غريب عسقلاني - محاولة للخروج من الكابوس قراءة في رواية "أصحاب الملامح الباهتة" للكاتب المصري شريف محي الدين إبراهيم

شريف محي الدين كاتب يُشعل جذوة الأسئلة القابعة فيكَ، والتي حتماً تؤرقكَ كما تؤرقه فلا تملك إلا الانحياز لآلامه..يبهظك مقدار الخوف والحذر الساكن فيه، ليس عن عجز أو ضعف، ولكن عن حيرة في توجيه الطاقة العارمة إلى غير مرماها، تلك الطاقة المنطلقة من روح مبدعة، تعيش الخلق وتتهيأ له على مدار الوقت، ما يجعل من اللعبة الفنية مجاهدة كما السير على نصل شعرة, يتحول فيه الحلم إلى ضفيرة امرأة حلت شعرها لفارس البهاء, أو قوس ربابة يعالج رجع لحن قديم يأتي بعبق اللوعة, أو نصل سكين باتر كما المفارقة تضرب كافة القوانين بطرفة عين..​
لا غرابة والكاتب شاب يعيش واقعه بعيون مفتوحة، مغّرباً عن فاعليته فيه، مرصوداً ضحية مرتقبة في عصر رقمي يأخذ المعنوي/ العاطفي الروحي إلى هامش الهامش، ويتعاطى مع المادي بتقديس يصل إلى مرتبة العبودية له، يسفح القيم والمعايير والأعراف، ويمتص الرغبات والشهوات، ويحاصر الاشتباك مع معاني الوجود في هذا الوجود..والألفية الثالثة لا تترك مجالاً للتريث, فالاندفاع سيد الحالة, والوصول إلى الهدف لا يعترف بجدوى أو دور المحطات المنتشرة على خطوط الرحلة بين البدايات والنهايات, فالوقت آلة فضائيات ترصد اللحظة طازجة قبل أن تحدث..السرعة هائلة لا تنتظر الاختمار والتبلور والاكتمال وترك البصمات, قانونها الفاعل الشطب والتجاوز والإزاحة, ما يجعل النهايات مغرّبة غريبة عن البدايات، وما يجعل الحراك والتغير والتفاعل الطبيعي شاهداً أثرياً أو فلكلورياً وقف عند الدهشة, وتسمر وتصلب في الذهول أمام تقزم الإنسان الفرد وتلاشيه إلى صفر فقد خانته الرقمية فسكن في زاوية أو نتوء لديكور رسمت مواصفاته آليات لا ترحم.. ما يفرض الحصار والاستلاب والفقد والغربة سمات أساسية تلون قسمات الحياة.​
في هذا الإطار وفي جغرافية هذه الرؤى أطلق كاتبنا الشاب أجنة قصصه القصيرة في مجموعته اللافتة أحذية وكلمات, محاولاً ما استطاع بلورة خصوصيته وشخصيته كمبدع يعكس عذابات إنسان عصره، ويطلق الأسئلة في فضاءات تجريبية تستوعب الموروث الفني وتتقافز عنه بالإضافة وليس بالمشاغبة، فنراه يطارد فكرته على جملة قصيرة متوترة، محملة بشحناتها راصدة التآلف والتحالف والتوازي والتقاطع في أقدار البشر، متأملاً الموت والحياة، مقدما انفعالاته وذهوله من جحيم متجدد..يهرب من جحيم العقل إلى ضفاف الحلم, ويعيش في أجندات النفس والروح باحثاً عن معاني مبتكرة في الحياة..​
فهل استوعبت قصصه القصيرة أسئلته وعذاباته؟ وهل حملت آفاق رؤاه وكوابيسه؟ وهل قدمت فضاءات الفنتازيا السوداء كما تعكسها مرايا العصر..؟​
أم أنها الرواية كانت له بالمرصاد, تستدعيه إلى مائدتها، وتأخذه إلى مغامرة جديدة وهو الكاتب الواعي لشروط ومتطلبات الفن, الراصد للتحولات. فأخذته إلى مراياها المتقابلة والمتجاورة..ليطيل التحديق في الوجوه من حوله فكانت تجربته الروائية أصحاب الملامح الباهتة.حيث يصحو الراوي "أنا" على سرير تشاركه فيه الفراش فتاة فائقة الجمال فيما يقابله رجل يدخن لفافة فاخرة وقد فارق الحياة، يرعبه صوت آهات تتناهى إليه من كيان مغطى على سرير مجاور..يرفع الغطاء عنه فتداهمه نافورة دم نافرة من جسد مفصول الرأس..​
أي عالم كابوسي يُحشر فيه مع جمع غفير من الناس توزعوا على عنابر، وقسموا إلى مجموعات تحت سيطرة وسطوة آخرين مدججين ذوي ملامح باهتة بقيادة الأصلع ذو الكرش البغيض..​
ما الذي يراه أو يريده أنا(شريف محي الدين) عن أي الأسئلة يبحث، ومن هو الآخر الذي يقارع ويصارع. وهل يوجد خارج نطاق الإرادة ويتطلب جهداً استثنائياً لترويضه, أم هو الساكن في الذات يحتاج إلى فعل انقلابي للخروج من وطأته..!!​
والكاتب/ أنا هو مجموعة الذوات التي ترفض حياة الهامش في عصر انفلتت فيه المعايير, تعمل فيه التغيرات باندفاع يصعب التحكم فيه حتى على من يسري فيهم دم المعرفة الذهبي، وينبض فيهم حلم المشاركة في صناعة الحياة..​
الحياة كابوس..الرؤية فنتازيا سوداء..والخروج من الحالة هدف أول..وأنا يطلب العون من المحيطين به..لا شيء غير الذهول والإحباط..حوله من بترت أذرعهم أو فقدوا أعضاء أخرى وتم توزيعهم" مجموعات بحسب ما فقدوه من أعضاء.". لدرجة أنه يدوس على قطعة لحم صرخت تتألم وكانت لفتاة الحلم الذي قطع كل شيء فيها..​
أي مجتمع هذا الذي يعيش فيه، وأي جماعة تلك التي تعاشره وتعيش معه الأزمة..فالكاتب غريب الذي طالما تسلح بقلمه يكتب ما يراه صواباً، له قراء وزوجه تحبه وتؤمن بأهميته وابنه ترى فيه أعظم رجل في الدنيا, ينكسر ويتسلح بالسخرية ويعتصم بالصمت ويرى في الوهم والحلم والحقيقة وجوه حالة واحدة، ما يجعله يفقد بوصلته ويوهم نفسه باعتقاد أن من يريد النعيم في الحياة عليه ألا يؤمن بشيء..فلا يقين في حال اختلاط المعايير..​
ولأن مسعد الرسام يرى في الدنيا ضحكة كبيرة، وعبث يأخذ شكل الحقيقة يضخم أخطاء من حوله في رسوماته, ما يجعل من أصحاب الملامح الباهتة تأويل ما يرسم، فيعترف أنه يعبر عن مفارقات الحياة، فيطلقوا سراحه بعد أن أخذوا عقله مثلما أخذوا من أمل عينيها وكلية وفص رئة, وأمل هذه راقصة تعشق جسدها البديع، تعبّر عن ذاتها بالرقص لذلك تعتبر نموذجاً خالص النقاء والشفافية..​
الشاعر العجوز سالم لم يفقد أي عضو من أعضاءه,وصنف من أصحاب الدم الذهبي فهو لا يكف عن الدعوة للتأمل والتريث, يسكنه الجبن يخشى الفشل فيذهب إلى الهروب, ولكنه في ذات الوقت يأخذ الدنيا مأخذ الجد فيبكى نفسه ويبكي الناس ويحب أمه لدرجة البكاء..وكأن البكاء وسيلة نضالية(للمهزومين فقط)..​
لكن صمت سالم يختلف عن صمت صاحب الناي عاكف، الذي يقبض على لحن حزين محبوس في أعماقه، ويرى أن الكلام من صفات الضعفاء والعمل من شيم الأقوياء.​
وما يفاجئ أنا (الراوي) الفتى طارق (16 سنة) الذي ينطق بالخبرة والحكمة والإرادة والذي يحيره أنهم (أصحاب الملامح الباهتة) يضعون الواحد في غير مكانه ويقسمون الأفراد بقدر ما يسلبونهم من أعضاء ويخبره باعتزازه كونه ابن هذا الواقع وعليه التأقلم معه وفهمه والحلم بتغيره..فالهروب منه يقود إلى غرفة التعذيب لأنه لا فكاك من أسر الواقع..​
ما العمل والحياة كابوس فصوله القتل والدم والتعذيب ومصادرة الأعضاء وسحب الدم الذي ينبض بالرؤى الصادقة, فالافتراس سيد الحالة..لا قوانين أو نواميس في ظل الوهم, وفي محكمة يصبح المتهم فيها قاضياً, والمحامي متهما والتهمة هلامية مائعة للدرجة التي يتلذذ فيها الإنسان بقضم لحم أخيه الإنسان وجبة طازجة مقلية أو مشوية على زيت وفحم غرفة التعذيب والاعتراف..أي اعتراف والتهمة باطلة من الأساس, لأن من يطلقها فاقد الملامح​
كيف السبيل للخروج..الحرب أو المواجهة..​
وطارق الفتى الحكيم (الجيل القادم) سيزيف العصر وابن الحقيقة العارية يرفض السكون اتجاه واقع أنجبه, وكوّن جبلته من تفاعل إيجابياته وسلبياته.. فالهروب منه يقود إلى العدم والتلاشي..ويبدو أن طارق ينبه المتمرد في أنا المأخوذ بالفجيعة..​
الراوية أنا مازال يبحث ويراقب..يرصد يستمع، لكن المعطيات من حوله تزداد تعقيداً وانفلاتاً وتشوهاً يصعب معها القبض على الحقائق, بالصراخ والتبرم والنقد, حتى يلتقي بعلوان العجوز الصارم، جامد الملامح قائد عمليات التنظيم السري الذي يعمل في السراديب..ينفذ الأوامر، ولا يقيم وزناً للمشاعر، يعتمد إحساسه الشخصي(مزاجه) عند الإدانة أو البراءة, ولا ينظر في أدلة..يتسلى في أوقات الفراغ مع أعوانه بلعبة أشبه بالشطرنج حجارتها صنعت من بقايا عظام آدمية..ولشد ما كانت دهشة أنا عندما عرف أن رئيس التنظيم هو الصامت صاحب الناي الحزين..وأن نائبه الأصلع صاحب الكرش البغيض..​
أي اختلاط في المعايير والتقديرات والأحكام هذا الذي يحاصره ويضيق الخناق عليه ويضعه في دوائر توقع ما لا يمكن توقعه, ما يجعله في حالة توجس ودهشة من مفاجئآت مثل مفاجأة الشاعر سالم الهارب الجبان الذي يقدم وبدون مقدمات معلنة أو حتى مستترة على قتل واحد من أصحاب الملامح الباهتة فيقاد إلى غرفة التعذيب مع طارق وأنا..​
وفي غرفة التعذيب يسبح سالم مع صمته صائماً على سره رافضاً الاعتراف, فيما يجبر أنا على وضع لحم آدمي حي على جمرات فحم للشواء، وعندما يطلب منه وضع طارق في برميل الزيت المغلي يرفض، ولكن سلاح المنشار الكهربائي الزاحف إليه يجعله يمتثل للأمر.ويجعل سالم يعترف منقذاً طارق بعد أن جعل الزيت المقلي ملامح وجهه كتلة لحم مقلية. حتى الحقيقة المضيئة الوحيدة تم تشويهها وذلك إشارة إلى تشوهات الواقع وإفرازاته..​
أين الملاذ وكيف يكون..وهل تشكل وصايا الصوفي عابد الذي يؤمن بالحب حقيقة وحيدة ومهمة في هذا العالم، وأن الخلاص من عناء الواقع يكون بالاندفاع إلى عالم الروح..​
مازال أنا الراوية على بياض رؤيته لطارق ومازال مؤرقاً بالأسئلة، غائصاً في الكابوس للخروج منه, يرفض الانضمام إلى المجموعة الذهبية التي يسحب دمها بشكل دوري دون مقاومة لا يجد بينهم الخلاص والحرية المنشودة..ويكتشف عبث التنظيم السري الذي لا يملك مشروعاً أو برنامجاً فيه الخلاص، لأنه يتبنى ذات الأساليب التي يمارسها من يقبضون على مقاليد الحياة ويتحكمون في الأقدار, وكأنما يعيشون تواطئاً من نوع مريب مع أصحاب السلطة، وكأن في ذلك توصيفاً يدين الأطر والكيانات الحزبية والفكرية والسياسية العاملة خارج السلطة، فهي لا تعدو أن تكون وجهاً آخر لقصور وعيوب الأنظمة ونتاج ردود أفعال سلبية لأفعال واقع سلبي، حيث تتبنى الأطر المعارضة أساليب الفردية والتسلط وتغليب الأهواء الشخصية ما يقود إلى كوارث محققة..​
والأسئلة مازالت تتفاعل في ذات أنا مع إجابتها، والوعي مرجل يغلي بالتمرد والثورة لدى من يمتلكون الحلم بحياة أفضل ويعيشون في دواخلهم بهاء الحقائق رغم تكاثف الدخان الأسود..​
متى يحدث الانفجار؟​
رب توقيت يفرضه الآخر يقصم حال الوقت..​
يختفي غريب الذي يكتب ما يؤمن به ويشعر بقيمته بين قراءه وعند زوجته وابنته الذين يرون فيما يكتب طريقاً للخلاص.فيدرك أنا أن بعضاً منه قد يذهب إلى الموت فيندفع لغرفة التعذيب لإنقاذه من براثن التنظيم السري.. ويخوض معركته مع علوان بعدد قليل من الأنصار يزداد مع استمرار المعركة. وينكشف أمر التنظيم ويعيش غريب نشوة الانتصار لحظة قبل أن يفارق الحياة نتيجة إصابته بطعنة لا ترحم..​
قضى غريب المبدع في الدفاع عما يعتقده الصواب..​
وفي لحظة لا تتأخر يعود الوعي, ولكن بعد فوات الأوان لصاحب الناي عاكف ويدرك خطأه في إدارة التنظيم ويستسلم لقدره مع أصحاب الملامح الباهتة ولا يشي بـ أنا الذي يُبايع زعيماً, والذي يكتشف أنهم أخذوا عقله وتركوا فراغاً في جمجمته..​
هل يسير على ذات الطريق الذي سلكه عاكف؟أم أنه سيتبع ضوء الحقيقة الخالصة التي تعترف بالحب حقيقة وحيدة لتحقيق معنى الوجود، والتي تبدت تباشيرها في زواج سعد وأمل رغم ما طالهما من تشوهات..​
تلك الأسئلة المطروحة أمام أبناء الواقع الذين يطلبون الغد. وذلك الاختبار​
وبعد.​
فقد خاض شريف محي الدين تجربة ذهنية/ نفسية مرهقة ومعقدة، كما هو حال العصر الذي يعيشه، وقدم رواية تحمل طموح تقديم الإجابات أو الإرهاص بما يساعد على الخروج من دوامة لا ترحم، في بنية فنية تقوم على إيقاع سريع متوتر لاهث..فالمكان لا يخضع لتأطير الأماكن الواقعية، ولا جهد مبذول في الوصف أو التصوير وتحديد الأبعاد. والزمان يتقافز بين لحظات المعاناة والحضور عند مواجهة الأفعال, أو مع الآلام عند ردود الأفعال..زمن القص متداخل يقفز عن الحالة/ اللحظة ليعود إليها، يندغم الحاضر بالمستقبل ولا يلتفت للماضي كثيراً,والشخصيات تحمل من مواصفات أفكارها أكثر من مواصفات أجسادها وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية ما يجعلها رموز أفكار وشفرات, الأمر الذي جعل التشابه في بعض الحالات يطغى على الاختلاف خاصة لدى المسكونين بالإبداع..والحوار قصير مقنن يحمل موحياته ما جعله يقترب أكثر من لغة المسرح والفنتازيا سوداء في إطارها الكلي تجنح في بعض المفاصل إلى العبث فهل يرى كاتبنا في ذلك مداخل الرواية الحديثة التي يطمح إليها في زمن تسحبه سرعة التغيرات إلى اللهاث بعد اللهاث أعتقد أن شريف محي الدين، كاتب لن يغادره الأرق، لأنه مسكون بمبدع حقيقي يبحث عن موطئ قدمه على خريطة الأدب وهذا حقه الخالص وأن ما قدمه محاولة جادة تستحق الوقوف عندها بالتأمل العميق..​

* شريف محي الدين, كاتب مصري يقيم في الاسكندرية, بكتب الرواية والقصة القصيرة والمسرحية, وقد حاز على أكثر من جائزة في مصر، والوطن العربي.​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...