د. صبري محمد خليل خيري - الاستخلاف الثانى للأمة والظهور الأصغر لأشراط الساعة

ملخص:
تربط الدراسة بين ظهور اشراط الساعه، والوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف ، والذي أشار إليه القران الكريم في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). غير أن هذا الربط يقوم على التمييز- وليس الخلط او الفصل- بين نسقين: النسق الأول: مضمونه الأشكال المتعددة للاستخلاف التى اشارت اليها الآية صراحة او ضمنا. النسق الثانى: يتضمن درجات ظهور أشراط الساعة: اولا: ظهور اكبر آخر الزمان، فهو مرتبط بأشراط الساعة الكبرى. ثانيا: ظهور اصغر قبل ذلك ، فهو مرتبط بأشراط الساعة الصغرى .وتربط الدراسه بين الاستخلاف العام الثاني للأمة " في حاضرها " ، بالظهور الأصغر لبعض اشراط الساعة قبل آخر الزمان، والمرتبط بهذه الاشراط . حيث تربط الدراسة بين هذا الشكل من أشكال الاستخلاف وهزيمة الدجال الأصغر. فقد ميزت النصوص- وأقوال العلماء اتساقا مع هذه النصوص - بين الدجال الأكبر (الذي سيظهر آخر الزمان) ، والدجال الأصغر( اى ظهور دجالون قبل ظهور الدجال الاكبر اخر الزمان- كما فى قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد : 5 /61)- ) . فقد عينت الأحاديث الدجال الاكبر، اى حددت انه هو شخص معين محدد الصفات ، وهو الأمر الذى قرره العلماء اتساقا مع هذه النصوص . كما عينت بعض النصوص الدجال الأصغر ، بانهم اشخاص يدعون النبوة دون تحديد أسمائهم ، كما فى قوله "صلى الله عليه وسلم"(سيكون فى أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم انه نبى...)(أخرجه أبو داود: 4 ) . وقد اقتصر استخدم العلماء لمصطلح "الدجال الأكبر "على معناه الحقيقى "الاصطلاحى"( اى شخص معين محدد الصفات) . اما مصطلح الدجال الأصغر " اى الدجاجلة الذين سيظهرون قبل ظهور الدجال الأكبر " ، فقد استخدمه العلماء بمعنيين ، دون الغاء اى معنى للمعنى الاخر:اولا:المعنى الحقيقى"الاصطلاحى" ومضمونه اشخاص يدعون النبوة كما أشارت النصوص. ثانيا: المعنى المجازى"اللغوى": وهو معنى مجازى ماخوذ من معناه اللغوى الذى اشار اليه كثير من العلماء ، والذى يضمن صفات الكذب وستر الحق، يقول الازهرى (كل كذاب فهو دجال) (لسان العرب) ،وقد استخدمه بعض العلماء فى وصف بعض الأشخاص ( والدجال يطلق فى اللغة على أوجه كثيرة منها الكذب.. كما قال مالك بن أنس فى محمد بن إسحاق إنما هو دجال من الدجاجلة) (إرشاد الساري لشرح صحيح بخارى / ج 15 / كتاب الفتن/ باب 25 / ص 69 ). وترى هذه الدراسه ان مضمون المعنى المجازى المأخوذ من المعنى اللغوي لمصطلح الدجال الاصغر، انه وصف " يمكن أن ينطبق على اى شخص او عقيده او فلسفه ، او منهج أو نظام ... "، يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود محدود (فعلا وغاية )، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار ، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالحاكميه والتشريع والملكية ... لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية( اى تحويله إلى غاية مطلقة زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت). وهذا المعنى المجازى المأخوذ من المعنى اللغوي للدجال الاصغر، ينطبق فى عصرنا "على سبيل المثال لا الحصر" على الليبرالية كفلسفة : طبيعية - غير دينية ، وفرديه ، وكمنهج يستند الى مضمون فكرة " القانون الطبيعي " أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته " ، و كمذهب "نظام" شامل : علماني فى موقفه من الدين، فردى فى موقفه من المجتمع، راسمالى فى موقفه من الاقتصاد . لانها- اى الليبرالية كفلسفة ومنهج ومذهب - تحول الفرد من وجود محدود " تكوينيا بالمجتمع والطبيعة والسنن الالهيه ، التي تضبط حركتهما ، وتكليفيا بالمفاهيم الكليه للوحي " ، إلي وجود مطلق ، اى وجود قائم بذاته ومستقل عن غيره ، وبالتالي تعتبر الفرد غاية مطلقة"مضمون الطاغوتية"، وتسند إليه الفعل المطلق"مضمون الاستكبار" ، ففى مجال السياسة والتشريع والاقتصاد أسندت السيادة "السلطة المطلقة (الحاكمية) والتشريع" حق وضع القواعد القانونية المطلقة" والملكية "اى ملكيه الرقيه اى حق التصرف المطلق فى المال" إلي الإنسان، بدلا من إسنادها إلي الله تعالى (باعتبارها صفات ربوبية)، واستخلافه في إظهارها في الأرض(بإسناد السلطة " الامر" ، والاجتهاد والانتفاع بالمال إلى الجماعة المستخلفة اصلا عن الله تعالى). كما تربط الدراسه بين الاستخلاف العام الثاني للأمة " في حاضرها " ، بهزيمة ياجوج ماجوج الصغرى.إذا كان القران الكريم قد قرر أن ياجوج وماجوج قد تم حجزهم خلف السد الذي بناه ذي القرنين، فان عددا من العلماء قد قرر أن لياجوج وماجوج نسل عرقي خارج السد ، أورد ابن حجر العسقلاني ومن رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال(يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة ، بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين " وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد )، غير أن هذه الأقوال تتناقض مع ظاهر النصوص ، الذي يفيد أن كل ياجوج وماجوج قد تم حجزها وراء السد . وإذا كان القول بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج محل رفض ، فان من الممكن القول بأن لهم نسل حضاري "وهم ياجوج وماجوج الصغرى " ، ويرتبط الاستخلاف العام الثاني للامه بهزيمتهم .وقد اشار بعض العلماء لياجوج وماجوج الصغرى ، ومنهم ابن كثير الذى اعتبر انها تتمثل فى الترك" اى المغول"، حيث يقول فى كتاب النهاية فى الفتن والملاحم وفى معرض تفسيره حديث قتال الترك"المغول" ( فقد يكون هذا –ايضا- واقعا مره اخرى عظيمة بين المسلمين والترك. حتى يكون اخر ذلك خروج ياجوج وماجوج قريبا منها ) .اما الدراسه فتعتبر ان ياجوج وماجوج الصغرى تتمثل فى المعنى المجازى لياجوج وماجوج ، والمأخوذ من معناها اللغوي ، والمتضمن فى تفسير بعض العلماء لحديث( فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذا) ( فالجواب اما على قول من ذهب الى ان هذا اشارة الى فتح أبواب الشر والفتن، وأن هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا إشكال).(ابن كثير/ النهاية فى الفتن والملاحم ).وطبقا لهذا ترى الدراسه ان ياجوج وماجوج الصغرى هم كل المفسدون في الأرض على وجه العموم ، وكل قبيلة أو شعب تتميز أو يتميز بحضارة وحشية، على وجوه الخصوص ،وهذا المعنى المجازى المأخوذ من المعنى اللغوى لياجوج وماجوج الصغرى، ينطبق فى عصرنا "على سبيل المثال لا الحصر"على الاستعمار بأشكاله المتعددة" الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري،والاستعمار الاستيطاني "الصهيوني" والاستعمار الجديد " الامبريالي "، والذي يمثل الوجه المتوحش"الخارجي" للحضارة الغربية ذات الفلسفة والمنهج الليبرالي ، والنظام الاقتصادي الراسمالى ، والذي يتناقض مع وجهها الإنساني "الداخلي" . كما ترتبط الدراسه بين الاستخلاف العام الثاني للأمة " في حاضرها" بظهور المهدئة الصغرى .فقد ميزت النصوص- وأقوال العلماء اتساقا مع هذه النصوص - بين المهديه الكبرى( اى ظهور المهدى الاكبر آخر الزمان والصغرى) ، والمهدية الصغرى ( اى ظهور مهديون راشدون قبل ظهور الدجال الاكبر اخر الزمان، كما فى قوله (صلى الله عليه وسلم)( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي )، يقول ابن القيم (كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)( المنار المنيف،ج1،ص 298)).ومضمون المهدئة الصغرى هو الالتزام بشروط الاهتداء التكوينية والتكليفيه، فى زمان ومكان معينين. وبالتالى فان المهديه الصغرى تتضمن – فى عصرنا- الالتزام بشروط الاستخلاف بنوعيها:اولا: الشروط النصية المطلقة : اى شروط استخلاف الأمة في كل مكان ” كل أمم وشعوب أمه التكليف اى الامة الاسلامية ”، و كل زمان” ماضي وحاضر ومستقبل الأمة ” .ثانيا: الشروط الاجتهادية المقيدة : اى شروط استخلاف الأمة في مكان معين ” كالأمة العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “الحاضر”، وتتضمن التزام بمفاهيم وقيم وقواعد ( ا/ الحرية ، ب/التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، ج/الوحدة ، د/ التجديد والجمع بين الأصالة والمعاصرة)، بشرط اتساقها – عدم تناقضها- مع المفاهيم والقيم والقواعد الكلية الاسلاميه، التى مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة- التى تمثل ثوابت الدين النصية الثابتة -

.................................................

متن الدراسه التفصيلي:

الربط بين الاشكال المتعدده للاستخلاف ودرجات ظهور اشراط الساعه:
تربط الدراسة بين ظهور اشراط الساعه، والوعد الالهى باستخلاف أمه التكليف " الامه الاسلاميه " - بأممها وشعوبها التكوينية المتعددة "ومنها الامه العربيه المسلمه بشعوبها المتعدده" - والذي أشار إليه القران الكريم في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).

التمييز و ليس الخلط او الفصل: غير أن هذا الربط يقوم على التمييز- وليس الخلط او الفصل- بين نسقين:

النسق الاول: مضمونه الأشكال المتعددة للاستخلاف التى اشارت اليها الايه ، فهى تتضمن الإشارة – صراحة او ضمنا- إلى أشكال متعددة من الاستخلاف منها :

أولا: الاستخلاف الاصلى- المثال"استخلاف الأمة فى عهد الرسول(صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم)": ويتضمن: ا/ الاستخلاف النبوي " المثال الاتباعي"، ب/ الاستخلاف الراشدي " المثال الاقتدائى ".

ثانيا: الاستخلاف التبعى " استخلاف الامه بعد الخلافة الراشدة" : ويتضمن:

ا/ استخلاف الأمة في الماضي" استخلاف الأمة العام الأول"، ب/ استخلاف الأمة في الحاضر " استخلاف الأمة العام الثاني" ، ج/ استخلاف الأمة العام في المستقبل الدنيوي" الشهادى "- اى الذى سيتحقق فى الحياة الدنيا " عالم الشهادة " ، وهو غير معلوم المرات، لان زمن انقضائها غير معلوم ، د/ استخلاف الأمة العام في المستقبل الأخروي" الغيبي "- اى الذى سيتحقق فى آخر الزمان ،المقترن بالحياة الاخره "عالم الغيب "- وهو استخلاف الأمة الاخير.

النسق الثانى: يتضمن درجات ظهور أشراط الساعة:

اولا: ظهور اكبر آخر الزمان- والذى هوغيب وممكن التحقق فى اى زمان - فهو مرتبط بأشراط الساعة الكبرى.

ثانيا: ظهور اصغر قبل ذلك ، فهو مرتبط باشراط الساعة الصغرى .

الربط بين استخلاف الأمة العام الثاني والظهور الأصغر لبعض اشراط الساعة: وتربط الدراسه بين الاستخلاف العام الثاني للأمة " في حاضرها " ، بالظهور الأصغر لبعض اشراط الساعة قبل آخر الزمان، والمرتبط بهذه الاشراط .

هزيمه الدجال الأصغر: حيث تربط الدراسه بين هذا الشكل من أشكال الاستخلاف وهزيمة الدجال الأصغر.

التمييز بين الدجال الاكبر والدجال الأصغر: ميزت النصوص- وأقوال العلماء اتساقا مع هذه النصوص - بين الدجال الأكبر والدجال الأصغر:

الدجال الأكبر: وهو الدجال الذي سيظهر آخر الزمان – والذي هو غيب ممكن التحقق فى اى زمان- فظهوره من أشراط الساعة الكبرى، وبالتالي مقترن بعالم الغيب ،و غير خاضع لحتمية السنن الالهيه التى تضبط حركه عالم الشهادة ،وقد اشارت اليه الكثير من النصوص ، كقوله "صلى الله عليه وسلم "( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفس ايمانها لم تكن آمنت وكسبت في ايمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض). وقد عينت الاحاديث الدجال الاكبر، اى حددت انه هو شخص معين محدد الصفات ، وهو الأمر الذى قرره العلماء اتساقا مع هذه النصوص .

الدجال الأصغر :اى ظهور دجالون قبل ظهور الدجال الاكبر اخر الزمان، فظهورهم من الأشراط الصغرى للساعة، وبالتالي مرتبط بعالم الشهادة والسنن الالهيه التي تضبط حركته، وقد اشارت أشارت إليه العديد من النصوص منها قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال) (أخرجه احمد : 5 /61)، واتساقا مع هذا اشار اليه العلماء : يقول الإمام النووي ( قال العلماء قصة ابن الصياد مشكلة وامره مشتبه، لكن لا شك انه دجال من الدجاجلة)(فتح الباري: ج3)، ويقول الإمام ابن القيم (فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد، كالدجال في جانب الشر والضلال، كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)( المنار المنيف،ج1، ص 29 ) . وقد عينت بعض النصوص الدجال الأصغر ، بانهم اشخاص يدعون النبوة بدون تحديد أسمائهم ، كما فى قوله "صلى الله عليه وسلم"(سيكون فى أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم انه نبي وأنا خاتم النبيين ولا نبى بعدى)(أخرجه ابو داؤود: 4 /89). فوجه الاختلاف بين الدجال الأصغر والأكبر ان الاول سيدعى النبوه اما الثانى فسيدعى الالوهيه ، كما قرر العلماء استنادا الى هذه النصوص..

مصطلح" الدجال الاكبر" و الاقتصار على استخدام المعنى الحقيقى"الاصطلاحى": وقد اقتصر استخدم العلماء لمصطلح "الدجال الاكبر "على معناه الحقيقى "الاصطلاحى"( اى شخص معين محدد الصفات) .

استخدام المصطلح بمعنى مجازى يخالف اتفاق العلماء: وبهذا فان استخدام بعض الكتاب المعاصرين( كبديع الزمان النورسي ومصطفى محمود..) للمصطلح بمعنى مجازى يخالف اتفاق العلماء.

مصطلح الدجال الأصغر وجواز استخدام المعنيين الحقيقي"الاصطلاحي" والمجازى"اللغوي" دون الغاء: اما مصطلح الدجال الأصغر " اى الدجاجلة الذين سيظهرون قبل ظهور الدجال الأكبر " ، فقد استخدمه العلماء بمعنيين ، دون الغاء اى معنى للمعنى الآخر:

اولا:المعنى الحقيقى"الاصطلاحي" ومضمونه أشخاص سيدعون النبوة كما أشارت النصوص.

ثانيا: المعنى المجازى"اللغوى": وهو معنى مجازى ماخوذ من معناه اللغوى الذى اشار اليه كثير من العلماء ، والذى يضمن صفات الكذب وستر الحق، يقول الازهرى (كل كذاب فهو دجال، وجمعه دجالون،وقيل سمى بذلك لانه يستر الحق بدجله) (لسان العرب) ،وقد استخدمه بعض العلماء فى وصف بعض الاشخاص ( والدجال يطلق فى اللغة على وجوه كثيرة منها الكذب.. كما قال مالك بن انس رحمه الله فى محمد بن اسحاق انما هو دجال من الدجاجله) (ارشاد السارى لشرح صحيح بخارى / ج 15 / كتاب الفتن/ باب 25 / ص 69 ). وترى هذه الدراسه ان مضمون المعنى المجازى المأخوذ من المعنى اللغوي لمصطلح الدجال الاصغر، انه وصف " يمكن أن ينطبق على اى شخص او عقيده او فلسفه ، او منهج أو نظام ... "، يملك المقدرة على تزييف حقيقة وجود محدود (فعلا وغاية )، بتحويله (كذبا ) إلى وجود مطلق من جهة الفعل (اى تحويله إلى فعل مطلق زائف ، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الاستكبار ، ويتضمن إسناد صفات الربوبية كالحاكميه والتشريع والملكية ... لغير الله تعالى)، ووجود مطلق من جهة الغاية( اى تحويله إلى غاية مطلقه زائفة، وهو ما عبر عنه القران بمصطلح الطاغوت).

الاسئناس بتفسير بعض العلماء للطاغوت: وهنا نستأنس بتفسير بعض العلماء للطاغوت ، فقد ذكر ابن كثير أن الإمام مالكًا فسر الطاغوت أنه كل ما عبد من دون الله... ثم خلص ابن جرير في معنى الطاغوت في قوله ( والصواب عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا من كان من شئ) .

مثال تطبيقى: وهذا المعنى المجازى المأخوذ من المعنى اللغوي للدجال الاصغر، ينطبق فى عصرنا "على سبيل المثال لا الحصر" على الليبرالية كفلسفة : طبيعية - غير دينية - تستند الى فكرة القانون الطبيعي ، وفرديه - ان للفرد طبقا لهذه الفكره حقوق طبيعية سابقة على المجتمع )، وكمنهج يستند الى مضمون فكره " القانون الطبيعي " أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته " ، و كمذهب "نظام" شامل : علماني فى موقفه من الدين، فردى فى موقفه من المجتمع، راسمالى فى موقفه من الاقتصاد " قانون حركته الأساسى حرية المنافسة على موارد الحياة والبقاء للأقوى"... لانها- اى الليبرالية كفلسفة ومنهج ومذهب - تحول الفرد من وجود محدود " تكوينيا بالمجتمع والطبيعة والسنن الالهيه ، التي تضبط حركتهما ، وتكليفيا بالمفاهيم الكليه للوحي " ، إلي وجود مطلق ، اى وجود قائم بذاته ومستقل عن غيره ، وبالتالي تعتبر الفرد غاية مطلقة"مضمون الطاغوتية"، وتسند إليه الفعل المطلق"مضمون الاستكبار" ، فمن القانون الطبيعى استمد كل فرد حقوقاً سابقة على وجود المجتمع والدولة، خالدة ومقدسة لا يجوز لنظام أن يمسها. ففى مجال السياسة والتشريع والاقتصاد اسندت السيادة "السلطه المطلقة (الحاكمية) والتشريع" حق وضع القواعد القانونية المطلقة" والملكية "اى ملكيه الرقيه اى حق التصرف المطلق فى المال" إلي الإنسان، بدلا من إسنادها إلي الله تعالى (باعتبارها صفات ربوبية)، واستخلافه في إظهارها في الأرض(بإسناد السلطة " الأمر" ، والاجتهاد والانتفاع بالمال الي الجماعة المستخلفة اصلا عن الله تعالى).تلك الليبرالية التى نشأت كنظام فى اوربا و اصبحت امريكا(كنظام امبريالى لا كشعب) قائدته فى مرحله لاحقه. امتد الى كل أطراف الارض، ساحقا الافراد والقبائل والشعوب والأمم بالسيطرة العسكرية والسيطرة الثقافية( بواسطة الإعلام، والفكر، والثقافة، والفن حيث يقدم من خلالها أسلوب الحياة الغربية بصورة عامة - أو الأمريكية بصوره خاص - على أنه أسلوب الحياة الأمثل لكل المجتمعات "وهو ما يشكل مضمون التغريب").

هزيمه يأجوج وماجوج الصغرى" نسل ياجوج وماجوج الحضارى":
كما تربط الدراسه بين الاستخلاف العام الثاني للامه " في حاضرها " ، بهزيمة ياجوج ماجوج الصغرى.

القول بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج والرد عليه: إذا كان القران الكريم قد قرر أن ياجوج وماجوج قد تم حجزهم خلف السد الذي بناه ذي القرنين، فان عددا من العلماء قد قرر أن لياجوج وماجوج نسل عرقي خارج السد ، أورد ابن حجر العسقلاني ومن رواية سعيد بن بشير عن قتادة قال(يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة ، بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين " وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك فبقوا دون السد )، غير أن هذه الأقوال تتناقض مع ظاهر النصوص ، الذي يفيد أن كل ياجوج وماجوج قد تم حجزها وراء السد .

النسل الحضارى لياجوج وماجوج" ياجوج وماجوج الصغرى": وإذا كان القول بوجود نسل عرقي لياجوج وماجوج محل رفض ، فان من الممكن القول بأن لهم نسل حضاري "وهم ياجوج وماجوج الصغرى " ، ويرتبط الاستخلاف العام الثاني للامه بهزيمتهم .

اشاره بعض العلماء لياجوج وماجوج الصغرى: وقد اشار بعض العلماء لياجوج وماجوج الصغرى ومنهم ابن كثير الذي اعتبر انها تتمثل فى الترك"المغول"، حيث يقول فى كتاب النهاية فى الفتن والملاحم وفى معرض تفسيره حديث قتال الترك"المغول" (والمقصود ان الترك قاتلهم الصحابة فهزموهم وغنموهم و سبو نساءهم وأبناءهم. وظاهر هذا الحديث يقتضي ان يكون هذا من أشراط الساعة.فان كان كانت أشراط الساعة لا تكون الا بين يديها قريبا. فقد يكون هذا – أيضا- واقعا مرة اخرى عظيمة بين المسلمين والترك. حتى يكون آخر ذلك خروج ياجوج وماجوج قريبا منها،. فإنها تكون مما وقع فى الجملة وتقدم قبلها بدهر طويل، الا انه مما وقع بعد زمن النبي. وهذا الذى يظهر بعد تأمل الأحاديث الواردة فى هذا الباب).فقوله ( فقد يكون هذا –ايضا- واقعا مره اخرى عظيمة بين المسلمين والترك. حتى يكون آخر ذلك خروج ياجوج وماجوج قريبا منها ) اشاره واضحه لكونه يعتبر الترك "المغول"ياجوج وماجوج الصغرى.

ياجوج وماجوج الصغرى والمعنى المجازى لياجوج وماجوج: اما الدراسه فتعتبر ان ياجوج وماجوج الصغرى تتمثل فى المعنى المجازى لياجوج وماجوج ، والمأخوذ من معناها االغوى ، والمتضمن فى تفسير بعض العلماء لحديث( فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذا) ( فالجواب اما على قول من ذهب الى ان هذا اشارة الى فتح ابواب الشر والفتن، وان هذا استعاره محضه وضرب مثل فلا إشكال).(ابن كثير/ النهاية فى الفتن والملاحم ).

وطبقا لما سبق ترى الدراسه ان ياجوج وماجوج وهم كل المفسدون في الأرض على وجه العموم ، وكل قبيلة أو شعب تتميز أو يتميز بحضارة وحشية، على وجوه الخصوص ، وهنا تستانس الدراسه ايضا بقول الشيخ/ الشعراوي في تفسيره ( ... ويأجوج ومأجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان) .

مثال تطبيقى: وهذا المعنى المجازى الماخوذ من المعنى اللغوى لياجوج وماجوج الصغرى، ينطبق فى عصرنا "على سبيل المثال لا الحصر"على الاستعمار بأشكاله المتعددة" الاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري،والاستعمار الاستيطاني "الصهيوني" والاستعمار الجديد " الامبريالي "، والذي يمثل الوجه المتوحش"الخارجي" للحضارة الغربية ذات الفلسفة والمنهج الليبرالي ، والنظام الاقتصادي الراسمالى ، والذي يتناقض مع وجهها الإنساني "الداخلي"

ظهور المهدية الصغرى : كما ترتبط الدراسه بين الاستخلاف العام الثاني للامه " في حاضرها" بظهور المهدئة الصغرى .

مذهب الإثبات المقيد: تنطلق الدراسه من اثبات الدلالات التي تفيدها الأحاديث الواردة في المهدي، والتي لا تتناقض مع النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة .

عدم اتخاذ الاعتقاد يالمهدى ذريعه لاسقاط التكاليف: بناءا على هذه الدلالة لا يجوز اعتبار الإقرار بالمهدي، ذريعة لإلغاء القواعد الآمرة ، الناهية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة"المعبر عنها بالحدود" كتعليق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الجهاد أو الأوامر والنواهي(الحدود) التي جاءت بها هذه النصوص ...على مجيء المهدي"كما فى المذهب الشيعى فى المهدى".

المهدى والمهديه: وقد نظر العلماء المتقدمين الى هذه النصوص من جهه معينه تتسق مع واقعهم، اى واقع الدولة التى كانت السلطة فيها مركزية (الخليفة) الذي له حق تعيين الولاة في الأقاليم وقاده الجيوش...فركزوا على مفهوم المهدى كفرد فى ذاته (مولده،صفاته...). وسوف تنظر الدراسه الى هذه النصوص من جهه اخرى، لا تتناقض مع الجهة السايقه، بل تكملها ، وهي النظر الى المهدى كفرد فى جماعه منظمه قانونيا ـ، اى نركز على مفهوم المهديه، خاصة عند الحديث عن المهدى الاصغر .

التمييز بين المهديه الكيرى والصغرى: و قد ميزت النصوص- واقوال العلماء اتساقا مع هذه النصوص - بين المهديه الكبرى والصغرى:

ا/ المهديه الكبرى: اى ظهور المهدى الاكبر آخر الزمان – والذي هوغيب ممكن التحقق فى اى زمان- فظهوره من أشراط الساعة الكبرى، وبالتالى مقترن بعالم الغيب ، وغير خاضع لحتميه السنن الالهيه التى تضبط حركه عالم الشهادة ،وقد اشارت اليه الكثير من النصوص .

ب/مهديه صغرى: اى ظهور مهديون راشدون قبل ظهور الدجال الاكبر اخر الزمان، فظهورهم من الأشراط الصغرى للساعة، و بالتالي مرتبط بعالم الشهادة والسنن الالهيه التي تضبط حركته، وقد اشارت أشارت إليه العديد من النصوص ،كقوله (صلى الله عليه وسلم)( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي … )، واتساقا مع هذا اشار اليه العلماء، يقول ابن القيم(فالمهدي إلي جانب الخير والرشاد كالدجال في جانب الشر والضلال كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق دجالين كذابين فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون)( المنار المنيف،ج1،ص 298).

مضمون المهديه الصغرى: ومضمون المهديه الصغرى هو الالتزام بشروط الاهتداء التكوينية والتكليفيه، فى زمان ومكان معينين.

الشروط المطلقه والمقيده للمهديه الصغرى: وبالتالى فان المهديه الصغرى تتضمن – فى عصرنا- الالتزام بشروط الاستخلاف بنوعيها:

اولا: الشروط النصية المطلقة : اى شروط استخلاف الأمة في كل مكان ” كل أمم وشعوب أمه التكليف اى الامة الاسلامية ”، وكل زمان” ماضي وحاضر ومستقبل الامه ” .

ثانيا: الشروط الاجتهادية المقيدة : اى شروط استخلاف الأمة في مكان معين ” كالأمة العربية المسلمة بشعوبها المتعددة “، وزمان معين “الحاضر”:

وفيما يلى نوضح هذين النوعين من أنواع شروط الاستخلاف طبقا للأبعاد المتعددة للاستخلاف:

أولا: الاستخلاف السياسي :

ا/ شروطه النصية المطلقة :
وتتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي تضبط النشاط السياسي للمجتمع ،والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،كالمفاهيم الكلية: إسناد الحاكمية (السيادة أو السلطة المطلقة ) لله وحدة ﴿ …إن الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ﴾ ( يوسف: 40)، و استخلاف الجماعة في إظهار حاكميته تعالى ، بإسناد الأمر (السلطة المقيدة بالحاكمية"السيادة"الالهيه) إليها، قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾، أما الحاكم فهو نائب ووكيل عن الجماعة لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار ، وكالقيم الكلية:الشورى والعدل والمساواة..

ب/ شروطها الاجتهادية المقيده ( الحرية ): وتتمثل في الحرية - طبقا لمفهومها الاسلامى، المتضمن للشورى والديموقراطيه”طبقا لدلالتها التي العامة التي لا تتناقض مع الفلسفة السياسية الإسلامية ، والمقيدة بمفاهيمها وقيمها وقواعدها الكلية” - وتحرير الاراده الشعبية الوطنية والقومية – كحل لمشاكل الاستبداد والتبعية السياسية :اى الاستعمار بشكله القديم” القائم على الاحتلال العسكري” ، والجديد” الامبريالي القائم على التبعية ألاقتصاديه” ، والاستيطانى ” ومنه الاحتلال الصهيوني لفلسطين” ، كمظاهر لثنائيه الاستضعاف – الاستكبار السياسي الداخلي والخارجي.

ثانيا : الاستخلاف الاقتصادي:

ا/ شروطه النصية المطلقة :
وتتمثل شروط في جمله من المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي تضبط النشاط الاقتصادي للمجتمع، والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة،كالمفاهيم الكلية: إسناد ملكية المال (اى حق التصرف المطلق في المال) لله تعالى وحده ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33)،وكون الجماعة مستخلفة في الانتفاع به بالاصاله ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7)،وهو ما يتحقق بان تتولى الدولة كممثل للجماعة أداره مصادر الإنتاج الاساسيه، أما الفرد فمستخلف في الانتفاع بالمال بالتبعية ، وبالتالي فان انتفاعه به مشروط بعدم التعارض مع مصلحه الجماعة(الوظيفة الاجتماعية للملكية).وكالقيم الكلية التي أهمها العدل الاجتماعي بشرطيه تكافؤ الفرض وعدالة توزيع الثروات ، كغاية للنشاط الاقتصادي للدولة الاسلاميه، بالإضافة إلى إشباع الحاجات الأساسية للجماعة.

ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة (التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية) : وتتمثل في التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية – طبقا لمفهومها الاسلامى- كحل لمشاكل التخلف والتبعية الاقتصادي والظلم الاجتماعي ، كمظاهر لثنائية الاستضعاف- الاستكبار الاقتصاديين .

ثالثا: الاستخلاف الاجتماعي:

ا/ شروطه النصية المطلقة :
و تتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي ضبط النشاط الاجتماعي للمجتمع ، والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة

ب/ شروطه الاجتهادية المقيدة (الوحدة): و تتمثل في الوحدة (الوطنية والقومية “العربية” والدينية “الاسلاميه”)- طبقا لمفهوم واقعي-عملي “تدريجي /سلمى /مؤسساتي” – كحل لمشكلة التقسيم والتجزئة والتفتيت.

رابعا: الاستخلاف الحضاري :

ا/ شروطه النصية المطلقة :
وتتمثل شروط في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي تضبط النشاط الحضاري للمجتمع، والتي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة .

ب/ شروطه الاجتهادية المقيده( الاصالة والمعاصرة والتجديد) : وتتمثل في الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد طبقا لضوابطه الشرعية ، كحل لمشاكل الهوية المتمثلة في الانشطار بين الجمود والتقليد والتغريب الحضاري)


د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم



- الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات
الموقع الرسمي للدكتور صبري محمد خليل خيري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...