اخلاص فرنسيس - قراءة في رواية "الجميلات النائمات" للكاتب الياباني ياسوناري كاواباتا

الجميلاتُ النّائماتُ

هي أكثر من أن يدخل رجل عجوز إلى غرفة سرّية يضجع إلى جانب فتاة صغيرة، لم يكن نومها طبيعيًّا بل تخدير، هذه الغرفة كأنّها معبد من معابد القدماء حيث كان الكهنة يقدّمون الذبائح البشرية إلى الآلهة، يؤدّون الطقوس بسرّية كاملة في أعماق الليل، بعيدًا عن عيون العامّة.
طالما كانت تلك الممارسات تحمل هيبة خاصّة، وتخلع رعبًا من نوع مميّز، وتثير فضول الشعب، وكان العظماء من الكهنة وكبار الساسة فقط هم من يدخلون تلك الطقوس وتلك الشعائر.
لقد أدخلنا الكاتب في دهاليز تلك العبادات الغريبة، واستحضر الذبائح البشرية بطريقة أقوى وأعمق، ولو كانت رمزيّة بعض الشيء، لكنّها تحاكي العقل، وتهزّ الوجدان والمشاعر الإنسانيّة بطريقة مقزّزة حين نرى استغلال الفتيات الصغيرات وأجسادهنّ من قبل رجال عجائز أو حتى من مجتمع كامل.
دمى متحرّكة تتنفّس، لكنّها لا تمارس الحياة، فيها حيوية، لكنّها ذابلة نائمة، والرجل العجوز يستسلم ربما لأحلام يستذكر، ويتأمّل عمرًا مضى وموتًا قادمًا.
إنّ هذه الرواية هي أكبر من عجوز وفتاة، إنّها قصة الإنسانية، والوقوف على عتبة القبر "سنو عمرنا سبعون ومع القوة فثمانون وأكثرها تعب وبلية".
هنا وضعنا الكاتب أمام مغامرة أيغوشي في خمس ليال يستعيد فيها نساء حياته، ويغرق في تأمّل عميق طويل، وما هذا الضوء إلا ليسلّطه على مسيرة الإنسان وحياته ما بين الولادة والموت، وما أولئك النسوة إلا رمز لمراحل الحياة وفصولها.
أول ما خطر على بالي في أثناء قراءة رواية "الجميلات النائمات" الجميلة والأمير التي تسحرها الساحرة الشريرة، وتنام في انتظار الأمير، ليأتي ويوقظها بقبلة، وفي رأسي تجول هذه الأفكار، إلى أن بدأت بقراءة المقدّمة التي أسهب فيها ماركيز عن الفتاة التي لم يذكر من أيّ جنسية هي، لكن من الوصف الدقيق لدقّة جلوسها وترتيبها، توضّحت لي الجنسية، نعم أراد أن أدخل الرواية وأنا أتهيّأ لرؤية المزيد من الجميلات وقوة الصمت أو "النوم" أراد لخيالي أن يبدأ رحلته قبل الولوج في صلب الرواية التي لم تزد صفحاتها عن ١٤٧ وهذا ما أراحني، فأنا أملّ من الروايات الطويلة، وأنسى البداية ما إن أشرف على الوسط.
ماركيز تمنّى لو يكون كاتب هذه الرواية، كلامه أثار فضولي أكثر، وها أنا الآن أقف أمام هذا المثلّث المهيب الغامض، وصف الفتاة اليابانية في الطائرة، الشيوخ الذين يموتون، والجميلة والوحش.
في مرحلة ما من تاريخ كلّ أمة يقف الفقر والحاجة موقف المتسلّط الدكتاتور كالسوط بيد الحاكم، وهو الذي يدير المجتمعات بأسرها.
الإنسان في حياته يمرّ بمراحل عدّة، رجلًا كان أو امرأة، ونحن هنا أمام الشيخ في اليابان المجتمع المغلق الذي يصلنا منه اليسير على مرّ العصور، ذلك المجتمع الذي من شدّة معاناته نسي كيف يبتسم، وعندما أذكر المجتمع الياباني والمرأة تتجسّد أمامي من تلك الفترة "الكيشا"، تلك الفتاة التي دربت طيلة حياتها لتكون مرافقة للرجل على مستوى من الجمال والاتيكيت، والترتيب، وبالتالي عاهرة، لكن على مستوى عال دون الإشارة إلى ذلك، وما إن تتقدّم في العمر، حتى تركن على هامش الحياة، والعجيب أنّ هناك بيوتًا خاصّة في اليابان تقوم على إعداد "الكيشا"، أمّا في رواية "الجميلات النائمات" فلم تكن هي "الكيشا" العادية تلك الفتاة النائمة بل كانت فتاة عذراء على قدر من الجمال الذي كان يُدفع له الكثير من المال فقط كي يستلقي الرجل إلى جانبها، وينسى الوجود ، وهي نائمة تحت تأثير مخدّر دون أن تعرف هوية ذلك الرجل الذي هُيّأ له أيضًا حبات من المنوّم كي يهنأ بالنوم.
ذلك الرجل الذي لم تعد لديه القدرة على أن يمارس ذكورته، فيبحث عن جسد نائم وسرير افتراضيّ، ليتقاسمه مع فتاة ذات جمال خارق.
الرجال قد أدبر العمر بهم، ولم يتبقّ لهم إلا الوقت الفارغ يقضونه في فراش يعيشون أحلامًا مضت وشبابًا لن يعود.
الترفيه الرخيص عن الرجال بطريقة أقرب إلى الانحطاط ، وانتهاك حرمة الفتاة الصغيرة النائمة أبشع انتهاك، أراد لنا الكاتب من خلال تكرار تفاصيل الوصف الزائد للفتاة النائمة أن يؤكّد إيصال رسالة معيّنة للقارئ، أولا استغلال البراءة والطفولة لقاء المال، وأبعد من ذلك هو الواقع الذي عايشه في تلك الفترة من حياته حيث انتشر الفقر، وما صورة التخدير إلّا إشارة إلى التخدير للمجتمع الذي أغمض العين عن الانتهاك المستمرّ من شيوخ فقدوا كلّ حسّ، والأهمّ فقدوا صفات الرجولة ليست الجسدية بل المعنوية والإنسانيّة، فقدوا الأخلاق.
لم تكن مقدّمة ماركيز عبثا في تصويره للفتاة التي نامت بمحض إرادتها، وتركته يتأمّل الجمال دون أن تكترث به، أليست الحياة والشباب هكذا، الكلّ مغيب، والكلّ منوّم تحت تأثير تخدير ما.
إنّ تلك القصة نافذة أضاءت عالم الجميلات ونوع التخدير، الفقر، الحاجة، الجهل، السلطة والدين، حيث يشعر الرجال كأنهم يضاجعون بوذا حيث أتى على ذكره هل إلى هذه الدرجة هو تحت تأثير وجه من أوجه التدين؟
نعم، أحد أنواع المخدّرات.
لم يتوقّف الكاتب عند العجوز والفتاة الجميلة المنومة بل ذهب أبعد من ذلك، لقد طرح نظرة مجتمعات بأكملها مع ما حدث مع ابنة إيغوشي يجعلنا نقف وقفة طويلة أمام هذا الحدث الذي تعاني منه الفتاة في كلّ المجتمعات.
الفعل وردة الفعل حين تفقد الفتاة عذريتها قبل الزواج من رجل تحبّه، وتتصرّف على نحو عدائي بعد ذلك، الانتقام من الرجل حسب رأيها، والانتقام من نفسها.
تكتّم الأهل، الخوف من المجتمع وإعلام العريس المستقبلي، العار وكيفية المواجهة أمور كانت وما زالت تعاني منها المجتمعات إلى هذه اللحظة.
هل الحياة أنثى سعيدة، وهل الحبّ هو الذي يبثّ الحياة في قلب المرأة، فتزهو من الخارج بعد أن يكون الحبّ قد طهّرها من الداخل بإنجاب طفل، ربما، وما إنجاب الأطفال إلّا استمرارية لتلك الحياة.
إنّ الفلسفة العميقة التي أراد الكاتب أن يبثّها بين سطوره هي فلسفة الحياة التي لا تقتصر على وجه الحياة فقط، بل تبقى منقوصة إن لم تصاحبها النظرة إلى الموت، وكأنّ الإنسان حين يرى شيئًا جميلًا يصعب عليه فهمه، فلا يصدّقه بل يزداد حيرة أمامه، وكلما ازداد الجمال والبهجة ازدادت الحيرة، إلى متى، وما السبب، وما الدافع إلى ذلك؟
كلّ هذا التأمّل كان من وضعية هذه الفتاة النائمة التي تمثّل الشريحة الأكبر من الحياة ، لكن ليس في هدوء بل في عفويتها استطاعت أن تجعل إيغوشي يستذكر كلّ ذلك العبء الرازح في فكره وقلبه، ويتأمّل به الكاتب نفسه هو من يتأمّل الحياة من خلال إيغوشي بكلّ ما فيها، والذي كان يرزح تحت سطوتها.
النوم الجميل، الموت الجميل، ذلك الموت الذي يحاول جاهدًا أن يصوّره بجليل الصور، يطوي صفحة تلو صفحة من حياته، وأصابع الفتاة تذكّره أنّه عجوز، تلك الأصابع الطويلة التي تمتدّ إلى صدره، لتوقظ به الجزء الميت، في صخب المطر الليليّ ، دلالة على انهمار مطر روحه الذي لم يهدأ بل مثل شريط سينمائيّ يصوّر لنا كلّ عقدة من أصابعها، وعقد الحياة، الصراع بين الرغبة في قضم تلك الأنامل حتى يدميها، وبين صراعه كأب ربما يتخيّل لو كانت هذه ابنته.
إنّ اقترابه من الحياة أو من محاولة سبر أغوارها جعله يرتجف خوفًا من الإخفاق ربما، وهنا ما عليه سوى العدول والنوم في شهقة الأحلام على خوض تجربة الواقع التي ربما تكون مرة، لكن ماذا لو أنّ ابنته فقدت عذريتها وهي في نوم عميق؟
أما كان هذا يجنّبها كلّ تلك الآثار السلبية وعقدة الذنب، والشعور بأنها رخيصة؟
لقد صوّر الكاتب كلّ من حياة المرأة والرجل المبتذلة، إنّ المرأة تباع في هكذا مجتمعات، أما الرجل فيركض وراء لذّة تحكمه، ودونها يكون فقد كلّ معنى للحياة. إنّ العجز مرض فتاك، إن كانت الفتاة دمية نائمة وضحية في المجتمع على مذبح اللذة الذكورية، فهذا الرجل هو ضحية نظرة مجتمع كامل حين يفقد القدرة على الممارسة ما يثير الشفقة، ويصبح مثل من يتعلّق بقشّة غريق في عالم عاجز فيه عن الانتحار لشدّة الخوف.
كان صخب البحر أقوى من صخب الشوارع على غير عادتها، والليل بدا حزينًا برغم الأضواء التي تتلألأ عن بعد.
الشمس لملمت خيوطها هي الأخرى، وتوارت خلف الغيم الداكن الأسود والرمادي تاركة خلفها شعاعًا شاحبًا. ارتعدت في مقعدها لم تعتد هذا الهدوء في حياتها التي كانت صاخبة لغاية أسبوع مضى، بدت المسافة بينها وبين الشمس مثل طرف الإصبع، تستطيع أن تلامس الشحوب البادي على وجه السماء ما إن تلامس وجهها الشاحب، لم يعرف النوم سبيله إلى تلك العينين، سوادهما فاق سواد الليل، وبريقها يخبو في ظلال الرمش الكثيف.
أيقظ هذا السكون ذكرى قديمة لدى إيغوشي، لعلّه أيقظ أيضًا في روح الكاتب "ياسوناري كاواباتا" طفولته البائسة، فجيعة موت والديه وأخته الوحيدة، وما هذا الظلام الدامس إلا ذلك الجدّ المريض العجوز الذي قام بتربيته، وهو لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره، ولم يجد أمامه إلا الورق والأدب كي يفرغ وجعه فيه وعليه.
ويجعل لحياته معنى تلك الحياة التي تجلّت في هذه الرواية، حقيقة أن يجد نفسه وحيدًا في عالم ظالم، عالم أقرب إلى عالم الشيطان منه إلى الإله، عالم أقرب إلى الشر منه إلى الخير، وهاجس البحث والكشف عن العوالم الأخرى، وذلك
الميزان بين الخير والشر، وأيّ كفة يمكن أن ترجح.
لقد عالج "ياسوناري كاواباتا" مشكلة ضمير الإنسان الذي من المفروض أنه هو الضابط الذي يحكم إنسانية الإنسان، والذي يردعه عن فعل الغلط أو الشر، وذلك بالإيحاء له بالذنب أو تأنيب الضمير، للتنبيه في كلّ الحضارات والتفريق بين الإثم والشر والفضيلة، ما هي الفضيلة وما هو الإثم والشرّ، ومن يستطيع أن يقرّر أنّ هذا إثم وذاك لا؟
لقد عاشر العجوز المرأة المتزوجة والعاهرة ابنة ١٤ عامًا، ولم يشعر بالإثم كإحساسه الآن لمجرد أنه فكر في لمس لسان هذه الجميلة النائمة.
أيّ قدسية رأى الكاتب في هذا الجمال النائم ليضعنا أمام السؤال الذي ما زالت البشرية منذ بدايتها إلى الآن عاجزة عن تعريف الإثم وشرح معنى الشر، والآن حالة الوقوف هذه أمام هذا الجمال الصامت أعطت الفرصة للإنسان ليقف وقفة صادقة مع نفسه، وقفة أمام الحياة بكلّ غموضها وجمالها وشرّها.
يغضب الإنسان بعد أن يتخطّى عمرًا معينًا، يبدأ يشعر بأنّ السنين تمرّ أسرع من البرق، وما هذا إلا دلالة على تمسّك الإنسان بالحياة كلما اقترب من الشيخوخة، ومع الشيخوخة يبدأ الإنسان بإصلاح ما فات أو محاولة الإصلاح، التبرير والتنظير.
هذا الجمال النائم العاري كما ولد من بطن الأمّ اعتبره الكاتب أقوى من بوذا على تأمّل ماهية الحياة والشر والإثم.
يا لهذا الجمال التكفيريّ الذي نستطيع أن نمسح بنبضه ورائحة جلده كلّ إثم.

اخلاص فرنسيس



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...