أدب السجون رغدة حسن - الزنزانة بين خيال الكاتب وذاكرة المعتقل

من هو أول سجين في التاريخ؟ من الذي اخترع السجن؟

يرد هذا السؤال كثيرًا، في مقالات وروايات وبحوث، وليست هناك إجابة محددة له، مثله مثل باقي الأسئلة الوجودية.

إذا ذهبنا مع ما قالته الأسطورة، فمن الممكن أن نعتبر بروميثيوس الحكيم، أول سجين في التاريخ، وقد تكون فكرة السجن جاءت من هنا. لكن أبحاث التاريخ التوثيقية، لم تصل أبعد من الفراعنة، حين نُسب إليهم اختراع السجون، وكان من مشاهير معتقليهم، النبي يوسف كما جاء في الأديان.

في الماضي، كانت أشد عقوبة ينالها من ارتكب جناية أو خطيئة كبرى، هي النفي بعيدًا وإلى الأبد عن مجتمعه، وللقدماء حكمة في ذلك، أفلا تعقلون؟ أما اليوم فالعالم يبدع في زراعة السجون، وقد اشتهرت السجون والمعتقلات بسمعة سيئة، إذ ترافق تاريخها بالأوضاع الصحية والإنسانية الرديئة التي يعيشها السجين، وتلازم تاريخ السجون بأساليب التعذيب، التي يتعرض لها المعتقل.

تصدرت أسماء بعض السجون والمعتقلات، كسجن ألكتراز ورايكرز وغوانتانامو في الولايات المتحدة، وسجن غولاغ في روسيا، بانغ كوانغ في تايلاند، سجن لاسانت في باريس، غيتامارا في رواندا، وسجن ديار بكر في تركيا، وسجن روديو في فنزويلا، وسجن تدمر في سوريا، عُرفت بسبب ما يحيط هذه الأسماء من رعب، وهذا ما وثقته تقارير منظمات حقوق الإنسان.

كما أنّ هناك الكثير من الكتّاب والشعراء، ممن كتبوا عن تجاربهم الخاصة، أو التي سمعوا عنها في معتقلات بلدانهم.

لذلك أخذ أدب السجون حيزًا مهمًا في ساحة الأدب، نال من اهتمام القارئ نصيبًا جيدًا، فكان أن وصلت معاناة السجين للعالم عبر روايات انتشرت، كرواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، و"القوقعة" لمصطفى خليفة، و"تلك العتمة الباهرة" للطاهر بن جلون، ورواية "شرف" لصنع الله ابراهيم.. تطول القائمة، ولا يسعنا ذكر كل الكتب والكتّاب.

بعض الكتّاب عاش تجربة الاعتقال السياسي، ونقل لنا أوجاع ذاكرته، وبعضهم حاول أن يتخيل حالة السجين، وما عاشه من عتمة وقهر، وما تسببه التعذيب من كسر لروحه وجسده، فهل نجحوا؟

لكن يقال: "اللي بياكل العصي مو متل اللي بيعدها"

بالمقابل؛ استوقفتني أسئلة صديقي عبد الله، وآلمتني وأخذتني معها بعيدًا: "لماذا نشعر بأن داخل كل منا سجنًا عميقًا؟ تجذبنا حالة المعتقل، ونتمنى سرًا لو عشناها".

لطالما فكرت بسؤاله، لكن.. هل يصل التضامن مع المعتقل، لدرجة اشتهاء حالته؟ قد يكون هذا ما دفع الكاتب الذي لم يعش تجربة اعتقال، ليتحف العالم برائعة إبداعية، تصف، تسرد وتفضح ما حدث هناك، في أنفاق الموت المجاني.

عالمنا الحافل بالمعتقلات السرية، يحتاج لجهود الكثير من الكتّاب والمنظمات المختصة، ليتمكن التاريخ من ترجمة ما كان يحدث للإنسان في عالمنا، يضيء أوكار الظلام، ويجفف مستنقعات الموت. ولندرك نحن أبناء هذا الزمن وهذا الواقع، ما علينا فعله لاحقًا.

هكذا ينكسر قيد السجين، ويشفى من ذاكرة القهر والرعب، إذ لا أشك للحظة بأن سجينًا قد تحرر من سجنه بعد الخروج إلى الحياة من جديد، فذاكرة السجن تسكنه أينما ذهب، طالما للجلاد عمل وقرار.

قرأنا نتاجًا أدبيًا قارب إلى حد كبير حقيقة الواقع المرعب في المعتقلات، على الرغم من أن كاتبه لم يعانِ خطر الاعتقال، لكن صوت المعتقلين كان همه الصادق، ورسالته كانت أن يصل صوت المعتقل للعالم، ولو تمكن لكان نافذة، يتسلل منها الضوء إليه، أو أن يتحول قلمه إلى جناحي حرية، ليذهب به بعيدًا عن فكي الجلاد.

هناك من كتب عن المعتقلات على أنها فكرة مجردة، كمن يناقش فكرة الجمال أو الحرية، فيأتي كتابه كالتقرير الصحفي، باردًا وجافًا، لا يحاكي لحظة ألم مرّت على السجين وهو يعاني سياط التعذيب

إذا كان هناك جائزة تمنح لأدب السجون، فمن الأفضل أن يكون ضمن لجنة التحكيم أحد المعتقلين الذين عاشوا التجربة، لأنهم وحدهم من يقرر اقتراب الكاتب من دقة التوصيف أو ابتعاده عن الحقيقة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...