رياض حسن محرم - عالم ما بعد كورونا.. مختلف عمّا عليه الآن

من المبكر الحديث عن عالم ما بعد كورونا، لأن ذلك غير ممكن إدراكه بشكل كامل الان وسيتوقف بصورة مباشرة على مدة بقاء الوباء ومقدار الخسائر البشرية المترتبة عليه، ومدى انتشاره، ولكن من الامور شبه المؤكدة ان العالم بعد هذا الوباء لن يكون كما هو عليه اليوم، فالاقتصاد العالمي من أكبر المتضررين من الوباء، وقد يدفع الانهيار الاقتصادي في لحظة ما الى تصاعد حجم العنف الدولي الى درجة اندلاع الحروب الكبيرة، لعل أول وأكبر تلك النتائج هو إستمرار بعض المتغيرات التى أحدثتها تلك الفاشية حتى الآن، أهمها فى منطقتنا العربية هو الإسكات القسرى لحالات الحراك الثورى فى الجزائر ولبنان والعراق بالدرجة الأولى، وتكريس عملية القمع للحريات فى باقى المجتمعات العربية، بل أن ذلك يمتد الى دول غير عربية وجدت بها عمليات إحتجاج واسعة كفرنسا "السترات الصفر" وإيران وغيرها، وحاليا ليس هناك اي صوت معارض لهذه الحكومات لان الجهود منصبة في معالجة الوباء ولا مجال للنقاش الان!! هذا ينطبق على العالم الثالث بأسوء ما يمكن تصوره، فالحكومات هنا تعاني من شيوع الفساد بكل انواعه وهي تحكم بقبضة من حديد لقمع كل صوت يحاول كشف ذلك وجائحة كورونا اعطتهم فرصة ذهبية لمزيد من قمع شعوبهم، فلا صوت يعلو على مكافحة الوباء.
لقد اثبت هذا الوباء فعلا أن العالم قرية صغيرة بعد ان وضع العالم حكومات وشعوبا وشركات أمام تحدٍّ تصعب مواجهته بالسرعة اللازمة، خاصة للدول ذات البنى التحتية الضعيفة وغير المجهزة بالمستلزمات الصحية وغيرها من احتياجات ومتطلبات الوقاية والسيطرة على المرض، لقد انتشر الوباء بكل دول العالم تقريبا بشكل متسارع وبلغت الخسائر الاقتصادية الأوليّة بحدود ٥ تريليون دولار، وقد ترتفع اكثر، في ضوء عدم وجود توقعات زمنية لاحتواء الفيروس فليس هناك ادلة علمية قاطعة لكيفية مواجهة الفيروس وكيفية انحساره.
المسألة الثانية والأكثر بروزا هى ألإسراع فى عمليات التغير السياسى والإقتصادى على مستوى العالم، فالصين بصفتها ثان اقتصاد عالمى قد استفاقت من تلك الجائحة سريعا، ويبدو أن إقتصادها بدأ فى التعافى مبكرا، ويظهر أنها مقبلة على تسّيد العالم إقتصاديا بأسرع مما كان متوقعا، ما سينعكس على وضعها السياسى كذلك، فالصين التى تمكنت من هزيمة الفايروس قبل غيرها وحرف انتشار المرض فيها، فهى كانت اول دولة ضربها الفايروس بصورة مريعة وكان العالم كان يتوقع سقوط بنيتها الاقتصادية والصحية، لكن المعجزة الصينية التي حققتها الصين لغاية الآن بمدة قصيرة جدا في السيطرة على الفايروس يثبت مدى قوتها التنظيمية مؤسساتيا، وبذلك فان السيطرة على الفايروس سوف لا يعزز نموها داخليا فقط وانما تعمل الصين تصدير ذلك النجاح بصورته الشمولية إلى دول العالم الأخرى، والاخص تلك التي تصنف على المحور الغربي، وقد ظهر ذلك سريعا بارسال اطقمها الطبية الى ايطاليا لمساعدتها على مواجهة الوباء.
ولكنى أعتقد أن التغيير يمكن أن يصب فى طاحونة اليمين الشعبوى أساسا، واليمين الدينى "الجهادى" بدرجة أقل، فى تقديرى أيضا أنه ستتعرض بعض الطقوس الإجتماعية والدينية الى اعادة تقييم لجدواها او استجابتها لمقتضيات العلم والحاجات البشرية، فقد انتهكت كثير من المسلمات بل والضرورات على رأسها الشعيرة الأولى للمسلمين وهى الصلاة خصوصا صلاة الجمعة، ان ما نحن مقبلين عليه يتطلب اعادة النظر في الخطاب السياسي والديني ليكون أكثر إنسانية وأكثر واقعية، إلا أن الصعوبات الاقتصادية والحياتية قد تخلق ظروفا تجعل الصراع والعنف أقرب الحلول لدعاة الهيمنة والعداء مع الآخر.
اعتقد ان أغلبية الدول ستبقى في علاقاتها على أساس المصالح، والقلة من الدول ستتجه الى الانكفاء بدون ان تنجح في ذلك "على رأسها أمريكا وبريطانيا بعد البريكست" فوسائل الاتصال وغيرها ستبطل محاولات الانكفاء، وسيستمر الوضع الدولي قائم على الاحتراب، ومحاولات السيطرة ونهب الثروات السريع، محاولة لتعويض الخسائر الإقتصادية التى أحدثتها الجائحة، بعد ان ضرب الفايروس كل دول العالم ووصفته منظمة الصحة العالمية بانه أسوء وباء عالمي يصيب البشر على مدى التاريخ، فيما تبقى الشركات العابرة للحدود المسيطرة على الشركات العلاجية والمختبرية تتاجر بأرواح البشر من اجل الكسب المادي بعد اختراع العلاجات.
سيحاول اليمين العالمى وخاصة "النيوليبرالية الجديدة" إستثمار الجانب الديني حيث سيبرز هذا الجانب في ظل المحن الكونية التي تهدد حياة الناس ويلجأ إليه الناس بكثرة في هذا الأوقات، لكن مرحلة ما بعد كورونا سيتقدم الدين على المنظومات الأخرى لاسيما العلمانية والمادية والوضعية والمنظومات المناهضة للدين ، وهذا الرأي يؤيده دعوات رجال الدولة والدين في اغلب البلدان ومنها الولايات المتحدة، وإيطاليا وباقى دول العالم الرأسمالى، وفى مواجهة محاولات إعادة النظر في النظام الاقتصادي العالمي والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتبعة والتي ارتكزت على اعتبارات مصلحية نفعية بعيدة كل البعد عن الاعتبارات الإنسانية، والانطلاق نحو التعامل مع البشرية وفقا للمبادئ الإنسانية السامية والابتعاد عن الأنانية والاستغلال من قبل الدول الغنية على حساب الشعوب والدول الفقيرة، وتراجع العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي حولت الإنسان إلى مجرد سلعة تبادلية في السوق الاستهلاكي العالمي القائم على السباق والاحتكار والعقوبات على حساب مصلحة الإنسان والحرية والعيش الكريم، فى مواجهة تلك النظرات المتفائلة فإن الواقع الذى سيفرض نفسه هو أن هذه الحكومات نفسها هي التي تقود هذه الدول في هذه الفترة التي تتسيدها جائحة كورنا، هي التي تملك الاقتصاد الرأسمالى الذي يلعب الدور الرئيسي في وقت الازمات وسط تراجع بقية المكونات الحياتية الثقافية والاجتماعية والانسانية الاخرى، تلك المكونات التي تسير الاقتصاد في اوقات السلم وأوقات الأزمات، ولنتذكر "الأزمة الرأسمالية العالمية الكبرى" فى ثلاثينيات القرن الماضى، ونظرية كينز فى الإصلاح الإقتصادى التى مكنت الرأسمالية من تجاوز أزمتها، ظلت معتمدة لفترة طويلة بين الاقتصاديين في العالم، وأدت إلى حدوث حرب عالمية مدمرة، وظهور حقبة استعمارية هى الأكثر وحشية على مدار التاريخ.
فى النهاية ومن جانب اخر وعلى المستوى الاقتصادي، كشف الفايروس ان الاقتصادات الليبرالية باتت بحاجة لتدخل الدولة لدعم بعض القطاعات وفي مقدمتها قطاع الصحة وكذلك سيتطلب الاقتصاد دعم قطاع الانتاج وهو ما بدأ تطبيقه فعلا بدرجات متفاوتة حسب الإمكانيات الإقتصادية للدول، وهذا يعني ضرورة ان يكون دور اكبر للدولة في الاقتصاد، ولكن بشكل رأسمالى "كينزى" وليس لحساب المواطن والجماهير الفقيرة.. أيضا هناك تغيرات لا تقل أهمية على المستوى الإجتماعى، للفرد والأسرة والمجتمع، لكن سنفرد لهذا الموضوع مقالا منفصلا.. السلام عليكم.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...