ب- في مصر، الدكتور رجاء عيد:
بالإضافة إلى د. رجاء عيد الذي سنخصه بالحديث في هذا العرض، فإن هناك باحثين في مصر ممن اهتموا بقضية التناص مفهوما ومصطلحا ودراسة، ونذكر منهم في هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر: د. مصطفى السعدني في كتابه "التناص الشعري، قراءة أخرى لقضية السرقات"؛ الذي جاء موجزا ومفتقرا لخلفية التناص النظرية كما وردت علينا من الغرب. والاستفادة المتسرعة التي نجدها في هذا الكتاب من الغربيين كانت بوساطة ترجمة الكاتب المغربي ذ. أحمد المديني لمقالة "مارك أنجينو" المشار إليها في هوامش هذه الدراسة. وكتاب د. صلاح فضل "التوشيح بين الانحراف والتناص"( ) الذي نقل عنه كلاما موجزا لجوليا كريستيفا. وبوساطة د. صبري حافظ في مقاله :"التناص وإشاريات العمل الأدبي"( )، والكاتبان المستفاد من جهودهما، معا، مصريان يدخلان فيما نحن بصدده من التمثيل، يضاف إليهما، على سبيل المثال دائما، د. محمد عبد المطلب في كتابه ‘‘قراءات أسلوبية في الشعر الحديث’’ حيث خصص فيه فصلا للتناص درس فيه ديوان الشاعر محمد عفيفي مطر "أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت"( )، تحت عنوان "التناص القرآني في (أنت واحدها) لمحمد عفيفي مطر"( )، وقد نوقشت مؤخرا أطروحة لنيل دكتوراه في مصر لصاحبها الشاعر عبد الناصر هلال تحت إشراف د. عز الدين إسماعيل، وكانت تحت عنوان: "توظيف التراث في الشعر العربي المعاصر في مصر 1967-1994". ويبدو من تلخيص الباحث لدراسته أنه قصر التناص على السرقة والتضمين حين قال: «فإذا كانت العلاقة في القديم قد سميت بالسرقات والتضمين فإنها في الحديث قد اختلفت في الرؤى والموقف وسميت بالتناص»( ). ولربما كان د. صبري حافظ من أوائل الكتاب المصريين الذين انتبهوا لقضية التناص، فكانت مقالته تلك من المراجع المهمة للباحثين في الجانب النظري للمصطلح. إلا أن د. صبري حافظ لم يوفق في الجانب التطبيقي بعد ذلك حين أراد أن يدرس شعر "بدر شاكر السياب" دراسة تناصية في مقاله "التناص وتحولات الشكل في بنية القصيدة عند السياب"( )، وعدم توفيقه ذاك راجع إلى أنه، وعلى مدى صفحات شاسعة في دراسته للسياب، لم يلامس قط ما يمكن أن يعتبر تناصا؛ صحيح أنه ذكر هذا المصطلح مرتين على الأقل في أواخر دراسته دون أن يقيم على دعواه دليلا حين قال: «وقد استطاعت هذه البنية الشعرية الجديدة أن تظل فاعلة في واقع الشعر العربي حتى اليوم لأنها أقامت حوارا تناصيا خصيبا مع ما يمكن دعوته بالبنية العميقة للقصيدة العربية...هذا الحوار التناصي الخصب مع البنية الأصلية للقصيدة العربية هو الذي أتاح لشعره التأثير والبقاء»( ). وصحيح أيضا أن عنوان دراسته اللافت هو "التناص وتحولات الشكل"، بيد أنه من العنوان إلى آخر الدراسة لا نجد غير حديث عن مسيرة حياة السياب السياسية والشعرية مما يخيب أمل القارئ في طَلِبته، خاصة وأنه لا يتوقع ذلك من ناقد حصيف مثل د. صبري حافظ الذي كان له، ربما، فضل الريادة في التعريف بالتناص لدى المصريين وبعض بلدان العالم العربي. وليس من همنا، هنا، أن نستقصي الأمثلة بقدر ما يهمنا الكشف عن مدى اطلاع المثقفين العرب هنا وهناك على هذا المصطلح نظرا وتطبيقا. ولأخذ نظرة أكثر تفصيلا نمثل هنا كما ألمحنا في البداية بدراسة للدكتور رجاء عيد.
د. رجاء عيد من الباحثين المعروفين في مجال دراسة توظيف الشعر المعاصر للنصوص والخطابات القديمة على الخصوص( )، مثله في ذلك مثل كثير من الباحثين الذين كانوا يبحثون في تأثيرات وتبين أصول ومصادر الإبداع الثقافية في الشعر العربي الحديث وذلك قبل ظهور مصطلح التناص وما صاحبه من مفاهيم وتقنيات تحليل يسعى الجميع للاستفادة منها وتجديد النظرة إلى النصوص القديمة والمعاصرة بها. وفي دراسة له بعنوان "النص والتناص"( ) تناول الشعر العربي المعاصر من هذه الزاوية بعد مقدمة نظرية يعرف فيها بالمصطلح والمفهوم. ومنذ البداية، وبالنظر إلى المراجع التي اعتمدها في هوامشه، لن ينتظر منه القارئ جدة ولا عمقا في تناول الموضوع؛ فمن حيث المصادر اعتمد على مقال "مارك أنجينو" الذي يؤرخ فيه صاحبه لمفهوم التناص، ويصعب في نظري على أي باحث الاستفادة منه الاستفادة المرجوة في ترجمته العربية التي قام بها الباحث المغربي أحمد المديني( ) لما يشوب لغة هذه الترجمة من تشويش وأخطاء مطبعية، ومع ذلك فقد كان المصدر الوحيد للدكتور رجاء عيد. ومن حيث المراجع عاد الباحث إلى"محمد بنيس" في ظاهرة الشعر المعاصر، و"عبد الله الغذامي" في الخطيئة والتكفير، ولكن في حدود ضيقة جدا. وقد بدأ الجانب النظري بالكلام عن حداثة مفهوم التناص وزعم أن الشكلانيين الروس سبقوا إلى هذا المصطلح دون تقديم أي شاهد على ذلك قال: «لقد سبق الشكلانيون إلى مصطلح التناص والذي يرد في ملمح المفارقة بين النص المعارض والنص المعارض»( )؛ والحال أن "كريستيفا" هي مخترعتُه وأن الشكلانيين إنما سبق بعضهم إلى المفهوم لا إلى المصطلح؛ وهذا الأمر عرفه العرب أيضا أما الباحث هنا فقد عزا إلى كريستيفا مجرد «استخدامه»( ) مما يوحي كذلك بوجوده من قبل. ثم لا ينسى دور "باختين" الذي استخدم حسب تعبيره «مقولة تداخل السياقات والتداخل السيميائي يتماس مع مصطلح التناص عند كريستيفا»( ). ويسوق، بإيجاز، بعض تعريفات التناص تركز كلها على وجود تداخل بين النص الحاضر والنصوص الغائبة فيه؛ سواء كانت قديمة أو معاصرة، مع التركيز على خاصية التفاعل في هذا التداخل الذي يبلغ درجة من التعقيد يصعب معها اكتشاف الظاهرة.
ومن خلال هذا الفرش النظري يتناول د. رجاء عيد التناص من خلال ما يلي:
1. يناقش ظاهرة المعارضات الشعرية ذاهبا إلى أن كثيرا منها قيلت روضا للقول وليست من التناص؛ كمعارضات البارودي وحافظ إبراهيم «لأن صاحبها يتعمد إعادة السمات الأسلوبية أو "التيمات" الغرضية في نصه الْمُعارِض فإذا لم يكن في النص المتناص حذوفات وإضافات فلا قيمة له»( ). وهذا الذي يقول به الباحث لا يستند، في الواقع، على أساس؛ إذ لا يوجد نص معارِض خال من الحذوفات والإضافات قَلَّت أو كثُرت، إلا أن يكون النص المعارَض هو نفسه النص المعارِض فلا معارضة إذ ذاك فيه أصلا ! وهنا يحسن أن نتذكر مع عبد القاهر الجرجاني حين قال: «إنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين مثل صورته في الآخر البتة»( ).
2. يدعو –مقتديا بالدكتور محمد بنيس-إلى عدم النظر إلى التناص كسرقة أدبية ترد إلى أصلها، ويرى أن البحث عن تلك "الشذرات المتناصية" إنما هو لمعرفة تحولاتها في النص الجديد( ). ويسوق الباحث عن هذا الرأي مجموعة من الأمثلة دون تعليق، كقوله مثلا: «ولننظر إلى بيت شوقي في قصيدته عن "أنس الوجود"( ) [الخفيف]:
شابَ مِن حَولِها الزمانُ وشابَتْ وشَبابُ الفُنونِ ما زالَ غَضَّا( )
مع بيت "محمود حسن إسماعيل" في قصيدته "النهر الخالد"( ) [مخلع البسيط]:
شابـت على أرضـه الليـالي وضَيَّعَتْ عمرَهـا الجـبالُ »( )
3.يتحدث عن التضمين وجها من أوجه التناص، ويذكر من وظائفه توكيد الموقف وترسيخ المعنى ونفي المعتقد… مما لا يدركه إلا القارئ الحصيف «ومن ثم فمحلل النص لا يتوقف عند تبَيُّن المتناصات، ولكنه يستكشف كيفية انتقائها، ومدى تلبسها وتلاحمها بالنص المتناص وتداخلها في نسيجه»( ). ويسوق الباحث بعض الأمثلة عن أنواع التضمين الناجح وغير الناجح مع تعليقات موجزة تبين وظائفه السابقة، كقوله: «ومثيله تحوير يتناص مع بيتين لشوقي…ومن خلال هذا التحوير ينبثق نقيض موجع يكشف حالة وحالات من السخرية الأليمة لما نحن فيه. يقول أمل دنقل:
1.[الرمل]:
جبلَ التَّوبادِ حيّاكَ الحَيَا وسقى اللهُ ثَرانا الأجنبي
2.[الخفيف]:
وطني لو شُغلت بالخُلد عنه نازَعَتني لمجلس الأمن نفسي»( )
إلا أن الباحث، في بعض الأحيان، يطيل الوقوف عند بعض النماذج خاصة عندما تكون العناصر المتعالقة بين النص اللاحق والنص السابق كثيرة ومتنوعة كما هو الشأن في تناص قصيدة لأحمد عنتر مع قصيدة البحتري المشهورة في الذئب( )، فقد تتبع الباحث أوجه الاختلاف والتداخل والحذف من خلال تحليل قصيدة "أحمد عنتر". وهذا نموذج من تحليله: «ويتداخل الصوتان حين يتلبس التضمين –من قصيدة البحتري- بصوت "البطل" المعاصر:
وحين هَمَّ الذئبُ بافتراسي
هَمَمْتُ بالمناوَأَهْ
(عَوَى ثمَّ أقْعَى فَارْتَجَزْتُ)
فَلَمْ يَخَفْ
(وَأَقْبَلَ مِثْل البَرقِ يَتْبَعُهُ الرَّعْدُ)
إلى أن طَوَتْني
حَسْبَ هذا الذي تَرى( )
لنلحظ أثر "البتر" في جملة: (إلى أن طوتني)، وماله من أثر فني، كأن انقطاع الصوت –أو بقية الجملة- إيماء رهيف لمعاني متعددة، يشير إليها ما يليها "حسب هذا الذي ترى"»( ). فالتناص تنشأ عنه علاقات التحويل والتقاطع أو التبديل والاختراق( )
4. يذكر ما يمكن أن نطلق عليه "التناص الداخلي" وهو«تناص للنصين للشاعر نفسه»( ) حسب تعبير الباحث، ولا يرى فيه –في الغالب «سوى تكرارية لا تتفرد بسمات مفارقة ولا تتملك جماليات خارقة»( )؛ وإن كان بعض الشعراء، في نظره، يستطيعون في بعض الأحيان الانفلات من هذا التكرار كما نجد عند شوقي في قصيدته عن أبي الهول وتناصها مع قصيدة أخرى يصف فيها أبا الهول وهي قصيدة "تمثال نهضة مصر"( ).
5. وفي الأخير يشير الكاتب إلى تناص الشعر مع الخطابات الأخرى كالنص الصوفي والحكايات الرمزية والمقامات ويكتفي منها –كما يقول- بلمحة خاطفة( ). ويمثل للتصوف بمناجاة روحية لرابعة العدوية يضعها الشاعر "حسب الشيخ جعفر" مقدمةً لقصيدته "الطائر الخشبي"، ومن المعروف أن مثل هذه المقدمات لا تُدرس باعتبارها تناصا وإنما باعتبارها نصا موازيا أو عتبة للنص المدروس كما وضح ذلك "جيرار جينيت"، مثلها في ذلك مثل العناوين والهوامش والتعليقات والإهداءات…الخ. أما الحكايات الرمزية فيمثل لها الباحث بالتناص مع حكايات كليلة ودمنة، ثم ينهي الدراسة بخاتمة موجزة يُذكر فيها بطبيعة التناص( ).
.........................................
هواش:
- التوشيح بين الانحراف والتناص، قراءة جديدة لتراثنا النقدي، د. صلاح فضل -النادي الأدبي الثقافي بجدة 1410-1990.-[عن هوامش البحث].
– نشر أول مرة في مجلة "ألف" المتخصصة في البلاغة المقارنة-القاهرة ربيع 1984.ونشر باتفاق مع هذه المجلة "عيون المقالات" المغربية ع :2، 1986 ص: 77 – 102، ثم نشر أخيرا في كتاب للباحث متضمن لمقالات مختلفة، صدر له بعنوان "في أفق الخطاب النقدي-دراسات نظرية وقراءات تطبيقية" 1996.
– صدر الديوان "أنت واحدها…" عن دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد 1986. [عن هوامش البحث].
– قراءات في أسلوبية الشعر الحديث، د. محمد عبد المطلب؛ 161-179.
– "توظيف التراث في الشعر العربي المعاصر في مصر" [ملخص الأطروحة]، د. عبد الناصر هلال - مجلة إبداع، ع: 19 ديسمبر 1996؛ ص: 131.
– نشرت في المجلات التالية: –"المدى" 9: 30-36.
–"مواسم" 2/3: 4-13.
–"نزوى" 7: 18-27.
– المدى؛ 9: 35.
– ينظر مثلا دراسته: -"الأداء الفني والقصيدة الجديدة" فصول مج 7 ع 1/2 -أكتوبر /مارس1986/1987؛ ص: 50-63. وكتابه: لغة الشعر، قراءة في الشعر العربي الحديث؛ 201 وما بعدها.
– "النص والتناص"، د. رجاء عيد، ضمن: علامات، ج: 18، مج: 5، رجب 1416/ديسمبر 1995- ص:175-206.
– سبقت الإشارة إليها وإلى ترجمة أخرى ظهرت مؤخرا لمحمد خير البقاعي في مجلة "علامات" ج:19، مج: 5، 1996؛ ص: 123.
- علامات، ج: 18؛ ص: 176.
- نفسه.
- نفسه؛ 177. وهو في الحقيقة عبارة أحمد المديني في ترجمته للمقالة. - انظر: أصول الخطاب النقدي؛ 103.
– نفسه؛ 182.
– ينظر في موضعه من فصل "المجال العربي" و- دلائل الإعجاز؛ 487.
– علامات؛ 18: 183.
– بيت شوقي وبيت محمود حسن إسماعيل أيضا، في الحقيقة، أولى أن يكونا، معا، متناصين مع قول أبي تمام المشهور [البسيط]: مِنْ عهدِ إسكندرٍ أو قبل ذلكَ قد شابت نواصي الليالي وهي لم تشبِ
- ديوان أبي تمام 1: 48.
– ديوان شوقي؛ 1: 228. والضمير في البيت يعود على القصور المصرية القديمة ومنها قصر "أنس الوجود" الذي جعله شوقي عنوانا لقصيدته.
- بهذا العنوان غناها الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، وهي في مجموعة محمود حسن إسماعيل الشعرية الكاملة؛ 729:1، بعنوان "النيل" ضمن ديوانه "أين المفر".
– علامات؛ 18: 184-185.
– نفسه؛ 185-186.
– نفسه. عن مجموعته الكاملة (ط القاهرة) :85. لم يثبت الباحث هنا بيتي شوقي. والأول من مسرحية "مجنون ليلى" وهو:[الرمل]:
جبلَ التوباد حياك الحيا وسقى الله صبانا ورعى
- الأعمال الكاملة –المسرحيات 216./. والثاني من ديوانه؛ 1: 205 وهو [الخفيف]:
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعَتني إليه في الخلد نفسي
– ديوان البحتري؛ 2: 740، ومطلع القصيدة [الطويل]:
سلام عليكم لا وفاءٌ ولا عهدُ أما لكمُ من هجر أحبابكمْ بُدُّ
– لم يذكر الكاتب مصدر الشعر.
علامات؛ 18: 192.
– نفسه؛ 193.
- نفسه؛ 194.
- نفسه؛ 195.
- نفسه؛ 198.
- نفسه؛ 203.
- نفسه؛ 206.
بالإضافة إلى د. رجاء عيد الذي سنخصه بالحديث في هذا العرض، فإن هناك باحثين في مصر ممن اهتموا بقضية التناص مفهوما ومصطلحا ودراسة، ونذكر منهم في هذا المجال على سبيل المثال لا الحصر: د. مصطفى السعدني في كتابه "التناص الشعري، قراءة أخرى لقضية السرقات"؛ الذي جاء موجزا ومفتقرا لخلفية التناص النظرية كما وردت علينا من الغرب. والاستفادة المتسرعة التي نجدها في هذا الكتاب من الغربيين كانت بوساطة ترجمة الكاتب المغربي ذ. أحمد المديني لمقالة "مارك أنجينو" المشار إليها في هوامش هذه الدراسة. وكتاب د. صلاح فضل "التوشيح بين الانحراف والتناص"( ) الذي نقل عنه كلاما موجزا لجوليا كريستيفا. وبوساطة د. صبري حافظ في مقاله :"التناص وإشاريات العمل الأدبي"( )، والكاتبان المستفاد من جهودهما، معا، مصريان يدخلان فيما نحن بصدده من التمثيل، يضاف إليهما، على سبيل المثال دائما، د. محمد عبد المطلب في كتابه ‘‘قراءات أسلوبية في الشعر الحديث’’ حيث خصص فيه فصلا للتناص درس فيه ديوان الشاعر محمد عفيفي مطر "أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت"( )، تحت عنوان "التناص القرآني في (أنت واحدها) لمحمد عفيفي مطر"( )، وقد نوقشت مؤخرا أطروحة لنيل دكتوراه في مصر لصاحبها الشاعر عبد الناصر هلال تحت إشراف د. عز الدين إسماعيل، وكانت تحت عنوان: "توظيف التراث في الشعر العربي المعاصر في مصر 1967-1994". ويبدو من تلخيص الباحث لدراسته أنه قصر التناص على السرقة والتضمين حين قال: «فإذا كانت العلاقة في القديم قد سميت بالسرقات والتضمين فإنها في الحديث قد اختلفت في الرؤى والموقف وسميت بالتناص»( ). ولربما كان د. صبري حافظ من أوائل الكتاب المصريين الذين انتبهوا لقضية التناص، فكانت مقالته تلك من المراجع المهمة للباحثين في الجانب النظري للمصطلح. إلا أن د. صبري حافظ لم يوفق في الجانب التطبيقي بعد ذلك حين أراد أن يدرس شعر "بدر شاكر السياب" دراسة تناصية في مقاله "التناص وتحولات الشكل في بنية القصيدة عند السياب"( )، وعدم توفيقه ذاك راجع إلى أنه، وعلى مدى صفحات شاسعة في دراسته للسياب، لم يلامس قط ما يمكن أن يعتبر تناصا؛ صحيح أنه ذكر هذا المصطلح مرتين على الأقل في أواخر دراسته دون أن يقيم على دعواه دليلا حين قال: «وقد استطاعت هذه البنية الشعرية الجديدة أن تظل فاعلة في واقع الشعر العربي حتى اليوم لأنها أقامت حوارا تناصيا خصيبا مع ما يمكن دعوته بالبنية العميقة للقصيدة العربية...هذا الحوار التناصي الخصب مع البنية الأصلية للقصيدة العربية هو الذي أتاح لشعره التأثير والبقاء»( ). وصحيح أيضا أن عنوان دراسته اللافت هو "التناص وتحولات الشكل"، بيد أنه من العنوان إلى آخر الدراسة لا نجد غير حديث عن مسيرة حياة السياب السياسية والشعرية مما يخيب أمل القارئ في طَلِبته، خاصة وأنه لا يتوقع ذلك من ناقد حصيف مثل د. صبري حافظ الذي كان له، ربما، فضل الريادة في التعريف بالتناص لدى المصريين وبعض بلدان العالم العربي. وليس من همنا، هنا، أن نستقصي الأمثلة بقدر ما يهمنا الكشف عن مدى اطلاع المثقفين العرب هنا وهناك على هذا المصطلح نظرا وتطبيقا. ولأخذ نظرة أكثر تفصيلا نمثل هنا كما ألمحنا في البداية بدراسة للدكتور رجاء عيد.
د. رجاء عيد من الباحثين المعروفين في مجال دراسة توظيف الشعر المعاصر للنصوص والخطابات القديمة على الخصوص( )، مثله في ذلك مثل كثير من الباحثين الذين كانوا يبحثون في تأثيرات وتبين أصول ومصادر الإبداع الثقافية في الشعر العربي الحديث وذلك قبل ظهور مصطلح التناص وما صاحبه من مفاهيم وتقنيات تحليل يسعى الجميع للاستفادة منها وتجديد النظرة إلى النصوص القديمة والمعاصرة بها. وفي دراسة له بعنوان "النص والتناص"( ) تناول الشعر العربي المعاصر من هذه الزاوية بعد مقدمة نظرية يعرف فيها بالمصطلح والمفهوم. ومنذ البداية، وبالنظر إلى المراجع التي اعتمدها في هوامشه، لن ينتظر منه القارئ جدة ولا عمقا في تناول الموضوع؛ فمن حيث المصادر اعتمد على مقال "مارك أنجينو" الذي يؤرخ فيه صاحبه لمفهوم التناص، ويصعب في نظري على أي باحث الاستفادة منه الاستفادة المرجوة في ترجمته العربية التي قام بها الباحث المغربي أحمد المديني( ) لما يشوب لغة هذه الترجمة من تشويش وأخطاء مطبعية، ومع ذلك فقد كان المصدر الوحيد للدكتور رجاء عيد. ومن حيث المراجع عاد الباحث إلى"محمد بنيس" في ظاهرة الشعر المعاصر، و"عبد الله الغذامي" في الخطيئة والتكفير، ولكن في حدود ضيقة جدا. وقد بدأ الجانب النظري بالكلام عن حداثة مفهوم التناص وزعم أن الشكلانيين الروس سبقوا إلى هذا المصطلح دون تقديم أي شاهد على ذلك قال: «لقد سبق الشكلانيون إلى مصطلح التناص والذي يرد في ملمح المفارقة بين النص المعارض والنص المعارض»( )؛ والحال أن "كريستيفا" هي مخترعتُه وأن الشكلانيين إنما سبق بعضهم إلى المفهوم لا إلى المصطلح؛ وهذا الأمر عرفه العرب أيضا أما الباحث هنا فقد عزا إلى كريستيفا مجرد «استخدامه»( ) مما يوحي كذلك بوجوده من قبل. ثم لا ينسى دور "باختين" الذي استخدم حسب تعبيره «مقولة تداخل السياقات والتداخل السيميائي يتماس مع مصطلح التناص عند كريستيفا»( ). ويسوق، بإيجاز، بعض تعريفات التناص تركز كلها على وجود تداخل بين النص الحاضر والنصوص الغائبة فيه؛ سواء كانت قديمة أو معاصرة، مع التركيز على خاصية التفاعل في هذا التداخل الذي يبلغ درجة من التعقيد يصعب معها اكتشاف الظاهرة.
ومن خلال هذا الفرش النظري يتناول د. رجاء عيد التناص من خلال ما يلي:
1. يناقش ظاهرة المعارضات الشعرية ذاهبا إلى أن كثيرا منها قيلت روضا للقول وليست من التناص؛ كمعارضات البارودي وحافظ إبراهيم «لأن صاحبها يتعمد إعادة السمات الأسلوبية أو "التيمات" الغرضية في نصه الْمُعارِض فإذا لم يكن في النص المتناص حذوفات وإضافات فلا قيمة له»( ). وهذا الذي يقول به الباحث لا يستند، في الواقع، على أساس؛ إذ لا يوجد نص معارِض خال من الحذوفات والإضافات قَلَّت أو كثُرت، إلا أن يكون النص المعارَض هو نفسه النص المعارِض فلا معارضة إذ ذاك فيه أصلا ! وهنا يحسن أن نتذكر مع عبد القاهر الجرجاني حين قال: «إنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين مثل صورته في الآخر البتة»( ).
2. يدعو –مقتديا بالدكتور محمد بنيس-إلى عدم النظر إلى التناص كسرقة أدبية ترد إلى أصلها، ويرى أن البحث عن تلك "الشذرات المتناصية" إنما هو لمعرفة تحولاتها في النص الجديد( ). ويسوق الباحث عن هذا الرأي مجموعة من الأمثلة دون تعليق، كقوله مثلا: «ولننظر إلى بيت شوقي في قصيدته عن "أنس الوجود"( ) [الخفيف]:
شابَ مِن حَولِها الزمانُ وشابَتْ وشَبابُ الفُنونِ ما زالَ غَضَّا( )
مع بيت "محمود حسن إسماعيل" في قصيدته "النهر الخالد"( ) [مخلع البسيط]:
شابـت على أرضـه الليـالي وضَيَّعَتْ عمرَهـا الجـبالُ »( )
3.يتحدث عن التضمين وجها من أوجه التناص، ويذكر من وظائفه توكيد الموقف وترسيخ المعنى ونفي المعتقد… مما لا يدركه إلا القارئ الحصيف «ومن ثم فمحلل النص لا يتوقف عند تبَيُّن المتناصات، ولكنه يستكشف كيفية انتقائها، ومدى تلبسها وتلاحمها بالنص المتناص وتداخلها في نسيجه»( ). ويسوق الباحث بعض الأمثلة عن أنواع التضمين الناجح وغير الناجح مع تعليقات موجزة تبين وظائفه السابقة، كقوله: «ومثيله تحوير يتناص مع بيتين لشوقي…ومن خلال هذا التحوير ينبثق نقيض موجع يكشف حالة وحالات من السخرية الأليمة لما نحن فيه. يقول أمل دنقل:
1.[الرمل]:
جبلَ التَّوبادِ حيّاكَ الحَيَا وسقى اللهُ ثَرانا الأجنبي
2.[الخفيف]:
وطني لو شُغلت بالخُلد عنه نازَعَتني لمجلس الأمن نفسي»( )
إلا أن الباحث، في بعض الأحيان، يطيل الوقوف عند بعض النماذج خاصة عندما تكون العناصر المتعالقة بين النص اللاحق والنص السابق كثيرة ومتنوعة كما هو الشأن في تناص قصيدة لأحمد عنتر مع قصيدة البحتري المشهورة في الذئب( )، فقد تتبع الباحث أوجه الاختلاف والتداخل والحذف من خلال تحليل قصيدة "أحمد عنتر". وهذا نموذج من تحليله: «ويتداخل الصوتان حين يتلبس التضمين –من قصيدة البحتري- بصوت "البطل" المعاصر:
وحين هَمَّ الذئبُ بافتراسي
هَمَمْتُ بالمناوَأَهْ
(عَوَى ثمَّ أقْعَى فَارْتَجَزْتُ)
فَلَمْ يَخَفْ
(وَأَقْبَلَ مِثْل البَرقِ يَتْبَعُهُ الرَّعْدُ)
إلى أن طَوَتْني
حَسْبَ هذا الذي تَرى( )
لنلحظ أثر "البتر" في جملة: (إلى أن طوتني)، وماله من أثر فني، كأن انقطاع الصوت –أو بقية الجملة- إيماء رهيف لمعاني متعددة، يشير إليها ما يليها "حسب هذا الذي ترى"»( ). فالتناص تنشأ عنه علاقات التحويل والتقاطع أو التبديل والاختراق( )
4. يذكر ما يمكن أن نطلق عليه "التناص الداخلي" وهو«تناص للنصين للشاعر نفسه»( ) حسب تعبير الباحث، ولا يرى فيه –في الغالب «سوى تكرارية لا تتفرد بسمات مفارقة ولا تتملك جماليات خارقة»( )؛ وإن كان بعض الشعراء، في نظره، يستطيعون في بعض الأحيان الانفلات من هذا التكرار كما نجد عند شوقي في قصيدته عن أبي الهول وتناصها مع قصيدة أخرى يصف فيها أبا الهول وهي قصيدة "تمثال نهضة مصر"( ).
5. وفي الأخير يشير الكاتب إلى تناص الشعر مع الخطابات الأخرى كالنص الصوفي والحكايات الرمزية والمقامات ويكتفي منها –كما يقول- بلمحة خاطفة( ). ويمثل للتصوف بمناجاة روحية لرابعة العدوية يضعها الشاعر "حسب الشيخ جعفر" مقدمةً لقصيدته "الطائر الخشبي"، ومن المعروف أن مثل هذه المقدمات لا تُدرس باعتبارها تناصا وإنما باعتبارها نصا موازيا أو عتبة للنص المدروس كما وضح ذلك "جيرار جينيت"، مثلها في ذلك مثل العناوين والهوامش والتعليقات والإهداءات…الخ. أما الحكايات الرمزية فيمثل لها الباحث بالتناص مع حكايات كليلة ودمنة، ثم ينهي الدراسة بخاتمة موجزة يُذكر فيها بطبيعة التناص( ).
.........................................
هواش:
- التوشيح بين الانحراف والتناص، قراءة جديدة لتراثنا النقدي، د. صلاح فضل -النادي الأدبي الثقافي بجدة 1410-1990.-[عن هوامش البحث].
– نشر أول مرة في مجلة "ألف" المتخصصة في البلاغة المقارنة-القاهرة ربيع 1984.ونشر باتفاق مع هذه المجلة "عيون المقالات" المغربية ع :2، 1986 ص: 77 – 102، ثم نشر أخيرا في كتاب للباحث متضمن لمقالات مختلفة، صدر له بعنوان "في أفق الخطاب النقدي-دراسات نظرية وقراءات تطبيقية" 1996.
– صدر الديوان "أنت واحدها…" عن دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد 1986. [عن هوامش البحث].
– قراءات في أسلوبية الشعر الحديث، د. محمد عبد المطلب؛ 161-179.
– "توظيف التراث في الشعر العربي المعاصر في مصر" [ملخص الأطروحة]، د. عبد الناصر هلال - مجلة إبداع، ع: 19 ديسمبر 1996؛ ص: 131.
– نشرت في المجلات التالية: –"المدى" 9: 30-36.
–"مواسم" 2/3: 4-13.
–"نزوى" 7: 18-27.
– المدى؛ 9: 35.
– ينظر مثلا دراسته: -"الأداء الفني والقصيدة الجديدة" فصول مج 7 ع 1/2 -أكتوبر /مارس1986/1987؛ ص: 50-63. وكتابه: لغة الشعر، قراءة في الشعر العربي الحديث؛ 201 وما بعدها.
– "النص والتناص"، د. رجاء عيد، ضمن: علامات، ج: 18، مج: 5، رجب 1416/ديسمبر 1995- ص:175-206.
– سبقت الإشارة إليها وإلى ترجمة أخرى ظهرت مؤخرا لمحمد خير البقاعي في مجلة "علامات" ج:19، مج: 5، 1996؛ ص: 123.
- علامات، ج: 18؛ ص: 176.
- نفسه.
- نفسه؛ 177. وهو في الحقيقة عبارة أحمد المديني في ترجمته للمقالة. - انظر: أصول الخطاب النقدي؛ 103.
– نفسه؛ 182.
– ينظر في موضعه من فصل "المجال العربي" و- دلائل الإعجاز؛ 487.
– علامات؛ 18: 183.
– بيت شوقي وبيت محمود حسن إسماعيل أيضا، في الحقيقة، أولى أن يكونا، معا، متناصين مع قول أبي تمام المشهور [البسيط]: مِنْ عهدِ إسكندرٍ أو قبل ذلكَ قد شابت نواصي الليالي وهي لم تشبِ
- ديوان أبي تمام 1: 48.
– ديوان شوقي؛ 1: 228. والضمير في البيت يعود على القصور المصرية القديمة ومنها قصر "أنس الوجود" الذي جعله شوقي عنوانا لقصيدته.
- بهذا العنوان غناها الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، وهي في مجموعة محمود حسن إسماعيل الشعرية الكاملة؛ 729:1، بعنوان "النيل" ضمن ديوانه "أين المفر".
– علامات؛ 18: 184-185.
– نفسه؛ 185-186.
– نفسه. عن مجموعته الكاملة (ط القاهرة) :85. لم يثبت الباحث هنا بيتي شوقي. والأول من مسرحية "مجنون ليلى" وهو:[الرمل]:
جبلَ التوباد حياك الحيا وسقى الله صبانا ورعى
- الأعمال الكاملة –المسرحيات 216./. والثاني من ديوانه؛ 1: 205 وهو [الخفيف]:
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعَتني إليه في الخلد نفسي
– ديوان البحتري؛ 2: 740، ومطلع القصيدة [الطويل]:
سلام عليكم لا وفاءٌ ولا عهدُ أما لكمُ من هجر أحبابكمْ بُدُّ
– لم يذكر الكاتب مصدر الشعر.
علامات؛ 18: 192.
– نفسه؛ 193.
- نفسه؛ 194.
- نفسه؛ 195.
- نفسه؛ 198.
- نفسه؛ 203.
- نفسه؛ 206.