على هامش ندوة
كانت ندوة حول أحد الموضوعات القانونية الهامة عقدتها كلية الحقوق؛ ودعَت إليها من بين ما دعت؛ بعض أعضاء النيابة العامة؛ كنتُ واحدا منهم، كما حضرها عدد كبير من ذوى المهن المتصلة بالقانون، امتلأت القاعة عن آخرها بالحضور، وبدأت المراسم.
وبينما كانت الكلمات تتوالى، أبصرتُه أنا والحاضرون وهو يأتى من آخر القاعة، كان يتكئ على عصًا فى يُمناه ويسنده مرافق له من جهة اليسار، وكلما نقَل قدمًا من موضعها؛ توقف مثل ضِعف الوقت الذى استغرقه فى نقلها؛ حتى ينقلها مرّة أخرى، بدأ العرق يتصبَّب ُمن جبينه، بدت عليه علامات ازدياد ضربات القلب تلحظُها من سرعة حركتى الشهيق والزفير؛ وعلُوّ صدره وهبوطه.
ظل على هذه الحال دون أن يعبأ ببعض من نهضوا من أماكنهم فى آخر القاعة يفسحون له مجلسًا، ولكنه استمر فى مجاهدة مع نفسه، ومعاناة مع مساعده؛ قاصدًا الصفوف الأولى حتى بلغها بعد عناء شديد.
كان هذا الرجل علَما من أعلام القانون ، تتلمذتُ على يديه، وكان من تلاميذه أكثر من نصف عدد الحُضور، كنتُ واحدا منهم فى بداية الثمانينيات، وحينما تولَّى عمادة هذا الصرح العتيق؛ كان الجالسون الآن على المنصة لا يزالون يَحْبُون على عتبات مؤلفاته وساحات محاضراته، يلتمسون منها ما يقيمون به صُلبهم القانونى.
جلس الرجل وكأنه نكرة، لم يعبأوا به، لم يكترثوا بحضوره، استمروا فى إلقاء كلماتهم، ونشوتهم بهذه الأضواء وانبهارهم بها، كأنَّ مجيئه الذى استلفت كل الأنظار كأن لم يكن.
ارتفعَت حدَّة النّقاش حول إحدى نقاط البحث؛ كثرت بشأنها المداخـلات، تعـالَت الأصـوات حتى أضـحت غـير مسموعة؛ ارتفعَت الأيدى تلتمس السماح بالتعليق، رفَع الرجل يده مثلهم، ولكنها لم تكن كأيديهم؛ لقد نالت منها السنون فألمَّت بها رعشة، وضاع صوته الخافت بين أصوات حناجرهم الرنانة، ولما أضناه رفع يده همَّ لينهض؛ فساعدَه مرافقه حتى استطاع الوقوف ولكن أحدا لم يعبأ به.
كنتُ على مقربةٍ من مقعده، سمعتُ الصوت الواهن الهزيل يردِّد متسائلا "النظام العام .. النظام العام" أى أين هذا الذى تقولون من "فكرة النظام العام" وهو تعبير يعرفه رجال القانون، ويُقصد به مجموع المصالح الأساسية التى يقوم عليها كيان المجتمع، وتُعِّبرُ عن الأسُس السياسية والإقتصادية والإجتماعية؛ التى يتوقف عليها بقاؤه، ولكنَّ الصوت تلاشَى بعد أن أعياه كثرة الترديد، ثم اندثر وسط الضجيج.
عاد الرَّجل إلى الجلوس قليلا؛ ثم أومأ لمرافقه فساعَده على الوقوف مرَّة أخرى، ولَّى وجهُه شَطر باب القاعة التى لم تعبأ به ولا بعلمه، وهو يُردِّد مع نفسه "النظام العام .. النظام العام".
لما صار خارج القاعة؛ نهضتُ من موقعى ولحقتُ به أشعرتُه حين صِرُت أمامه أنى سأحادثه؛ توقف ورفَع يُمناه المرتعشة، انزاحت العصا إلى ساعده قليلا ومدَّ يده فصافحتُه، ومال ناحيتى بأذنه فرفعتُ صوتى قائلا : "أنا أحد تلاميذك" تبسم الرجل من قولى وهزَّ رأسه وانصرف وهو لم يزل يردد ذات العبارة "النظام العام - النظام العام".
شغَلنى أمره؛ كما أزعجَنى أمرهم، هل كان حضوره من قبيل الحِرص - حتى هذه السن ومع هذا المرض - على مُتابعة مثل هذه الأبحاث أو الندوات؟ أم أنه الشَّوق إلى ما كان فى سالف الزمان؟ هل كان إصراره على بلوغ الصفوف الأولى؛ رغم معاناته فى المشى عن غير قصد؟ أم ليقول ولو لنفسه أننى ما زلتُ موجودا؟
أما تلاميذه ومن كانوا يومًا تحت رئاسته، ثم بلغوا العِمادة والرَّيادة الآن، فهل تجاهلهم له وصدّهم عنه؛ ولو بكلمة ترحيب عابرة كان مقصودًا؟ أم أنها الأضواء قد شغَفتهم وألهتهم؟ أم أنها الأخلاق كمُعظم الأشياء قد تبدَّلتْ؟!
لقد أرسو فكرة "النظام العام" فقالوا إنها "مجموع الأسس التى يقوم عليها نظام الجماعة وكيانها" ومما لا شك فيه أنَّ من بين هذا الكيان، الكيان الأخلاقى، ألا لو تمثَّلوا هذا المعنى، لكان حريًا بهم أن يُقدِّروا من أعطى، وأن يُبجِّلوا من علَّم، ولكنى وجدتُهم - هكذا - يخالفون النظام العام.
بهاء المري
كانت ندوة حول أحد الموضوعات القانونية الهامة عقدتها كلية الحقوق؛ ودعَت إليها من بين ما دعت؛ بعض أعضاء النيابة العامة؛ كنتُ واحدا منهم، كما حضرها عدد كبير من ذوى المهن المتصلة بالقانون، امتلأت القاعة عن آخرها بالحضور، وبدأت المراسم.
وبينما كانت الكلمات تتوالى، أبصرتُه أنا والحاضرون وهو يأتى من آخر القاعة، كان يتكئ على عصًا فى يُمناه ويسنده مرافق له من جهة اليسار، وكلما نقَل قدمًا من موضعها؛ توقف مثل ضِعف الوقت الذى استغرقه فى نقلها؛ حتى ينقلها مرّة أخرى، بدأ العرق يتصبَّب ُمن جبينه، بدت عليه علامات ازدياد ضربات القلب تلحظُها من سرعة حركتى الشهيق والزفير؛ وعلُوّ صدره وهبوطه.
ظل على هذه الحال دون أن يعبأ ببعض من نهضوا من أماكنهم فى آخر القاعة يفسحون له مجلسًا، ولكنه استمر فى مجاهدة مع نفسه، ومعاناة مع مساعده؛ قاصدًا الصفوف الأولى حتى بلغها بعد عناء شديد.
كان هذا الرجل علَما من أعلام القانون ، تتلمذتُ على يديه، وكان من تلاميذه أكثر من نصف عدد الحُضور، كنتُ واحدا منهم فى بداية الثمانينيات، وحينما تولَّى عمادة هذا الصرح العتيق؛ كان الجالسون الآن على المنصة لا يزالون يَحْبُون على عتبات مؤلفاته وساحات محاضراته، يلتمسون منها ما يقيمون به صُلبهم القانونى.
جلس الرجل وكأنه نكرة، لم يعبأوا به، لم يكترثوا بحضوره، استمروا فى إلقاء كلماتهم، ونشوتهم بهذه الأضواء وانبهارهم بها، كأنَّ مجيئه الذى استلفت كل الأنظار كأن لم يكن.
ارتفعَت حدَّة النّقاش حول إحدى نقاط البحث؛ كثرت بشأنها المداخـلات، تعـالَت الأصـوات حتى أضـحت غـير مسموعة؛ ارتفعَت الأيدى تلتمس السماح بالتعليق، رفَع الرجل يده مثلهم، ولكنها لم تكن كأيديهم؛ لقد نالت منها السنون فألمَّت بها رعشة، وضاع صوته الخافت بين أصوات حناجرهم الرنانة، ولما أضناه رفع يده همَّ لينهض؛ فساعدَه مرافقه حتى استطاع الوقوف ولكن أحدا لم يعبأ به.
كنتُ على مقربةٍ من مقعده، سمعتُ الصوت الواهن الهزيل يردِّد متسائلا "النظام العام .. النظام العام" أى أين هذا الذى تقولون من "فكرة النظام العام" وهو تعبير يعرفه رجال القانون، ويُقصد به مجموع المصالح الأساسية التى يقوم عليها كيان المجتمع، وتُعِّبرُ عن الأسُس السياسية والإقتصادية والإجتماعية؛ التى يتوقف عليها بقاؤه، ولكنَّ الصوت تلاشَى بعد أن أعياه كثرة الترديد، ثم اندثر وسط الضجيج.
عاد الرَّجل إلى الجلوس قليلا؛ ثم أومأ لمرافقه فساعَده على الوقوف مرَّة أخرى، ولَّى وجهُه شَطر باب القاعة التى لم تعبأ به ولا بعلمه، وهو يُردِّد مع نفسه "النظام العام .. النظام العام".
لما صار خارج القاعة؛ نهضتُ من موقعى ولحقتُ به أشعرتُه حين صِرُت أمامه أنى سأحادثه؛ توقف ورفَع يُمناه المرتعشة، انزاحت العصا إلى ساعده قليلا ومدَّ يده فصافحتُه، ومال ناحيتى بأذنه فرفعتُ صوتى قائلا : "أنا أحد تلاميذك" تبسم الرجل من قولى وهزَّ رأسه وانصرف وهو لم يزل يردد ذات العبارة "النظام العام - النظام العام".
شغَلنى أمره؛ كما أزعجَنى أمرهم، هل كان حضوره من قبيل الحِرص - حتى هذه السن ومع هذا المرض - على مُتابعة مثل هذه الأبحاث أو الندوات؟ أم أنه الشَّوق إلى ما كان فى سالف الزمان؟ هل كان إصراره على بلوغ الصفوف الأولى؛ رغم معاناته فى المشى عن غير قصد؟ أم ليقول ولو لنفسه أننى ما زلتُ موجودا؟
أما تلاميذه ومن كانوا يومًا تحت رئاسته، ثم بلغوا العِمادة والرَّيادة الآن، فهل تجاهلهم له وصدّهم عنه؛ ولو بكلمة ترحيب عابرة كان مقصودًا؟ أم أنها الأضواء قد شغَفتهم وألهتهم؟ أم أنها الأخلاق كمُعظم الأشياء قد تبدَّلتْ؟!
لقد أرسو فكرة "النظام العام" فقالوا إنها "مجموع الأسس التى يقوم عليها نظام الجماعة وكيانها" ومما لا شك فيه أنَّ من بين هذا الكيان، الكيان الأخلاقى، ألا لو تمثَّلوا هذا المعنى، لكان حريًا بهم أن يُقدِّروا من أعطى، وأن يُبجِّلوا من علَّم، ولكنى وجدتُهم - هكذا - يخالفون النظام العام.
بهاء المري