محمد بشكار - أناقةُ البساطة في فضاء الوَساطة!

كما تتحقَّق الأناقة بأبْسط الألبسة، تكْتسِب الأشياء أيضاً قوّة التأثير برمْزيتها دون تَكلُّف أو تَصنُّع، وها هو المُلْحق قدْ ربح الحُسْنَيين حين حَلَّ ضيْف شرف على فضاء الوساطة، ربح القوة الرمزية وأناقة البساطة، وأُفضِّل عِوَض صيغة مَعْرض اسم جِدارية لملحق "العلم الثقافي"، فما أشدَّ الوقْع على الأنْفُس وأنْت في جوْلة بالشَّارع الرَّئيسي لِلهرْهورة، حين تلُوح فجْأةً على مرمى النَّظر وليْس الحجر، صفحاتُ الملحق ترفْرِف في مَعْرض ليس للبيْع، إنَّما للاحتفال باليوم العالمي للشِّعر، هلْ أنا أحْلُم، كأني بفنْجان القهوة الذي احْتَسيْته هذا الصَّباح، قد خَذَل يقْظتي، سَحَبَني الصديق عبد الفتاح الزين من ذراعي، هذا السوسيولوجي المُثْخن بِتجارب الحياة والذِّكْريات المُؤجِّجة للحنين، وأقْعَدني إلى جواره بالمقهى على مرأى من سِرْب المُلْحق، ولَمْ أعُدْ أعْرف مع نَسائِم الصباح التي يبعثها البحر، هل تِلكُم الصَّفحات أمْ قلبي بِشِدَّة الفرْحة هو المُحلِّق، تبادلتُ وعبد الفتّاح النظرات الأبْلَغ منْ كل كلام، واتَّفقْنا في صمت أنَّ هذا الإنجاز الأكبر من الأعْيُن الصّغيرة، يَحْتاج لفنجان قهوة آخر، إمّا يَجْعلنا نسْتفِيق أو يزيد في نشْوتنا بعْض الخَدَرْ!
الفِكرة إمَّا تكون باردةً تُشْعِر مُتلقِّيها بالفُتُور، أوْ آسرةً تبْعث على الدَّهْشة والإعْجاب، ولا أُخْفي أنِّي وقعْتُ أسير فِكْرة عبد الفتَّاح الزين، فما أبْلَغ أنْ تَهْدم المنابر العاجيّة المُنْتصِبة كالأصْنام في أفْخَر المَحافل، لا لِشيء إلا لأجْل خَلاص الشِّعر وتَحرُّره من البروتوكولات والأوْسمة، مَا أرْوَع أن تُهرِّبه كالحشيش إلى حيثُ تتَّسِع شعْبيَّته ويُصبح مع أغاني بوب مارلي، تداوليا على أطراف الألسنة، لقدْ ضَجر النّاس من ثقافة الواجِهة ولُعْبتها البرَّاقة التي لم تَعُد تنْطلِي على الأعْيُن، ضَجروا منْ وَجْبةٍ دون طَعْم ويَخْضع ثَمنها لِمَنْطق المكان الفخم !
لم يَكُنْ الأمْر يَحْتاج لِسرية وكِتْمان لنُخطِّط لعمليَّة الاقْتحام، لأنَّ الاشتغال على الشِّعر أشْبَه بعمل البُسْتاني، غالباً ما يَنْفلتُ عطر الزُّهور من بين أصابعه ليُفْشي الأسْرار، أمَّا الهَدف الذي اختير لعملية الاقتحام الشعرية، فليْس بنكا أو وزارة كالَّتي تهدر سُيولتها من المال العام، لصالح بعض الجوائز الأدبية الفاشلة، بلْ مُؤسسة تعْليمية رابضة بين أبنية السكان، ولم نكُن نحن الخمْسة عصابة كالَّتي تنتظر زمن القحط الثقافي لتأْكُل اليابس، أمّا الأخْضر، فقد تحالفت مع الجراد لتبْتلِع أوراقه النَّقْدية إلى آخر قبضْة نعْناع، ولم يكُن هؤلاء الخمسة الذين يتزعمهم عبد الفتاح الزين بقبعته العالية، سوى الناقد محمد الداهي والشاعر حسن الوزاني والكاتب يوسف توفيق ثم أنا.. وليت قلق هذه الأنا يهدأ قليلا، عساي أصِل لِمرتبة ذلك الزَّاهد الذي يكتب أجمل القصائد!
اليوم نتبادلُ الأدْوار على مُسْتوى الأشْعار بالمؤسسة التعليمية يعقوب المنصور، اليوم تجْتمع اللجنة لتسْتخلص الذَّهب من خامة التِّبْر، لابُد أنْ نجِد للشِّعر مُسْتقْبلا آخر غيْر الَّذي تدَّعِي مِلْكِيَّته بعْضُ الديْناصُورات، لابُد أنْ نُحْسِن التَّصَرُّف مع الزَّمن كي لا نفْقِد الغَد، أخيراً اكْتشفتِ اللجنة بين الكتابات سَبْع بذور على أُهْبة التَّبَرْعُم، ولستُ أُداري غَيْرتي وأنا أقول إنَّ التَّفوُّق كان للتلميذات الشواعِر، يَا لَحظِّ القصيدة، فازتْ بِجائزتها من تَعْرف المعنى الحقيقي لألم المخاض وفرحة الولادة!
ألَمْ أقُل إنَّنا اليوم نتبادلُ الأدْوار على مُسْتوى الأشْعار، وها نحن في يوْم الشِّعر، نَعود لِمقاعِدِنا الأولى التي تطوَّرتْ مع الزمن لكراسي مُتحرِّكة في وظائف مَشْلُولة، عسانا بهذه العوْدة نتعلَّم مِنْ جديد كيف نسمع للكلمة وهي تَصْدُر من المستقبل، ولا أظنُّ الصديق عبد الفتاح الزين الذي اتَّخذ البحر تيمةً لهذه الفعالية الشِّعرية، إلا كان يبحثُ عنْ قَارب نجاةٍ مِنْ طوفان فجَّرتُه قصائدُ تلامذتنا الشُّعراء، لا أظنُّ المُبْدعة أمينة سبيل، إلا ضَخَّتْ في هذا البحر جُرْعةً أوْ دمعةً قوية بشهادة الوفاء حول الفقيدة عزيزة يحْضيه عُمَر، أمَّا أنَا وبَعْد أنْ عاد الحاضِرُون مساءً لِلبُيوت، مَا زال قلْبِي في فضاء الوَسَاطة أسِيرَ أناقتها مِنِّيَ الشِّعر ومِنْها البَسَاطة!

................................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 24 مارس 2022.






تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...