فتحي عثمان - الماوراء والماوردي نحو الممر والبهو

التركيز على الميتاقول، ما وراء ما قيل، وما وراء المعنى، هو "فن إحالة الذات القارئة، بشكل خاص إلى الماورائيات، والقصديات وضدها. ينطوي ذلك على وظيفة وهي مهمة توسيع "ممكنات" القول عبر أدوات كثيرة ومهارات متعددة مثل تحري الدلالة وكشف المسكوت عنه، وتصيد الملمح إليه، والتأويل والإسقاط والمقاربة والمقارنة والمفارقة، وربما مهارات أخرى أقلها، التوقف عند القراءة ومتابعة تأثير المقروء على الذات من مشاعر أو خواطر.
المدلول يتنوع بتنوع القراء، تماما عندما تكون نكتة ما مضحكة جدا لشخص، ومخيفة وسمجة لشخص آخر. بالطبع تستدعي كل قراءة خبرات معرفية وشعورية، مركبة وبسيطة: كالأحكام النموذجية مثلا: "الاستريوتايب". وما لا يشمله نطاق التجربة من المقروء يحال إلى أروقة الخيال. تماما مثل النكتة التي تقول بأن عريسا ميسور الحال دعا الأصدقاء لحفل زواجه ولبيته بابين، خصص وكتب على الباب الأول: "من يحملون هدايا" والباب الثاني حدده لمن لا يحملون هدايا. وأتضح أن الباب الثاني يقود إلى الشارع الخلفي لبيت العريس مباشرة. هذه النكتة التي تختلف استجابة القراء لها، نفسها، داخلة في حيز المخزون المملوك للقارئ والداعي للمقارنة، أو تصور أو تخيل المشهد وما يترافق معه من فكاهة. من لم يسمع بهذه النكتة له استجابة تختلف عمن سمعها. ومن لم يتخيل المشهد يكون قد خرج من الباب الخلفي للمعنى، الدلالة والمعطى. ينقذ الخيال هنا ليس من الحرج فقط، بل من الوقوع في حبال اللا معنى.

حتى إذا افترضنا أن هناك كتابة مجردة من المحسوسات وعالية التجريد، كموضوع فلسفي في الانطولوجيا، "مبحث الوجود" مثلا، فهل ينفع الخيال هنا كمعين قرائي. هنا تلعب التصورات، خاصة ذات الطبيعة المشتركة بين المؤلف والقارئ والعاملين في الحقل دور الخيال، وربما تخلق التصورات، مع تكرار تداولها في الحقل إجماعا خلافي الأوجه، إضافة إلى أن المدلولات ستؤدي إلى خلق خيال خاص لدى كل مهتم. وهنا يمكن تصور الجميع كأحصنة تسرح وتتقافز ضمن حاصرة مسورة، لها أعمدة وسياج، قد يبدو الأمر مختلفا من وجهة نظر الحصان، ولكن فكرة الحقل ليست بعيدة. وهذا خاص وشخصي، فقد يعبر عنه مثل جان بول سارتر عند مناقشة مفهوم "الدايزن" عند هايدغر، أو مفهوم المتسامي عند كانط، وهنا تكون الأطروحة التي تعلق بالمفهوم ومرفقاته منفصلة عما يثيره لدى سارتر من شعور. يمكننا معرفة ما فكر فيه سارتر أو ما شعر به عند قراءته للمفهومين "بالتصريح أو التلميح" وننتقل خطوة لمحاكمة وموضعة هذا الشعور في خطوة لاحقة هي خاصة بنا ومملوكة لنا بالكامل.

من هنا تأتي قراءة بعض الأعمال، وربما الكتابة عنها أيضا، ضمن تجربة توسعة الممكنات "غالبا ما تتم ضمن لعبة اللغة ذاتها" وهي في الأساس أبعاد جديدة للكتابة تؤدي إلى تفرع القراءات واندياحها في سهول التلقي المتنوعة، هذه الجدلية من معطى كتابي ومتلقى قرائي هي عبارة عن جدلية، لا يتصور لها، على المدى القريب نهاية وشيكة.
وتبدو صورة رائد الفضاء الخارج من سفينته الأم أكثر تعبيرا هنا: فهو منفتح على أفق مفتوح ولا نهائي، بينما تربطه بسفينته الأم أنابيب تمنع انزلاقه إلى الفضاء من ناحية وتمده بأسباب الحياة من ناحية أخرى.

فخ وغواية العنوان:

حسنا، وكما قال ماركيز متوعدا كتاب أمريكا اللاتينية الذين لديهم رهاب من ركوب الطائرات "كان لديه هذا الرهاب المرعب": "لنكن شجعانا ولنتحدث عن ركوب الطائرات. ولنكن شجعانا، هنا، ونبدأ بالحديث عن العنوان. يعمل محررو دور النشر الكبرى على عناوين الكتب الجديدة بنوايا عنكبوتية خبيثة: ينسجون فخاخا لكل قارئ. يحدث، كثيرا، أن يدخل كاتب ممتلئ تيها بأحد عناوينه، فيخرج بإحساس "كلب" بعد تغيير العنوان، إلى ما لم يحلم به، وهذا ما عبر عنه الروائي النرويجي الحاذق كارل أوفه كناوسجارد. بما أن النشر صناعة فإن نجاحها أو كسبها يتوقف على "التقديم"، نعم تقديم المنتج، تغليفه وتلوينه إلى أن يستدرج القارئ إلى جحر الضب، حينها يكتشف القارئ أن دور النشر ليس لديها "خدمة ما بعد الشراء". عليك أن تركب صواميل وبراغي كتابك بنفسك. في زمن لم يكن فيه الناشر سوى الكاتب نفسه لنرى ما كان يبعثه ذلك الجهد البطولي، أو كما يقال في الوصف، الأطلسي نسبة إلى أطلس الحامل للعالم على أكتافه أو الهرقلي نسبة إلى هرقل، الذي أناب عنه يوما في حمل العالم، وكاد أن يلقيه من كتفه، وليته فعل. في زمان مشابه لذلك، لم تكن نوايا العنكبوت تسكن أذهان المؤلف. في زمن كذلك قام القاضي أبو الحسن الماوردي بوضع كتابه الشهير "الأحكام السلطانية". غواية العنوان في الحاضر، ربما لو توفرت أحصائية لقياس فعالية فخ العنوان لعرفنا أكثر في زمن أصبحت فيه النسبة المئوية تعطي الحديث مصداقية أكبر. ولكن لو أخذنا عنوان معاصر مثل "السياسة بين الأمم" لهانز مورغنثاو، فكم طالب علاقات دولية، أو دبلوماسية، أو قانون، أو غيره وقع في فخ العنوان سواء بإرادته الكاملة أو بسبب من طلب الأستاذة العجوز الشمطاء التي تدرس العلاقات الدولية في السنة الأخيرة. وهناك الهائمون والتائهون والغاوون، " أنظر لأقرب عنوان في مكتبتك وحاول تذكر كيف وقعت في شباكه" ربما عن طريق "توصية" من أحد الأصدقاء القراء، أو لسر ما قد تكشفه لك اليف شافاك في "قواعد العشق الاربعون". أو البرتو مانغويل. ثم يحدث أن يستغفل عنوان ما حتى أحد البارعين في التصنيف وأرباب المكتبات: وفي هذا يقول هنري كيسنجر أن كتابه "شراكة معقدة" والمخصص لعلاقات الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين كان موضوعا في رف كتب الأسرة.
لنعد إلى الميتا والما وراء. سألت صديقا كاتبا عن الأحكام السلطانية، عن انطباعه عن العنوان فقط، وليس عن ظروف ملابسات اختياره، وفي أثناء حديثه كنت اتلفت لإحساسي بأن نهاية كلامنا ستكون في أحد أقسام الشرطة، حتى ولو كان الكلام "قديما جدا" لكنه قد يتحول في أي لحظة وتحت عين مخبر ما إلى "رمية تماس" بعيدة على أحد كراسي التحقيق.

الماوردي، "ألا يشير إليك الأسم إلى قربه من الماوراء؟" سألني، "ربما لم يصعب علينا الماوردي الأمر بقراءة كتاب ما وراء الطبيعة". فدعنا في الأمام ونترك الماوراء قليلا. الإحكام السلطانية، قال صديقي بعد أن نفث دخان سيجارته: من المفترض أن تكون الاستحكامات السلطانية، خذ عندك، الاستحكام مثل قبضة السرطان القوية، شيء لا فكاك منه، إلا بالتحول إلى حالة أخرى: هي الموت. ثم لماذا الأحكام السلطانية؟ بالمناسبة السلطانية التي يقدم فيها الجيلي أو الهلام، لا زالت حاضرة هل كان الماوردي يتناول سلطانية من سلطة الخيار مثلا. أجيب لا أعرف. احساسي هو أن الاستحكامات السرطانية هو العنوان الصحيح. أقول: "لكن هذا ابتسار للسياق التاريخي"، يا عم" بلا سياق بلا سواقة". ثم يردف ما تزعلش حقك علي: لكن السلطان ويقولها بعربية فصحي: "هو ولي الأمر في أفلام علاء الدين والمصباح السحري، ذلك الرجل ذو العمامة الملونة الهائلة والأكبر من المدينة التي يحكمها."

لم أر مراوغة مثل هذه لفخ العنوان: "أرى أنك تراوغ". يرد: "لأكون صريحا معك، أنا أظلم الرجل والكتاب من العنوان بسبب حساسية متأصلة من السلطان والسلطانية وسلطة الخيار وكل الدنيا، على كل حال، أضاف في شبه اعتذار: أعتبر هذا "مجرد إسقاط" محاولة لمحاكمة العنوان وصاحبه بما علمنا إياه "سلاطين" أيامنا، هل نحن قليلي أدب فيما يخص ذلك؟ ربما، ولكننا ألسنا على دين ملوكنا؟ ألسنا يولى علينا، كل يوم من يشبهنا ولا يشبهنا؟، يتطابق سلاطيننا مع كينونتنا." هنا بدأت بالتلفت، لأن الماوراء الذي أقصده كان قابلا، وبحضور أحد عسس السلطان إلى التحول حقيقة إلى ما وراء الشمس. هذا الحوار ليس معياريا، أي من النوع الذي يمكن استخدامه كقياس، لكنه يحدث، وما يهمنا منه أنه أحد تنويعات الاستجابة الممتدة لفخ العنوان ومثيراته النفسية والماورائية الواقعية.


من غواية العنوان إلى غواية المتن:

بالانتقال إلى متن النص، في عملية تشبه الولادة القيصرية، تكون خيوط العنكبوت قد أحكمت التفافها الكامل حولنا. هنا يشير ابن قيم الجوزية إلى معطى أولي وهو ضرورة تسجيل الانطباعات بعد القراءة بأمر واضح: "قيد صيودك بالحبال الواثقة، فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تدعها في البراري طالقة." تلك نصيحة تقيد العلم من القراءة خاصة والأخذ الشفوي على الشيوخ بالحفظ والاسترجاع، وهو مدار التعليم الحديث بما يعرف في مدارس الغرب بمهارة التدوين أو "نوت تكينغ".
تلك مرحلة تتميز في أول عتباتها بالميكانيكية المباشرة، بالتقييد، ولكن التعامل الماورائي الممدوح هو التدبر، وهو أعلى درجات التعامل مع النص، ويشمل درجات متعددة من التفسير الذاتي او التفسير المساعد، بواسطة طرف ثالث، وهذه إحدى المهارات المذكورة في صدر المقال باعتبارها شق لممكنات النص. فضاء الحرية المتاح عند القراءة يبدأ من الشراء تأثرا بغواية العنوان إلى امتلاك النص، الذي يسرى في شقين امتلاك "العين" أي أن الكتاب أو النص عين مملوكة بحكم الشراء والامتلاك المجازي وهو الفهم المتوخى للنص.

لهذا، وفي مفارقة أخرى غرائبية المنحى يقود فخ العنوان، إلى حرية المتن، مثلما يقود شارع الحرية في الخرطوم إلى حي السجانة. الشطط في التأويل، بمعالجة امبرتو أيكو، وفي سياق كلامنا لا يخرج عن نطاق الحرية بين القارئ والنص، حتى لو خرج التفسير أو التأويل للمتون عن "تداولية" موضوعة، فإنه مثير لعدة تأملات مرجعية وإحالية في نفس الوقت: كأن يقول أحد رجال الدين بأن التين والزيتون المشار إليهما في السورة لهما دلالة أخرى وهي: الحسن والحسين أبني علي رضى الله عنهم جميعا، أيضا وبدون اصدار احكام قيمة حول صنع هذه الدلالة فإنها تخضع لتداولية باحثة منكرة أو مقرة ولكن لا يتم ذلك دون مرجعيات توافقية، أو خلافية داخل وخارج الدين أو المذهب المعنى أو المتن نفسه.

ختاما، ممكنات اللغة الموسعة بشروط ماورائيات العنوان والنص المعنى تؤدي إلى حرية متفاوتة في خلق "قصديات" متباينة أو متوافقة مع الكاتب المؤلف، وهذه يعدها البعض موهبة تنمى بتنمية مهارة التواصل القرائي، ولكن رغم توزع هذه القصدية، حتى لو أصبحت بدرجة عالية من الحرفية، فإنها متاح متلقى ومتجاوز لثنائيتي الترميز والمجاز، الضيق والواسع والممر والبهو، بحيث يكون العنوان ممرا ويكون النص بهوا، وتكون الدوال المستقاة والمصنوعة هي متاح فضاء الحركة من البهو إلى المتن.


فتحي عثمان





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...