فؤاد النمري - ثورة أكتوبر البلشفية لم تمت ولن تموت (1)

تحتفي فلول الأحزاب الشيوعية في اليوم السابع من نوفمبر من كل عام بذكرى ثورة أكتوبر البلشفية كونها أول محاولة جادة لانتقال العالم إلى النظلم الإشتراكي . ونحن هنا في البداية نمتنع عن التأكيد على نفاق هذه الفلول وكذبها حيث الإحتفاء الحقيقي الصادق بالثورة الإشتراكية لا بدّ أن يبدأ ولا ينتهي قبل معرفة النهايات الحقيقية للثورة، وهو ما تعزف عن البحث فيه مختلف هذه الفلول دون استثناء . تؤمن جميعها أن ثورة أكتوبر انتهت إلى الفشل الذريع لكن بغير تحديد الأسباب الأمر الذي يدعو إلى الإشتباه في إيمان هذه الفلول الذي لا يستند إلى أية وقائع تاريخية أو حقائق علمية .
كنت في صيف العام 1963 قد كتبت من داخل معتقل الجفر الصحراوي مذكرة لقيادة الحزب أحذر فيها من عصابة خروشتشوف في الكرملن كعصابة معادية للشيوعية، فكان رد القيادة الخطي هو عدم البحث في الموضوع والحزب يواجه أشرس الأعداء حيث السلطات الأردنية استقدمت أحد النازيين الذين كانوا قد حاربوا في ستالينغراد لتعذيب الشيوعيين وهو من كان في صيف العام 1962 قد أمر بصلبي لسبعة عشر يوما في أحد الأقبية القذرة في سجن المحطة في عمان . في 6 ابريل 65 صدر عفو عام شمل الشيوعيين بعد أن لم تعد أجهزة القمع تحقق أي نجاح في تصفية الشيوعيين بعد أن سقط أكثر من 200 شيوعي من أعضاء الحزب في أيديها .
بعد نحو ثلاثة أسابيع أي في أواخر ابريل، أرسلت القيادة أحدهم يطلب إلي الإنتظام في الحزب، فرحبت بذلك مذكراً بموقفي الثابت من قيادة الحزب في موسكو . طبعاً ذلك لم يلق قبولاً من القيادة التي استدعتني إلى لقاء الأمين العام المساعد القائد الشيوعي البارز طيب الذكر فهمي السلفيتي في عمان في مايو 65 . كان إذّاك لقاءً عاصفاً بعد أن رفضت الإحتفاظ بموقفي من القيادة السوفيتية الخائنة لنفسي وعدم البحث فيه مع غير قيادة الحزب . وهكذا كان انفصالي الأخير عن الحزب الشيوعي الأردني .

قبل نحو خمسة عشر عاماً تقريباً، وقد ضاقت السبل بالحزب الشيوعي فكان أن دعا جميع الرفاق الذين كانوا قد تركوا الحزب لأسبابهم الخاصة وغالبيتهم كانوا في الصفوف الأولى في الحزب، دعاهم للبحث في أمر عودتهم للحزب وفق الشروط المقبولة عليهم . كنت أنا من بين المدعوين الذين قارب عددهم الثلاثين . طلبت الحديث في ذلك الإجتماع لأؤكد أن وحدة الحزب ترتكز قبل كل شيء آخر على الوحدة الفكرية بين مختلف كوادر الحزب ؛ فكيف يكون هناك وحدة فكرية ونحن لم نتفق على أن انهيار الإتحاد السوفياتي كان بسبب الصراع الطبقي – وهنا صاح بي مقاطعاً عضو في المكتب السياسي للحزب متسائلاً .. "من أين جئت بهذا التخريف يا فؤاد، عشنا لنسمع أخيراً أنه كان هناك صراع طبقي في المجتمع الإشتراكي" . صدمة الدهشة كانت قد بلغت مداها حين أيد الأمين العام للحزب وكان حاضراً احتجاج عضو المكتب السياسي . إلى هذه الدرجة انحط الوعي الفكري لدى قادة الحزب الشيوعي الأردني بل ولدى مختلف قادة الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي على الأقل . قادة لأحزاب شيوعية لا يعلمون أن "الإشتراكية" لا تعني نظاما اجتماعياً يوزع الحقوق بصورة عادلة بين المواطنين بل تعني إنكار الحقوق على جميع المواطنين بمن فيهم البروليتاريا صاحبة السلطة ؛ بغير ذلك لا يتم الوصول إلى الشيوعية من خلال محو الطبقات عبر صراع طبقي يزداد احتدامة كلما تقدم عبور مرحلة الإشتراكية . أنا أراهن اليوم أن أحداً من قادة الأحزاب الشيوعية في العالم العربي كان قد قرأ كتاب ستالين "المسائل الإقتصادية للإشتراكية في الإتحاد السوقياتي" الذي كان قد كتبه في العام 52 قبل اغتياله ببضعة شهور فقط وهو لا يتحدث فيه عن غير الصراع الطبقي، وإدارته بوعي طبقي شديد الحساسية ذي مساس عريض ومباشر بمصائر الثورة الإشتراكية .

فلول الأحزاب الشيوعيةلا تدرك من قمتها إلى قاعدتها مفاعيل الإشتراكية فكيف لها أن تؤتمن على قيادة البروليتاريا لبناء مستقبلها ؛ أدبياتها السياسية التي تطالعنا اليوم تفضح عجزها الفكري وطبيعتها البورجوازية حيث جميع هذه الفلول في العالم العربي على الأقل تنادي بالديموقراطية وبالعدالة الإجنماعبة والحالتان تعبران عن المساكنة الطبقية وتنفيان مبدأياً الصراع الطبقي المحرك الوحيد للتطور الإجتماعي، الصراع الطبقي هو بمثابة القلب يضخ دم الحياة في مختلف أطراف جسد الماركسية .
فلول الأحزاب الشيوعية في العالم العربي تعلن جميعها في برامجها أن استراجيتها النهائية تقتصر على ترسيخ الديموقراطية والعدالة الإجتماعية ويفوت هذه الجماعات الغبية التي لم تعد تمثل حتى شتاً من أشتات البورجوازية الوضيعة الكثيرة، يفوتها أن الديموقراطية البورجوازية لا تقوم بدون طبقة مكتملة من البورجوازية الرأسمالية الدينامية وقد انهارت مثل هذه الطبقة الوليدة في العالم العربي والعالم الثالث إثر انهيار الثورة البلشفية في خمسينيات القرن الماضي . كما أن العدالة الإجتماعية لم تقم إطلاقاً في التاريخ حيث العدالة الإجتماعية تفترض وجود دولة لاطبقية وهي ليست من بنات التاريخ .



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...