تهامة رشيد - رغم المآسي

رغم المآسي التي نعيشها يوميا في سوريا، لكنني أعيد متابعة مسلسلات سورية عن فترة الخمسينيات، بحكم كونها طُرشت على الشاشات بفعل جبّار عتيد، ومنها مسلسل(خان الحرير،تأليف نهاد سيريس).
يصوّر تلك الفترة من زاوية رؤية تخص تجار مدينة حلب في سوق الحرير وكذلك عمّالها وجانب من حياة الغجر المرتبطة بتجار المدينة في ذلك الوقت. وكيف تأثروا وأثّروا في الاحداث السياسية الحاسمة من تاريخ أمة الشعوب العربية.
ليس هناك ما يفصل الماضي عن الحاضر سوى خيط رفيع من التماسك الاجتماعي الظاهري؛فتجار الأزمة هم أنفسهم مع بعض التغييرات الشكلية وعلى اعتبار الازمة في تلك الفترة أكثر عمومية ووضوحا من الآن فالحكم عليها أسهل،حيث الأحزاب كبيرة ومعروفة المرجعية وكذلك تجار المدينة بتفاوتاتهم الطبقية المعروفة أيضا بدءا من صاحب الدرخوش الحاج البسيط، إلى المتحكم الفعلي بالسوق عبر ارتباطاته المشبوهة بحلف بغداد،واستغلاله لجميع الظروف السياسية والاجتماعية لمصلحته الخاصة مرة
بقوة ماله وأخرى بمكانته السياسية،وانتقاله بعد سقوط الحلف للطرف الوحدوي الناصري...وهكذا يكسب دوماً...كالعادة.
كل ماسبق مهم لكن ما أود الإشارة إليه غياب دور مهم لتجار المدينة المسيحيين أو الأرمن، وتغييبهم بالكامل،سهواً أو بشكل متعمد،وكأن حلب مسلمة بالكامل وهذا مناقض للواقع،وأنا لست على دراية كافية بواقع الأمور في ذلك الزمن لكنني أعرف ثقل أرمن حلب ومسيحييها في الملعب التجاري وبالتالي السياسي،وهذا ماأغفله الكاتب.
والشيء الجميل هو اللفتة إلى حياة الغجر الصعبة ورزقتهم المتعلقة بصوت إمرأة وهزة خصرها...
والأكثر جمالاً هو قوة المرأة الغجريةوالتي تشبه قوة البدوية،هي تعلن حبها وتدافع عنه،وتتخذ قرارات مهمة،على عكس بنت المدينة وخاصة ابنة التاجر الغني التي يتعلق قرارها بقرار (ربّ الأسرة) ،وليس زوجها ابن المدينة أيضا بأحسن حال منها(الظلم واقع على الذكر والأنثى)لكنها بالمقابل تستغل ضعف موقف الغجرية وفقرها ببراعة الافعى،وهنا تماما يظهر سحر نهاد سيريس، حبكة جميلة مقنعة وغنية بالحركات الموسيقية مع صوت رائع لأمل عرفة وشعر رائع لأبو سلام..إلخ.
إظهار اهتمام أهل حلب بالفن والموسيقى رغم تدينهم أمر جميل جداً.
فكرة التنوير التي حمل لواءها اليساريون ومنهم أخذ اللواء الناصريون الذين لمعوا في تلك الفترة،فكرة جميلة تظهر في تغير لباس المرأة ولا تنتهي عند فكرة القراءة والتطلع نحو مستقبل أفضل للبلاد.
فكرة تخوين أي طرف يدعو لوحدة فيدرالية أو يخالف عبد الناصر الرمز الذي تحول لإله، فكرة مهمة جداً.
وأيضاً تحول أعضاء حلف بغداد لدعم الوحدة بعد فشل وحدتهم مع العراق يعتبر مهماً، في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم هناك مصالح متغيرة.
وأختم أخيراً: الشيء الملفت والجميل جدا وجود شيخين أحدهما فقير معدم وأعمى (الشيخ علي-أدى دوره فايز أبو دان) والآخر غني (محمد الحريري)... هذان الشيخان كانا عرابين لكل الأشخاص والاحداث كل من موقعه الطبقي.وهذا مبهر ومهم.
وأتمنى أن يتابع الجمهور السوري إن وجد الكهرباء والوقت، هذا المسلسل
تحية لمن تحمل منشوري الطويل وقرأه



https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=895368087997871&id=100025740646876

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...