لطيفة زهرة المخلوفي - الأدب النسوي.. تجارب ورهانات - الحلقة السادسة

الحلقة السادسة



ولدت الناقدة والباحثة يسرى مقدم سنة 1951، في بلدة "زبدين" إحدى قرى جبل عامل في الجنوب اللبناني.
اهتمت يسرى بالنقد النسوي تقعيدا وانتاجا، نشرت العديد من الأبحاث والدراسات في الصحف والمجلات اللبنانية والعربية. كما ترجمت بعض أعمال ماركيز وكتاب آخرين.
وقد صدر لها كتاب (مؤنث الرواية) الذي تناولت فيه بالنقد والتحليل من واقع الرواية العربية من منطور نسوي.
كما صدر لها مؤلف الحريم اللغوي عن شركة المطبوعات للنشر والتوزيع - بيروت 2010، شكلت تجربة "الحريم اللغوي" محطة هامة حيث شاركت من خلالها بدايات مرحلة القلق التي عاشته، بداية تشكل وعي عبرت من خلالها عن أسئلة الهوية والذات في ظل واقع قائم على التمييز بين الذكورة والأنوثة والأصل والفرع والمركز والهامش.
انها خطوات التمرد الأولى، فجاءت بطعم الغضب ومحاولة التماهي بصورة المذكر، لتحضى بالمكانة، لكن تطور وعيها الخاص جعلها تجتهد في كشف الأسباب التي أسست لهذا الوضع الدوني تاريخيا.
عادت الكاتبة من خلال هذا الكتاب إلى تلك البدايات وصولا إلى راهن الواقع من خلال بحثها الدؤوب في النصوص والمدونات للبحث عن إجابة لاستفهامات المذكر والمؤنث معطوفا عليه بأسئلة الاختلاف والهوية والذات.
في المقاربة الأولى التي عنونتها ب"مديح اللغة ومساءلة النظام"، تطرح سؤال الاختلاف بصفته الخيط الذي تبني اللغة صرحها ، وتتشكل من رموز تتغاير باستمرار وفق منطق ينشأ معه الدال والمدلول من صلب هذا الاختلاف. وإذا كانت هذه اللغة خاضعة لسلطة نظامها فإنها بحسب ما تراه تخالف الأصول التي تتمثل في اللغة الأولى أو لغة الأمومة البكر التي عرفت الإنسان قبل أن يعرفها فحفرت أثرا عميقا. لذلك تأتي كلمات المؤنث/ أفكاره المهجورة لتكشف عن مضمر علاقتها باللغة الأم والرغبة في استعادتها لكي يعود المؤنث من منفاه ويحقق استقلاليته اللغوية.
وبعد هذه الصورة الوصفية البلاغية لعلاقة اللغة بالمؤنث تنتقل إلى دراسة تعبيرات تلك العلاقة في اللغة التي تصير أسيرة قواعدها، وتتحول إلى مرجعية لها تعمل على كثم صوت المؤنث عندما تجعل منها فرعا على الأصل المذكر، فيكون خطابه خطاب الواحد المفرد الذي يكون النظام اللغوي مشابها له يكبل لسان المؤنث ويقيد تعبيراته.
تستعين الباحثة بالشواهد المنقولة من كتب اللغة القديمة والمعاجم لتأكيد هذه الخلاصات التي تنتهي إليها وترى من خلالها.
كما ناقشت الكاتبة مقولة الأصل المذكر التي لا دليل عليها من خلال العودة إلى موضوع اللغة وقواعدها التي تؤدي دور الحاكم والضابط لحركة اللغة وضبط حدودها، إذ تعمل هذه القواعد على تقييد الحريم اللغوي بضوابط صارمة بغية ترسيخ هيمنة الذكورة وتفوقها. تنتقل بعدها إلى تناول مباحث التذكير والتأنيث في اللغة باعتبارها تحط من قيمة المرأة، فتلحق بجمعه من يعقل ومن لا يعقل، لاسيما عند "المبرد" الذي يرى أن بعض الصفات الدالة على التأنيث من غير علامات لا يخضع للمنطق. وفي ذات السياق نعتالمؤنث بالسحر والغموض وهذا ليس بالجديد بل أعاد تكرار الأساطير الأبوية التي تكسب المرأة صفات المكر والخداع والمراوغة والكيد.
من الخوص في كتب التراث تنتقل الناقدة إلى الرواية باعتبارها الوسيط الفني الأنسب للتعبير عن انكشاف الواقع الذي تقوم الروائية بكشف عوراته وفضح انحيازاته للمذكر، على الرغم من كون اللغة تشكل هاجسا يقلق المرأة، ويعيق إبداعاتها ما يستدعي من المرأة الراغبة بتحقيق ذاتها وتأكيد هويتها العمل على تحرير اللغة عبر استحضار اللغة المؤنثة من خلال تجاوز الخطاب المؤنث لحيرته وتردده ووقوفه عند عتبة الكلام، الأمر الذي قاد هذا الخطاب إلى عدم تحقيق مساعيه وقيامه بمراجعة نقدية حقيقية، فجعله يغرق في موجة كتابات حافلة بالشكوى والبكاء والاتهام والإدانة، وهو ما يلزم المرأة الكاتبة بإنتاج ذاتها وحضورها في لغتها بكامل هويتها لأن اللغة التي تكتب بها هي أصلا لغة منحازة بشكل أو بآخر.
وتبحث مقدم في إيديولوجية الاستعارة نظرا لأن المؤنث في كتب اللغة قد ألبس ثوب الاستعارة الذي طمس وجوده الحقيقي، لأن الاستعارة حسب "ابن جني" تلحق بالحقيقة متى اتسعت وشاعت ثم تناقش العديد من الاستعارات التي تقودها لتأكيد هذه النتيجة عبر تحليل دلالاتها ومعانيها التي حكمت وجودها.
فضلا عن كل ما سلف تناولت يسرى مقدم مفهوم اللغة، مؤكدة على وجوب أنسنتها ماديا وذهنيا بغية الإشارة إلى ثنائية المذكر والمؤنث فيها، باعتبارها ثنائية الأصل لا القول بالمذكر الأصل، ومثله نظام اللغة اللذين يمثلان وريث السلطة الأبوية التي تربط التأنيث بالشبهة عندما يرد نظام النحو العربي المؤنث إلى فرع نميزه عن المذكر بعلامة لغوية فارقة تحيل على هوية صورية هي تاء التأنيث.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...