الحلقة الرابعة
دراسة بلا حشومة هي فالأصل أطروحة دكتوراه قدمت في جامعة باريس VIII عام 1985 تحت عنوان "Au-delà de la pudeur"، لصاحبتها سمية نعمان جسوس، ليتم نشرها بالعربية بعنوان "بلا حشومة؛ الجنسانية النسائية في المغرب" من طرف المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى 2003 ، في حيز ورقي تصل 288 صفحة.
اعتمدت الكاتبة من خلاله دراسة إحصائية همت 200 شخص (75 امرأة، 75 فتاة، 25 أرملة، 25 مطلقة) كعينة للبحث بمجال مدينة الدار البيضاء، لم تقتصر الكاتبة على طيف اجتماعي بعينه بل استهدفت كافة الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية من نساء : أميات/متعلمات، قرويات/حضريات، نساء/فتيات، مطلقات/أرامل/متزوجات...، وذلك منخلال استمارة احتوت مجموعة من الأسئلة تدور في فلك الجنس.
يحملنا العنوان " بلا حشومة" الى السفر رفقة الكاتبة على متن أسئلة تتجاوز حواجز الطابوهات المجتمعية التي صنفت موضوع الجنس ضمن خانة العيب والعار، الى الحفر والتنقيب في العينة البحثية المدروسة.
تقارب الباحثة بجرأة خطوط جنسانية مؤنثة رافضة بذلك الانضباط لتعليمات النسق.
وعلى مدار الفصول الثلاثة المشكلة للكتاب ترصد الكاتبة "الأنثى" منذ ولادتها إلى طفولتها ثم المراهقة فالخطوبة والزواج الى أن تصبح أما.
خصص الفصل الأول لتجربة ما قبل الزواج بفضاء البيت المغلق، حيث سلط الضوء من خلاله على دونية الفتاة داخل العائلة، والتي تخضعها الى عدة سلط مقيدة ( سلطة الأب، الجد، الأم، الأخ ....)، تتزايد حدة سلطة الرقابة مع بلوغ الفتاة مرحلة المراهقة، فيصبح جسدها احدى ممتلكات العائلة تحفظ بمنطق الشرف في تكريس واضح للتبعية.
وهو ما يفرض على الفتاة في أولى العلاقات الجنسية التوفيق بين الشرف والرغبة نظرا لأنها مرحلة جنسانية قبل الزواج في مجتمع تقليدي.
تعبر بنا بعدها الباحثة سمية نعمان جسوس الى سبر أغوار الزواج كفعل اجتماعي وحياة يومية، فتنبش في كومة التقاليد الملازمة للزواج، ومسار تحول المرأة من زوجة إلى أم، وكل ما يرافق هذا العبور الاجتماعي من أدوار جديدة للمرأة، وفي ذات السياق عبرت إحدى المستجوبات عن الحياة الزوجية بأنها (الصفحة 134) :" ضربا من ضروب الشركة التعاقدية، فالمرأة تمنح الرجل قوة عملها ودرايتها وقدرتها على الإنجاب، كما تمنحه جسدها، وتحصل في مقابل ذلك كله على المأوى والطعام وعلى وضع اجتماعي هو وضع الزوجة".
أما الفصل الأخير فاحتل الحيز الأكبر ، ليقارب موضوع الدم والليلة، اللذة والألم، فكشفت الباحثة عورة حقائق حرم الحديث عنها بقوة الحشومة، العيب، الحرام،..، لتغوص في تمثلات العذرية وتصورات النساء للجنس والحياة الجنسية بين العناء والمتعة ونظرة الإسلام للذة.
إن أهمية الكتاب ككل تكمن في كونه يقارب احدى الطابوهات بحنكة وتفوق وعلمية رصينة، غير أن الفصل الأخير بالذات تكمن أهميته في الكشف عن المفارقات التي تظهر تعامل المجتمع مع الجنس ونظرته إليه، ومثال ذلك نموذج ليلة الزفاف (ليلة الدخلة)، التي استفهمت عنها الكاتبة قائلة (ص 199) : " تبدو الظاهرة مثيرة للاستغراب، ولاسيما أن التربية تجعل النساء تقوم منذ نعومة أظافرهن على حشو أذهانهن بالممنوعات المتصلة بالوظيفة الجنسية ... التي تتعرض فجأة لانتهاك عنيف"، وذلك عبر طقس العبور الذي يرافق انتقال العروس تلك الليلة من مرحلة إلى أخرى، من حياة جنسية غير نشيطة الى أخرى نشيطة (من عذراء الى غير عذراء)، حدث الافتضاض هنا ينتصر من خلاله المجتمع لمفاهيم الشرف ويتخلص من الإثم والعار وكل ما يلازم الجنس من محرمات تراكمت عبر سنين طويلة.
انها المفاهيم والرؤى حول العذرية والشرف تدافع عنها النساء بضراوة بحكم التربية، فهي فرصتهن بقوة العرف الذكوري لاتباث الذات ونيل الاعتراف الاجتماعي من القريب كما البعيد، وهو ما عبرت عنه احدى المستوجبات بقولها (الصفحة 179) :"سوف أغلق أفواه جميع أولئك الذين اغتابوني وأشاعوا عني أني لست عذراء".
انها مساحة لاشهار دليل براءة وحجة دامغة على الاستقامة والصلاح. وهذا في حد ذاته تكريس ضمني للتهميش الاجتماعي البكارة الدينية في مقابل الانتصار للبكارة التوفيقية، التي تستجيب أحيانا لنزيف الرغبة دون أن يحدث الافتضاض عبر ممارسات جنسية متعارف عليها.
تؤكد الباحثة أن الافتضاض يتحول في حالات عديدة الى تعبير رمزي ومكافأة تقدمها الفتاة لأهلها فتزهو وتفتخر به العائلة (الصفحة 178 ) : "لقد عانى أبواي الكثير لأجلي، فمن العدل أن أكافئهما في يوم زفافي بأن يحمل إليهم قماش مبقعا بدمي".
www.facebook.com
دراسة بلا حشومة هي فالأصل أطروحة دكتوراه قدمت في جامعة باريس VIII عام 1985 تحت عنوان "Au-delà de la pudeur"، لصاحبتها سمية نعمان جسوس، ليتم نشرها بالعربية بعنوان "بلا حشومة؛ الجنسانية النسائية في المغرب" من طرف المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى 2003 ، في حيز ورقي تصل 288 صفحة.
اعتمدت الكاتبة من خلاله دراسة إحصائية همت 200 شخص (75 امرأة، 75 فتاة، 25 أرملة، 25 مطلقة) كعينة للبحث بمجال مدينة الدار البيضاء، لم تقتصر الكاتبة على طيف اجتماعي بعينه بل استهدفت كافة الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية من نساء : أميات/متعلمات، قرويات/حضريات، نساء/فتيات، مطلقات/أرامل/متزوجات...، وذلك منخلال استمارة احتوت مجموعة من الأسئلة تدور في فلك الجنس.
يحملنا العنوان " بلا حشومة" الى السفر رفقة الكاتبة على متن أسئلة تتجاوز حواجز الطابوهات المجتمعية التي صنفت موضوع الجنس ضمن خانة العيب والعار، الى الحفر والتنقيب في العينة البحثية المدروسة.
تقارب الباحثة بجرأة خطوط جنسانية مؤنثة رافضة بذلك الانضباط لتعليمات النسق.
وعلى مدار الفصول الثلاثة المشكلة للكتاب ترصد الكاتبة "الأنثى" منذ ولادتها إلى طفولتها ثم المراهقة فالخطوبة والزواج الى أن تصبح أما.
خصص الفصل الأول لتجربة ما قبل الزواج بفضاء البيت المغلق، حيث سلط الضوء من خلاله على دونية الفتاة داخل العائلة، والتي تخضعها الى عدة سلط مقيدة ( سلطة الأب، الجد، الأم، الأخ ....)، تتزايد حدة سلطة الرقابة مع بلوغ الفتاة مرحلة المراهقة، فيصبح جسدها احدى ممتلكات العائلة تحفظ بمنطق الشرف في تكريس واضح للتبعية.
وهو ما يفرض على الفتاة في أولى العلاقات الجنسية التوفيق بين الشرف والرغبة نظرا لأنها مرحلة جنسانية قبل الزواج في مجتمع تقليدي.
تعبر بنا بعدها الباحثة سمية نعمان جسوس الى سبر أغوار الزواج كفعل اجتماعي وحياة يومية، فتنبش في كومة التقاليد الملازمة للزواج، ومسار تحول المرأة من زوجة إلى أم، وكل ما يرافق هذا العبور الاجتماعي من أدوار جديدة للمرأة، وفي ذات السياق عبرت إحدى المستجوبات عن الحياة الزوجية بأنها (الصفحة 134) :" ضربا من ضروب الشركة التعاقدية، فالمرأة تمنح الرجل قوة عملها ودرايتها وقدرتها على الإنجاب، كما تمنحه جسدها، وتحصل في مقابل ذلك كله على المأوى والطعام وعلى وضع اجتماعي هو وضع الزوجة".
أما الفصل الأخير فاحتل الحيز الأكبر ، ليقارب موضوع الدم والليلة، اللذة والألم، فكشفت الباحثة عورة حقائق حرم الحديث عنها بقوة الحشومة، العيب، الحرام،..، لتغوص في تمثلات العذرية وتصورات النساء للجنس والحياة الجنسية بين العناء والمتعة ونظرة الإسلام للذة.
إن أهمية الكتاب ككل تكمن في كونه يقارب احدى الطابوهات بحنكة وتفوق وعلمية رصينة، غير أن الفصل الأخير بالذات تكمن أهميته في الكشف عن المفارقات التي تظهر تعامل المجتمع مع الجنس ونظرته إليه، ومثال ذلك نموذج ليلة الزفاف (ليلة الدخلة)، التي استفهمت عنها الكاتبة قائلة (ص 199) : " تبدو الظاهرة مثيرة للاستغراب، ولاسيما أن التربية تجعل النساء تقوم منذ نعومة أظافرهن على حشو أذهانهن بالممنوعات المتصلة بالوظيفة الجنسية ... التي تتعرض فجأة لانتهاك عنيف"، وذلك عبر طقس العبور الذي يرافق انتقال العروس تلك الليلة من مرحلة إلى أخرى، من حياة جنسية غير نشيطة الى أخرى نشيطة (من عذراء الى غير عذراء)، حدث الافتضاض هنا ينتصر من خلاله المجتمع لمفاهيم الشرف ويتخلص من الإثم والعار وكل ما يلازم الجنس من محرمات تراكمت عبر سنين طويلة.
انها المفاهيم والرؤى حول العذرية والشرف تدافع عنها النساء بضراوة بحكم التربية، فهي فرصتهن بقوة العرف الذكوري لاتباث الذات ونيل الاعتراف الاجتماعي من القريب كما البعيد، وهو ما عبرت عنه احدى المستوجبات بقولها (الصفحة 179) :"سوف أغلق أفواه جميع أولئك الذين اغتابوني وأشاعوا عني أني لست عذراء".
انها مساحة لاشهار دليل براءة وحجة دامغة على الاستقامة والصلاح. وهذا في حد ذاته تكريس ضمني للتهميش الاجتماعي البكارة الدينية في مقابل الانتصار للبكارة التوفيقية، التي تستجيب أحيانا لنزيف الرغبة دون أن يحدث الافتضاض عبر ممارسات جنسية متعارف عليها.
تؤكد الباحثة أن الافتضاض يتحول في حالات عديدة الى تعبير رمزي ومكافأة تقدمها الفتاة لأهلها فتزهو وتفتخر به العائلة (الصفحة 178 ) : "لقد عانى أبواي الكثير لأجلي، فمن العدل أن أكافئهما في يوم زفافي بأن يحمل إليهم قماش مبقعا بدمي".
مساواة | Rabat
مساواة, الرباط، المغرب. 18,768 likes · 116 talking about this. مساواة اعلام نسائي تحرري من أجل ترسيخ خطاب بديل حول الم