أمين الزاوي - هل بدأت تتهاوى آخر قلاع الفصحى في الرواية العربية؟

هو سؤال إشكالي: هل كل ما يُكتب في اللغة العربية الفصحى أو الكلاسيكية المدرسية المعيارية من شعر ورواية وكتب فكرية هو ترجمة، هو نقل من لغة نعيش بها وفيها، اللغة الأم، إلى لغة تعيش في المدرسة والكتب، تعيش على النحو والصرف والعدد والمعدود وطقوس جمع المذكر السالم وجمع المؤنث غير السالم؟
آخر معاقل الصراع بين الفصحى واللغات المحلية هي الرواية!
جميع الفنون والأجناس الأدبية المتداولة في العالم العربي، وفي بلدان شمال أفريقيا، ظلت مرتبطة باللغات المحلية، كالمصرية والسورية والعراقية واللبنانية والخليجية والتونسية والسودانية والمغربية والجزائرية وغيرها، تُكتب الأغنية في معظم الأحيان في بلداننا المختلفة باللغات المحلية، وتغنى ولا أحد يحتج، بل الجميع يطرب ولو كان لسانه بلغة بلد عربي أو مغاربي آخر.
ترفع الستارة عن مسرحية باللغة المحلية لهذا البلد أو ذاك، يستمتع بها العامة من المحيط إلى الخليج، من دون حرج أو تأفف. حتى حين تغيب بعض التفاصيل عن الفهم، تستكمل الصورة بجو المسرحية، فيأتي المعنى من المحيط والهوامش.
نشاهد فيلماً سينمائياً بالمصرية أو السورية أو الجزائرية أو التونسية أو العراقية أو السودانية أو السعودية أو المغربية، فنستمتع، بل تثيرنا تلك اللغة بموسيقاها وبإحالاتها وظلالها الشعبية العميقة.
اليوم، مع ظهور الدبلجة، من اللغات الأجنبية كالتركية والمكسيكية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها، تأخذ اللغات المحلية يوماً بعد يوم، مسلسلاً بعد آخر، مكانها ومكانتها في العادات اللغوية اليومية، نتصالح معها أكثر فأكثر، شيئاً فشيئاً، حتى أصبح المواطن في بلاد المشرق العربي أو في شمال أفريقيا يفهم تفاصيل اللغات المحلية ويستمتع بها ولا يرى فيها أي نشاز أو رفض أو ثقل. وهذا الأمر لا يتناقض مع اللغة العربية الفصحى، ولا يقوم بديلاً منها، بل هما يعيشان ويتعايشان معاً وجنباً إلى جنب.
حتى خطب الجمعة وأحاديث الدعاة الذين لطالما شكلوا آخر الطابور المتحصن باللغة العربية الفصحى، قد استجابوا لإيقاع العصر، ودخلوا في لغة العامة، وتنازلوا عن ابن فارس وسيبويه وابن جني وأبي علي الفارسي والزمخشري وابن مالك وغيرهم. لقد أدركوا أن خطاباتهم بلغة المدرسة وبلغة القرن السابع الميلادي لم تعد تؤتي ثمارها الأيديولوجية. بل في كثير من الأحيان، تحولت إلى حالة من السخرية لدى المشاهدين أو المستمعين لغرابة بعض المفردات التي كثيراً ما يتم استخراجها من مقابر المعاجم.
لقد وصل الأمر ببعض المحاولات إلى ترجمة معاني القرآن الكريم إلى بعض اللغات المحلية، كما هي الحال في اللغة المغربية، إذ تُرجم بعض السور إلى هذه اللغة. والذهاب في هذه التجربة ليس مسّاً بالكتاب المقدس، بل هو تأكيد آخر على أن اللغات المحلية التي يعيش بها الناس ويأكلون ويفرحون ويحزنون قادرة على ترجمة معاني كتاب الله من دون تقصير.
إن الكتابة باللغة المحلية الدارجة لا تعني اتخاذ موقف معاد من العربية الفصحى، بل هو اختيار جمالي للدفاع عن جزء من الهوية المحلية، وهو متجاوب ومتناسق مع منطق التاريخ وتطور ثقافات الشعوب وأذواقها.
دخلت اللغات النحلية تجربة الترجمة مع أكبر النصوص العالمية الأدبية والفلسفية تعقيداً. فقد ترجم المبدع التونسي ضياء بوسالمي رواية "الغريب" لـألبير كامو إلى اللغة المحلية التونسية، وترجمها هكتور فهمي أيضاً إلى اللغة المصرية. وهو ما يؤكد قدرة اللغات المحلية على استيعاب النصوص المعقدة.
كذلك ترجمت رواية "الأمير الصغير" لسانت إكزوبيري باللغات المحلية الجزائرية والتونسية وبالإماراتية أيضاً.
وترجمت محاضرة “Qu’est-ce que l’acte de création?” "ما هو فعل الإبداع" للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز إلى العامية التونسية. وهو تأكيد تطبيقي إجرائي على أن هذه اللغة المحلية أو ما يسمى بالدارجة ليست عاجزة أمام ترجمة النصوص التي تتناول المجرد والمفاهيمي.
أما في باب السرد، فظلت الحكاية عند العرب والمغاربيين تقال في الأسمار وفي حلقات الأسواق الشعبية، وفي جلسات رمضان، باللغات المحلية، حيث بينت هذه اللغات قدراتها الفنية والجمالية على الإدهاش، والذي جلس إلى مثل هذه الحلقات من دمشق إلى وهران وصولاً إلى مراكش، سيدرك قوة هذه اللغات في نقل ووصف الحياة الاجتماعية والنفسية، والفردية والجماعية، من دون تقصير أو خلل. وكثيراً ما انتقلت هذه الحكايات من بلد إلى آخر، وكلما حطت الرحال في منطقة لغوية معينة غيرت لغتها الأولى ولبست لغة محلية جديدة. وأبدع الفنانون من الرواة والحكواتيين والقوالين في تطويع الحكاية بما في اللغة المحلية من عبقرية شعبية. وعلى الفور تأخذ الحكاية موقعها في اللغة المحلية الجديدة. وقد تتحور قليلاً لكي تتناسب مع مخيال الشعب وإبداع اللغة المحلية، ولكنها في ذلك لن تزداد إلا ثراء وإمتاعاً ومقدرة على توسيع جمهورها من دون الإخلال بمضمونها ودهشتها.
أبدع كثير من الشعراء في المشرق والمغرب شعراً عالياً باللغات المحلية. وقد تناولوا أمور الحياة الاجتماعية والعاطفية والسياسية والدينية كلها بكثير من العبقرية. وكان لهؤلاء، عبر العصور، جمهورهم الواسع الذي يتابع نتاجاتهم وسهراتهم وحلقاتهم بالآلاف. ولم تكن يوماً هذه اللغات المحلية عائقاً في وجه جماليات وفلسفات القصيدة. ويجب الإشارة إلى أن كثيراً من هؤلاء الشعراء كانوا مثقفين من الطراز الرفيع، أي إن ذهابهم إلى هذه اللغة المحلية للإبداع لم يكن ناتجاً من ضعف في اللغة الفصحى الكلاسيكية، بل هو في معظم الأحيان اختيار جمالي وفلسفي أيضاً، وقناعة بأن هذه اللغة المحلية قادرة على حمل كل شيء وكل فكر وكل إحساس، وربما للتأثير في أكبر قطاع بشري من المجتمع أيضاً، بما فيه الأمي الذي لم يدخل المدرسة.
يحفل قاموس شعراء اللغات المحلية بأسماء كبيرة تضاهي أسماء الشعراء العالميين، كعبد الرحمن الأبنودي وصلاح جاهين وسيدي لخضر بن خلوف وعبد الرحمن المجذوب وعبدالله بن كريو وسيد حجاب وابن قيطون وسعيد عقل وأحمد فؤاد نجم وغيرهم. هؤلاء الشعراء لا يقلون أهمية عن المتنبي وامرئ القيس وجرير وبودلير ومالارميه ورامبو وغيرهم.
الرواية آخر القلاع التي تتهاوى
في الثقافة الإبداعية العربية والمغاربية، ظلت الرواية آخر قطار يلتحق بتجربة الكتابة باللغات المحلية. لقد لاحظنا، منذ مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، انطلاق تجربة كتابة الرواية باللغات المحلية، والمفاجأة أن كثيراً من الأسماء حققت قراءة بارزة، بل إن بعضهم التحق بصف النجوم الأدبيين من خلال هذه الروايات المكتوبة باللغة المحلية.
بدءاً، علينا أن نبين أن الرواية ليست الحكاية التي لها تاريخ عريق مع اللغات المحلية في الشرق وفي البلدان المغاربية، الرواية ليست الحكاية حتى وإن كانت الحكاية جزءاً من الرواية. فالرواية جنس له خصوصيته الجمالية في البناء والتقنيات وتقديم الشخوص والسرد، هي عالم مركب جمالياً.
خلال العشريتين الماضيتين، اقتحمت اللغة المحلية عالم الرواية حاملة لنا كثيراً من المفاجآت، إذ عرفت التجارب الأولى نجاحاً مثيراً لدى القارئ العربي والمغاربي. في تونس، مثلاً، ومنذ منتصف الخمسينيات، وبالضبط مع رواية "برق الليل" للبشير خريف، بدأت رحلة التجربة مع اللغة التونسية المحلية الروائية. وقد لقي وقتها هذا الروائي هجوماً كبيراً من قبل التيار العروبي اللغوي المحافظ، إلا أنه مع مرور الزمن صنفت هذه الرواية كواحدة من بين أجمل وأهم 100 رواية عربية.
اليوم، بعد سبعة عقود على ظهور رواية "برق الليل" للبشير خريف، تتأكد هذه التجربة مع الروائية فاتن الفزاع بنصوص لافتة تلامس من خلال لغة تونسية محلية قارئاً جديداً وفضاءً ثقافياً وجامعياً منفتحاً، على الرغم من التحفظات والانتقادات التي لا تزال قائمة من بعض الخائفين على مصير اللغة العربية الفصحى. وستكون روايتها الأولى "أسرار عائلية"، المنشورة في 2018، حدثاً أدبياً فارقاً. ففي أقل من سنتين طُبع النص ثلاث عشرة مرة. ثم نشرت "ومن الحب ما فشل" (2019) و"شرع الحب" (2020). وقد حققت الروايتان ضجة كبيرة. وتحولت الروائية إلى ظاهرة أدبية في تونس وفي أوساط الجالية التونسية والمغاربية في الخارج، وهي تحتاج إلى قراءة سوسيو- لغوية جريئة بعيداً من التقييم الأيديولوجي المتعصب. وتجدر الإشارة إلى تجربة الروائي أنيس الزين، مؤلف "الفينقة" و"الخطّيفة" اللتين وسعتا خريطة الحضور والقراءة السردية باللغة التونسية، تطرح سؤال ضرورة تفكيك ظاهرة الكتابة الروائية باللغة المحلية.
أما في المغرب، فمع بداية الألفية الثالثة، ظهرت دار نشر اسمها "خْبَارْ بْلادي" في مدينة طنجة، وهي متخصصة في نشر الكتب باللغة المغربية فحسب. وظهرت أسماء تكتب الرواية بهذه اللغة المغربية وبفنيات عالية. نذكر من بينهم الروائي المتميز إدريس أمغار مسناوي في روايته البديعة "تاعرورت"، ومسناوي كاتب ومترجم باللغة المغربية.
وفي الجزائر، ظهرت الرواية الأولى باللغة المحلية بعنوان "فحلة" للكاتب والجامعي رابح سبع (2022). وقد ظهر النص في طبعتين، واحدة بالحرف العربي والثانية بالحرف اللاتيني. وهي رواية تعود إلى طرح العشرية السوداء الدموية التي عاشتها الجزائر (1990- 2000). وللتذكير، فقد كانت هناك تجربة سابقة قام بها المؤرخ الراحل محمد قنانش، وهي محاولة ترجمة رواية "الدار الكبيرة" لمحمد ديب المكتوبة بالفرنسية إلى اللغة الجزائرية التلمسانية.
وفي مصر، وللمرة الأولى تتجرأ مؤسسات الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والهيئة العامة للكتاب، بنشر رواية باللغة المصرية، وهي رواية "بالختم الكيني" للكاتبة نادية كامل. وهي علامة على انتفاء التحفظ أو المنع. مع الإشارة إلى أن الإبداع بهذه اللغة المصرية غير متعارض مع اللغة الفصحى، وهو ليس حرباً ضدها.
وما يمكن ملاحظته هو أن جل الروايات المكتوبة باللغات المحلية هي نصوص تقوم على جرأة كبيرة في القول الاجتماعي وفي حرية الخيال ومقاربة الطابوهات الجنسية وغيرها. فهل اللغات المحلية طريق آخر لتحرر الكاتب العربي والمغاربي من سلطة الأخلاق وسلسلة الممنوعات؟



* (المقال الأسبوعي المنشور بأندبندت اللندنية بتاريخ 21 مايو 2022/ الرابط: هل بدأت تتهاوى آخر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...