءهُ حتى لو ابتعدت الأم ويستمر في النوم.
فما سر الرائحة.. ما قدرتها؟
تفوح أحياناً رائحة ما في ذاكرتي.. هل تطلق الذاكرة رائحة؟! بلى تمر الرائحة من تلافيف عقلي وسراديب ذاكرتي إلى أنفي, وأكاد أقسم أنني أشمها طازجة تماماً كما لو أنني أمسك وردة أو زجاجة عطر.. ثم أسترجع المكان والزمان والحدث الذي ارتبط بتلك الرائحة في ذاكرتي.
مازلت أذكر مثلاً رائحة مدرّسة اللغة الإنكليزية التي علمتني في الصف الأول الإعدادي, ورائحة عطر أستاذ اللغة العربية, وأذكر رائحة قريبٍ لي رغم رحيله المبكر مقترنة بقالب كاتو دوماً فهي تشبه الفانيليا.. ومثل هذه الروائح كثيرة.
كلما مررت في مكانٍ قام شخصٌ ما بجزِّ العشب فيه, أحسُّ أن الربيع مرّ من هنا.. كلما اقترب الربيع الحقيقي أشمه في الهواء وقبل حلوله فعلياً.
في أمكنة الاستجمام والراحة وما يسمى مراكز ال (spa) تنتشر روائح الليمون والبخور مترافقة بأضواء خافتة.. في النوافير الدمشقية تطفو زهرات الياسمين على وجه الماء.. وكلما شممت رائحة ماء الورد أو ماء الزهر تذكرت حلاوة الجبن الحمصية.. وبيارات واسعة من برتقال الساحل السوري.
ترتبط المدن أيضاً برائحة محددة في ذاكرة زوارها, فمن مدينة حلب مازالت رائحة الزعتر وصابون الغار تفوح. حين جاءت صديقتي إلى دمشق مؤخراً بعد غياب سنتين عنها, قالت بحزن ودهشة: لم أشم رائحة دمشق التي أعرف.. لقد تغيّرت رائحة دمشق!
كلما تذكرت «برلين» فاحت رائحة الغابة في أنفي.. وكلما مررت بدمشق القديمة فاحت ببالي رائحة التوابل, وقوافل طريق الحرير.
من طقوس الكتابة عند بعض الكتاب كما أعلم تحضير المكان بروائح أو بأضواء أو بمشروب ما... هي حيلة جمالية لاستدعاء ما فوق الحالة الواقعية العادية, والغوص في الروائح للانطلاق منها وعبرها إلى كون آخر.
هل للفراغ رائحة؟
كنت دوماً أظن أن للفراغ رائحة خاصة ربما تتغير من شخص إلى آخر.. بالنسبة لي يحمل الفراغ رائحة الاوكسجين! هل للأوكسجين رائحة؟! هذا ما أعتقده.. والأمر أعقد من أن أصفه.
في كتابه «الرائحة» يغوص بيت فرون وآخرون مثل: (أنطوان فان أمرونغين، وهانز دي فرايفي) في عالم هذه الحاسة المهمشة, وهو كتاب علمي أكثر منه أدبي, ويقول: «بالرائحة تتداعى الذِّكرياتُ في الخواطر», فقد صحّ ما ذهبت إليه إذاً من ارتباط الأحداث أو الأماكن بروائح محددة.
لا يمكن الحديث عن الرائحة دون المرور برواية «العطر» لباتريك زوسكيند.. يا له من خيال مدهش.. حيث يستقطر بطل الرواية العطر من أجمل الفتيات ويخزنها في قوارير.. كما جاء الفيلم المأخوذ عنها جميلاً وبديعاً. أذكر أيضاً فيلم «عطر امرأة» والمذهل آل باتشينو في أداء مبهر ساحر يخطف الأنفاس.
للطفل رائحة خاصة.. للتراب بعد مطر رائحة خاصة.. للحبر رائحة خاصة- وقد حرمنا الكومبيوتر من التعامل معها- للبحر أيضاً.. لكل شيء رائحته الخاصة, وبارتباط الرائحة بمكان أو بشيء أو بشخص, يصبح تذكر ذلك المكان أو الشيء أو الشخص مقترناً بطريقة تلقائية بتلك الرائحة.
تبتلع شقوق الذاكرة غالباً كثيراً من الحقيقة, فهل تستطيع هذه الشقوق تغييب الرائحة؟
أسوأ الروائح كما أعتقد رائحة النفوس المريضة.. والقلوب المدججة بالإثم- الحقد والحسد.. والعقول المتعفنة التي تفوح منها روائح قبور مكشوفة في العراء..
للحرب رائحة كريهة أيضاً..
لقد تغيرت روائح المدن في بلدي... ثمة رائحة للخوف.. للترقب والحذر.. وثمة رائحة للأمل أيضاً..
مازال الياسمين متسلقاً كتف دمشق يختزن خضرته ويعد كما عادته أبداً برائحة شهية تدوّخ العالم.