عائشة أحمد بازامة - خفايا الحس الشعري في لغة الشاعر: المهدي الحمروني

فكرة الشعر السامي الذي تصبو إليه أحاسيسنا الذي يتصدر الآفاق ويعلو في سماء الأدب دائمًا هي غامضة أو غير ظاهرة ولا ضفاف لها، ذات وجوه عديدة قد تكون متطرفة عن العديد المألوف أو زاخمة وزاخرة تنبض كما الحياة. أتصيد هذا الفكرة وهذا الإحساس الذي قرأته في نصوص الشاعر المهدي الحمروني لعلني أضفر بقراءة لقليل من نصوصه في ولوجي البسيط نحو هذا المبتغى.
لغة شاعرنا تفيض بالحس الداخلي وتؤجج له حتى يثير المتلقي في دلالات غريبة عن المعهود. ويسمو في طلبه إلى ما بعد نقطة حضوره زمن تجدد النص.. نص له يشابه العديد من نصوصه يطرح فيه هذا الطلب يقول شاعرنا:
يلزمني لغة تستشرف أبجدية أخرى
إلى ما بعد عصور الشعر
لغة عابدة في محراب كهنوتك الأعظم
تكشف تفكيك رموز أحرفك الغائرة في الأسطورة
هذا الطلب ينساق للدهشة والدهشة منغمسة فيه لحد الغرابة مما يؤكد احساسًا داخلياً عميقًا للبحث عن التغيير بل طلبه لنفسه لإثارة شهية القاريء لما بعد حراك الشعر المؤثر في أبجديته منذ الأزل ليقتحم اللغة ويستشرف كهنوتها في محراب الحبيبة في مغامرة لاكتشافها. هذه الحبيبة قد تكون كناية عن عشق فيه الإسطورة اسقاط لمقصد المغامرة المدهشة.
وفي جانب آخر من قصيدته (لغة)…
أرى لغة لك تطوف في المخيلة
وفي الأثير من حولي
خافضة جناح الذل من الغواية
أبدو كما لو أنني أنوب عن عالم غير مهييء
لالتقاطها
سأورث إيحاء طلاسمها
للمؤمنين بالقصيدة
استطاع الشاعر المهدي الحمروني تقديم صورته الخاصة بإحساس متلهف عميق للآخرين لكي ينظروا إليها بقدرتهم من خلال مرآته الصوفية وصوره النابعة من رؤى صاعدة متأصلة، يريد أن يغمرهم بمشاعره، وشكوكه وأفكاره، ونبوءاته. يبث شكواه وإحساسه لربه ليستفز المتلقي ويثير انتباهه بإحساس بالغ وكأنه يبث انزوائه وإحباطه لله الأقوى ليبدل له الأمر بعد يأسه، وهذا الإحساس الذي يصنفه كنبي شعر لجأ به يلتمس حرفه متجهاً به صوب الرب متسائلاً والسؤال هنا لإثارة الإنتباه لينقل إحساسه القوي بما يعاني. في هذا النص وهو بعض من قصيدة (انزواء)…
ربي..
ما هذه الواحة المسلوبة مني؟
أي إرث نازعتني فيه بلاد بعيدة
أي نار مخطوفة من صباي؟
ردها ليتمي المسكين
إنها أقصر الطرق إلى عبادتك
الحمروني واثق مما يثير شغف القاريء ونهمه لتلقف كل مذهل ومدهش لأنه بكلماته ومحابره الودانية التي اختلطت بتراب تلك البقعة المترفة بالسلالات الشريفة يعي أهمية ذلك بالنسبة للآخرين، فحياة الحمروني في بلدته ودان وفي تنقلاته لأماكن اخرى عايش الليل وحمرة الغروب والشوق له في كل شروق، وعايش النخلة وتشبث بجذعها وعانق الأرض وأطلق العنان لحروفه المغردة تغاريد حزن مرة وغناء فرح بالآتي مرات هذه البيئة لا تمنحنا جميعًا الفرص ذاتها، خلقت من كلماته سمة تعني الحب لكل ماذكرنا . فكان الحس العميق بالحب هو محور فكرته.
إنّي أرى ما هو أبعد من الوصف، وأبعد من تصوير المشاعر .وأبعد من إلقاء قصيدة في محفل أو على ورق كما كل الشعراء أرى أن نصوص شاعرنا في أغلبها تنتظر الإنفراج عن حوار فكري مؤهل لتلقي تجربته الجمالية في إطار تصوفها النثري والموزون بمسار صوفي مواز لأحلامه السامية وفي طرقه لأبواب الحب طيلة مسيرته الشعرية المتمثل في حبيبته المواربة.
كلماته تلغي الصمم الجمالي في خاصية له وحده، لن تجد له تكرارُا في ما يفسد الذائقة، وكثير من كلماته قادرة على تحريك مشاعر المتلقي لنزعته المتصوفة البكر والمتجددة المتحررة من قيود المسطرة الشعرية في آن في طرحها . نصه في شموليته يطرح فكرته بلفظات تراكبية تختلف من زاوية لأخرى لكنها تتفق في فسيفسائها الجمالية، زخمها الشعوري عنيف، مشحونة بعميق الإحساس تعابيره طاقة تنقل عمق الفكرة ونفوذ الوعي، شخوص قصائده وأشكالها لا نراها إلاّ في قليل جدًا من مطارحاته لقلة من الشعراء، نرى المشاعر تطغى بقوة، وتتجلى أحاسيسه المرهفة في لغته بجميع دلالاتها.
في قراءة مبدئية أحاول أن أعبر حدود دلالات قصيده وأغور حس كل كلمة وما وراءها. وأنا أعبر أقول سيأتي زمن يكون نصه -أي الشاعر الحمروني- بارقة ضوء لا شبيه له في سماء الشعر وجودة الكلمة، والتفنن والإبداع، فالكلمة عنده حكاية روح وقلب خافق.
في غالب قصائده دلالات حسية سامية تعج بها كلماته لها مدلول يعانق رسالة السماء وتعانق في سموها الوحي والملائك والنبوءات والبعث. هذه دلالات الآتي المتعلق بماض تليد المرتبط بوثاق الحب العميق لبداية الخلق وسمو الروح والوصول للحقيقة المخبأة في النبوءات المتتالية والتي يبحث عنها شاعرنا في حسه اليومي وفي حلمه وفي تجرده من شهوة لحظية لممارسة الحب في حروفه وأوان البحث عنه، إنه يلتمس حبًا مغايرًا لما هو على الأرض. يسمو بحبه في كل قصائده صوب نبوءة السماء بحبيبة ينشدها في كل قصيدة. فدلالة الحبيبة الحسية تعني أنه يقدس الحب بدوام ما يكتب وينتظر تلك الحبيبة بقوة ومهابة سماوية يفرد لها مساحة واسعة في حياته هذه دلالة عميقة عمق من شحذ الحب وخلقه وصوره وأنزله لعباده على الأرض. في كل قصيدة من دواوينه يرسم لنا صورة حبيبته بكنايات قد تكون متشابهة لكنها مختلفة، وتكون في أبلغ مهاباتها عندما ترتبط بنبوءته عميقة النفوذ التي ينشدها بغناء صوفي مائز…
ليظل كالتمثال يكتم فيضه
وبأعيني أومي لك التأليه
كطيف نبوءة والفجر
محفوف البواكير
مجيء نبي والإصحاح
مسبوق التباشير
لأحاول التقاط بعض مما
نثره برقك الخاطف على
انتظار عتمتي
سأحتاج لمحياك يا كوكبي
لأتلمس ملامح النهار
لبصيرة قراءتي في مشارف
مطلع فجرك الآمن بالسلام
لكنتِ بشرتني بجنة عرضها
المجرات والكون
كوني بهذا الجلال والنور
لأجل الشعر
صديقة
مليكة
تتجاوز جندها في سبيل الوحي
كيف اهتديتِ إلى سؤالي وحيرتي
إيحاءاته
إيحاءاته المقرونة دائمًا بالوحي الداخلي الكامن في نبع قوة المفردة، وتأملاته في خلق مساحة وارفة من الحب تنقله من عالم الوحدة والشوق والليل إلى واحة هادئة في حضن حبيبة تعانق فيه هذا الضجيج المصحوب بالقلق الشديد الذي تنقله لنا لغته الفياضة وليدة الجمال تارة وتارة أخرى تنثال للبوح بالهم اليومي والمعاناة والشكوى والفراق، كل هذا يكتنز في قصيدة واحدة تتعدد في دواوينه، فهو لا يتردد في تأثيث صوت غنائه لغاية يريدها. قد تكون هذه ميزة يختص بها حسه الداخلي وغناؤه الذي هو سمة وبصمة يشدوها بحرفه المغاير الذي يكتنفه قاموسه اللغوي الإبداعي، خاصية اختيار كلماته هي ميزة غالبة، وحي الشعر لديه يصعد متساميًابعيدًا عن لغة الإسفاف…
أقف كثيرًا عند هذه الأبيات إذ يقول:
قراءتي الأُولى في إبهارك
أوهمت الناس بحفظي
للكتب المقدسة
سيكون عليك التخلّي عمّن سبقوني
من الشعراء في قراءاتك
لتأويل ما أضرمتِه في نصّي
كان لا مفرّ من الوقوع في حب
الانتماء إليك
لشبهكِ الأعظم بي
سيماكِ في وجهكِ من أثر الإعجاز
بك لا تحتاج دواويني
إلى مقدمات
أو إلى عبث ما يدعوني لإثبات
الذات الظليمة
يا عثوري على حقيقتي التي أنشد
وعوضي عمّا أرَقتُ من رؤيا
ومراياي المُتّفق عليها من حواسي جميعا
ألهميني رثاءً يليق بأُمي
في حضورك الآصر لنبوّة الشعر
لأُراود مأوى حضنك المُنزّه
عن الخذلان
سأتطفّل عليه
من أجل صدقي المؤهَّل
لمديحك
فلا تضيقي بي لوعةً
كي أسمو بأُمّيةٍ لاغُبار عليها
وهِبي براءة عشوائيّتي مسَّكِ
ليخترعني شاعرًا مختلفًا
في الغوص إلى محار المعنى
ويخلق في ما تكتبينه من قصتي
أجنحةً تؤرِّخُني لإنصافك
كي أتأنسن إلى لغتك المستقلة بروحانيتها
وأهمس للأحلام السعيدة:
أنك فرصتها الأسنح
للظفر بخيال رسولةٍ
عذراء الوحي
واستحقاق الأُمنيات الطيبة
والعفوية البسيطة
العليّة الرُتَب
في كُلِّ
فحوى
لاختلافي
نصوص الشاعر الحمروني لابد أن تقرأ وتقرأ لما لقاموسها اللغوي والبلاغي والجمالي الحسي من تأثير متفاعل مع المتلقي وجذبه للدهشة والتساؤل وتفتيت المعتاذ والصعود للسمو…
ليتك تبصرين دهشتي باكتمال
نص لا أملك نطفة الفكرة منه
وكيف يبدأ في التخلق بسطوة تأثيرك
في رحم مهد القصيدة.
* أبيات من قصيدته (تجعلين كل شيء حي).

عائشة أحمد بازامة
صحيفة فكر، السبت 6 مارس 2021

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...