حوار مع الأستاذ سيد الوكيل - المصري الذي حارب من أجل الأرض ومن أجل الإبداع.. أجرى الحوار: سفيان صلاح هلال

سيرة شخصية وأدبية

الأستاذ/ سيد أحمد السيد الوكيل: روائي وناقد أدبي. ولعل هذا الجمع بين وجهي العملة الأدبية (الإبداع والنقد) أكسب إنتاجه قدرا من التنوع، ونزعة إلى التجريب، أفضت إلى تعدد مستويات الخطاب في العمل الواحد. وهو ما تجسده روايتي (فوف الحياة قليلاً، والحالة دايت). وقد أسستا صيغة للبحث عن واقعية جديدة كما أشار إليها الناقد الدكتور مجدي أحمد توفيق في كتابه (تجديد الذاكرة) بوصفه اتجاها مغايرا للواقعية بشقيها النقدي والاشتراكي. إنه تيار راح يبحث عن هويته بين التجارب الشخصية /الحية ولا يستسلم للمقولات الكبرى والمفاهيم سابقة التجهيز.
من مواليد القاهرة 1951م. في بداية السبعينيات أنهى تعليمه الثانوي، ثم تقدم للخدمة العسكرية متطوعا بدافع وطني عام 1971 ثم أنهي خدمته العسكرية عام .1976 بعد أن شارك في تحرير سيناء.
دفعته ميوله الأدبية إلى دارسة الأدب العربى (منتسبا) إلى كلية الآداب بجامعة عين شمس على يد أساتذة أجلاء، ثم استكمل فيها دراساته العليا في مجال النقد المسرحي. ثم تفرغ لكتاباته الإبداعية التي كان ينشرها في دوريات مصرية وعربية منها. في أول التسعينيات أسهم في تأسيس جماعة نصوص90 الأدبية التي نشأت على الجهد الذاتي بين أعضائها. ومن خلالها طبع مجموعته القصصية الأولى (أيام هند-1990) وقد حققت هذه الجماعة نجاحا مؤثرا في التحولات التي رافقت تلك المرحلة وعلى أيدي مجموعة من الأكاديميين.
طوال التسعينيات عكف على دراسة الفلسفة، وعلم الجمال، ونظريات الأدب بالجهد الذاتي، وقد أفضى هذا إلى أن واكب بين الإبداع والنقد في إنتاجه إيمانا بأهمية التكامل المعرفي للمبدع المعاصر. في عصر اتسم بالتعددية المعرفية واحتفى بالفنون البينية.
كتب الرواية والقصة والنقد وساهم في الحياة الثقافية وفاعلياتها المختلفة، مبدعا وناقدا، وناشطا ثقافيا، ورئيسا لتحرير بعض المطبوعات الأدبية. وأخيرا أسس موقعا إلكترونيا للقصة القصيرة هو "صد ى القصة" يساهم في التفاعل الثقافي النظيف على الشبكة العنكبوتية .
قي البداية كنت أخشى الحوار معه فهو مبدع متعدد العطاء، موسوعي ومثقف متنوع المصادر، لكن إيماني بأنه لن يحرم المتلقي من معلومة يتمنى أن يعرفها عنه وعن الابداع شجعني على استئذانه في الحوار وحين أحس صدق توجهي للري من نهره سمح لي وهو من شجعني على أن أسأل بحرية وجاءت إجاباته مدركة تماما ما يسعى إليه طال العطاء.

***

*- في البداية أعرف أن حضرتك أحد من تشرفوا بالجندية في فترة حرجة هل أثرت هذه الفترة على مسيرتك الإبداعية؟ هل يوجد تصور آخر للأستاذ سيد الوكيل لو لم يدخل الجيش؟
- بالتأكيد كان لنكسة 67، أثر فادح في بنية مصر الثقافية والاجتماعية، والاقتصادية. ولعل تبعاتها مازالت ماثلة في كثير من الممارسات المجتمعية. لك أن تتخيل حال دولة ناشئة، تدخل ثلاثة حروب في ثلاثة عقود متتالية ( 56، 67،73 ) وبخصوص تجنيدي فقد كان اختياري الشخصي، ففي المرحلة الثانوية، كنت عضوا في فريق المسرح المدرسي، أؤدى دور (ملحن) في مسرحية (أغنية على الممر) لعلي سالم. وأثناء استشهاد الملحن، أمسك بآلة العود وراح يغني ويردد شعارا كان سائدا وقتها (الكلمة معركة، والغنوة معركة) بعدها رحت أفكر أنه مجرد شعار رومانسي، فالمعركة.. معركة. فلن نحرر أرضا بالغناء. ثم اتخذت قرارا بالتطوع. ربما كنت وقتها أكثر رومانسية من الشعار نفسه، فاستحوذت الشخصية الدرامية على تفكيري. بالطبع كان لهذا القرار أثرا كبيرا، ولكنه ليس سلبيا تماما، إذ اكتسبت قوة على مواجهة الحياة والموت معا، ونمى بداخلي إحساس قوي بمسئولية الفرد عن الجماعة. لكن ست سنوات من الجندية، أجهضت أحلامي الأولى، أن أكون ممثلا أو فنانا تشكيليا، كنت موهوبا بقوة في المجالين، ومازال حلم الرسام يروادني حتى الآن. وبعد انتهاء خدمتي العسكرية، لم تعد الفرصة متاحة لأي منهما، وكان على أولا استكمال تعليمي، ذاكرت الثانوية من جديد لأحصل على مجموع يمكنني من الانتساب إلى كلية الآداب، وفيها وجدت ضالتي في الأدب عوضا عن الرسم والتمثيل. لكن الدراسة والحياة الزوجية عطلت مسيرتي في الكتابة، فعندما أصدرت مجموعتي القصصية الأولى، كنت على مشارف الأربعين، لهذا كانت البداية المتأخرة جدا هي الأثر السلبي لسنوات الجندية، لكن الإيجابي فيها، أن الخبرة القرائية والمعرفية التي حصلتها طوال سنوات الجندية وبعدها التعليم العالي، والدراسات العليا، وضعتني في قلب المشهد الأدبي سريعا وبقوة، حتى أن أحد النقاد كتب عن المجموعة الأولى يقول: سيد الوكيل ولد كبيرا. طبعا يقصد الميلاد الأدبي. لكن الطريف أني حصلت على جائزة عن قصة كتبتها عام 78 عن تجربة الحرب، قبيل انتهاء خدمتي العسكرية ببضعة شهور. ونشرت في مجلة عالم الكتاب، فكانت حافزا لأستمر في الكتابة على استحياء خلال سنوات الدراسة في الثمانينيات، وفي الجامعة التقيت بالدكتور مصطفى الضبع، تعارفنا كأصدقاء ومازلنا. أقنعني بأن ما أكتبه جدير بالنشر، وعرفنا معا الطريق إلى مجلة إبداع التي كان يرأسها الدكتور عبد القادر القط وكان واحدا من أساتذتي في الليسانس. أذكر له واقعة طريفة، كان يقرأ إحدى قصصي في مكتبه بالمجلة، لاحظ خطئا لغويا فسألني عن تعليمي، فقلت أني تخرجت من آداب عين شمس في قسم اللغة العربية، فقال: يا خبر.. أنا آسف يا بني، هذه غلطتي لأني لم أعلمك جيدا.

***

*- أنت تمارس أنواعا كثيرة من الإبداع.. فهل حضرتك من أنصار النص؟
- إذا كنت تقصد بالنص المفهوم الشكلاني فلا، أنا لم أركب موجة الكتابة عابرة النوعية بمفهوم إدوار الخراط، التي كانت شكلانية تماما، فانتهت سريعا. خلقت لنفسي مفهوما خاصا لعبور النوع، فالقصة والرواية والشعر بل والنقد بوصفه نوعا من التحليل والتأمل الجمالي، كل هذا كان حاضرا في رواياتي بقوة. أما الشكل فيتخلق وفق آلية تفاعلية بين كل هذه الأنواع. فمثلا، ستجد أن بناء رواية شارع بسادة بناء قصصي بالأساس، ولهذا أطلقت عليها نوفيلا، كما أن صوت المؤلف في روايتي ( فوق الحياة قليلا، والحالة دايت ) كان ضرورة فرضها وعييّ النقدي. كنت أول من فعل هذا وقوبل وقتها باستهجان، ثم أصبح ظاهرة عند آخرين اشتهروا بها، حتى أن ناقدا أكاديميا اعتبرني مستعيرا منهم عندما قرأ روايتي ولم ينتبه إلى أن النسخة التي بين يديه، هي الطبعة الثالثة للرواية. للنقد خطايا وضحايا. وخبرتي النقدية جعلتني قادرا على مناورة النقاد، فكتباتي مهما بدت بسيطة وسهلة، فهي مكتنزة بدلالات قد لا ينتبه لبعضها النقاد. ربما لأن الدلالة عندي وظيفة متماهية في البناء الكلي للنص، وليست مجرد فكرة أو موقف أيديولوجي أرغب في توصيله للقارئ. النقاد يلتفتون إلى العلامات الواضحة، ويغفلون عن العلامات المتماهية. في اعتقادي أن العلامات الواضحة، صيغة منفرة لي عندما يضعني الكاتب في موقف المتلقي السلبي. أما الدلالة المتماهية فتمنح القارئ حق اكتشافها بنفسه، ومن ثم يعيد إنتاج النص وفق خبراته وثقافته الخاصة، عندئذ سيشعر بالامتنان والزهو.

***

*- هل يمكن أن تكون الخاطرة معبرة وذات قيمة أدبية تضاهي الأنواع الأخرى؟ أم تراك ترى أنه يجب أن تتبلور؟
الخواطر ذات أثر عابر، بصراحة، أنا لم اقتنع بما يعرف بالقصة الومضة، والكثير منها يقوم على مفارقات مضحكة وساذجة. المشكلة أن الخاطرة تخص كاتبها فقط، تومض في رأسه هو، فتبهره، وهذا لا يعني أن وميضها يصل للقارئ. هذه الخدعة تعكس خطئا في فهمنا للفرق بين الكثافة والاختزال. فالاختزال يساوي الاسترسال والترهل، كلاهما إفقار للنص. أما الكثافة، فأشبه بعلبة صغيرة تحتوى ماسة نادرة، عليك أن تتخيل مئات التحولات التي تمر بها قطعة كربون لتصبح ماسة. إنها علامات وأزمنة تظل كامنة في الماسة، تمنحها الوميض، والصلابة معا. هذه القيمة لا يقدرها إلا الخبراء، أمثال نجيب محفوظ، لهذا فإذا كان ثمة نموذج للأدب العربي فهو نجيب محفوظ ومن بعده أمين معلوف فحسب.

***

*- في سردياتك كنت تخلط بين العمل الروائي والسيرة الذاتية؟ أنا لم أفهم بالضبط ماذا تريد؟ فهل تتفضل بالشرح لي؟
ربما المشكلة في اعتقادك أنها سيرة ذاتية.. أو أنها مجرد خلطة. أو أنك تنتظر مني معنى محددا. لا أريد أن أقول شيئا، فوظيفة النص جمالية بالأساس. عندما تستمع إلى مقطوعة موسيقية فهي لا تقدم لك معنى أو رسالة، ولكنك تكتفي بالأثر الجمالي الذي تتركه فيك، أما الرسالة التي تصل القارئ فهي من صنعه هو، سواء وجدها أو لم يجدها فتلك مهمته. وهذا هو الفرق بين القارئ والمتلقي، المتلقي ينتظر أن تقدم له معنى أو حكمة أو رسالة، أما فعل القراءة فهو مساو لفعل الكتابة، خلق وإبداع أيضا، وعلى الكاتب أن يحسن الظن بالقارئ، ويتيح له فرصة أن يعيد إنتاج النص بأن يملأ الفراغات التي بين السطور والمقاطع. أما النصوص المكتملة المحكمة فهي من صنع الأنبياء فقط، لديهم رسالات وحكم يرغبون في أن نتبعها.
ثم.. تأمل قولك ( لم أفهم بالضبط ) يعكس دعوة من داخلك لأن تبحث بنفسك لتجد ما تريده أنت، وليس ما أريده أنا. فإن لم تجده فمن حقك أن ترمي بالعمل على طول ذراعك. والعكس صحيح أيضا، لو فهمت بالضبط فحوى رسالة النص الأدبي، فستلقي به أيضا، لأنه أصبح بلا فائدة.
وفي النهاية دعني أؤكد كما أكدت سابقا في عشرات المناسبات، هذه ليست سيرتي الذاتية، ولا ما كتبته عن شخصيات حقيقية قد حدث بالفعل. كل هذا من صنع الخيال. فموت أبي أو نعمات البحيري في رواية الحالة دايت، هو مجرد حدث ملهم للكتابة، وتأمل لسلطة الموت الذي يرافقنا في حياتنا، فالسلطة ليست سياسية فحسب كما اعتاد كتّاب الواقعية الاشتراكية والنقدية في الخمسينيات والستينيات. وشخصية مستجاب في روايتي ( الحالة دايت ) كانت ملهمة بحضورها الفذ، المثير لكثير من الأراء المتضاربة حوله كاتبا وإنسانا. الخلاصة، عليك أن تقرأ الشخصية بوصفها نصا لا بوصفها وجودا حقيقيا، أنت فعلت هذا في روايتك (الأيبس ) ألهمك التاريخ الفرعوني، فهل ما كتبته أنت تأريخ أم إبداع ؟ أنا لم أكتب سيرة ذاتية، وأنت لم تكتب تاريخا، ولو كنت كتبت التاريخ لاكتفيت أنا بسليم حسن، والقيت بروايتك على طول ذراعي.

***

* حضرتك من محبي التفكير بالسرد؟ مع أن السرد يمكن أن يؤدي أغراضا كثيرة.. هل أنت ضد من يكتبون لأغراض أخرى أم هو اختيار ما يناسب المرحلة؟
كانت الأسطورة طريقة الإنسان البدائي في معرفة الوجود من حوله، الطبيعة، الآلهة، الميلاد والموت.. إلخ. لكنها كانت مغرقة في التخييل، وبمجيء الفلسفة، أصبح للحكاية عمق أكبر من مجرد التخييل، على نحو ما نرى في المسرح الإغريقي بشهادة أرسطو. وبعد موت الفلسفة، أصبح الأدب وريثا شرعيا لها. الرواية الحديثة تعرف هذا وتمارسه. حتى أصبح لدينا ما يعرف برواية المعرفة، وهي لا تقدم لك معلومات، بقدر ما تدعوك لتأمل ومراجعة الكثير من الثوابت المستقرة في عقولنا بوصفها حقائق. إنه التفكيك بتعبير دريدا، الذي يستهدف خلخلة الثوابت وتحطيم الأصنام التي صنعناها عبر التاريخ. وهذه الطريقة في الكتابة تحتشد بخطابات عديدة، وربما تكون متضاربة ومتعارضة، لكنها تحقق قدرا من التفاعل المنتج لمعرفة جديدة، هكذا يصبح السرد طريقة للتفكير. بهذه الطريقة كتبت ( فوق الحياة قليلا ) ربما لم تقدر في حينها، ومنذ شهور قليلة اكتشف باحث أكاديمي طبيعتها الحجاجية، واشتغل عليها في بحث ترقية، واعتبرها نموذجا تطبيقا لأحدث نظريات النقد المعروفة بنظرية الحجاج. بالطبع عندما كتبتها، لم أكن أفكر في نظرية الحجاج، فلم تكن موجودة أصلا.
في روايتي ( الحالة دايت ) ستجد خطابا سرديا، وذاتيا، وتحليلا ثقافيا لموضوعة الموت تستند إلى الثقافة المصرية القديمة، والثقافة الدينية، والشعبية، وستجد وتحليلا نقديا لمن كتبوا عن الموت مثل سيد البحراوي أو سعيد نوح. فضلا عن تعدد الشخصيات، فكل شخصية هى وجود مستقل، لكن وضعها في موضوع واحد/ الموت، يكشف عن مستويات متعددة للموضوع بحسب كل شخصية. الكتابة هكذا تجعل النص فضاء واسعا، يضرب بالحكبة عرض الحائط.
وأخيرا ، أنا لست ضد من يكتبون لأغراض أخرى، طالما تمنحني شيئا جديدا وجميلا. ولكني أحذر من الالتفاف حول أنماط موضوعية بعينها، مثل الرواية التاريخية، ورواية الخيال العلمي السائدتين الآن.. الخطورة ليست في موضوع الرواية، ولكن في تثبيته كنمط، فالنمط مع الوقت يصيب القارئ بالسأم، وهذا حدث مع أنماط شاعت في فترات سابقة، مثلا: رواية الواقعية الاجتماعية، والرواية النسوية، والواقعية السحرية، وكذلك موجة الكتابة عن البيئات الاجتماعية المهمشة ولا سيما عند أدباء الصعيد. وفي القصة القصيرة، عندما تحولت الكتابة عبر النوعية إلى نمط، ونموذج يضمن الأيزو والجوائز، ماتت السكتة القلبية.

***

* لك تجربة رائدة وتتطور وهي موقع صدى القصة لماذا ليست صدى الشعر أو صدى الرواية؟ رغم أن الشعر يعاني كثيرا حتى من اضطهاد دور النشر؟ لماذا ليست صدى الرواية؟ هل الرواية وصلت لدرجة لا تحتاج فيها الدعم وأنت راض عنها هكذا؟
ما افترضته أنت منطقى ومقبول، إذا كانت الرواية تعيش زمنها على الأرض، فعلى القصة أن تجد لها مساحة على الفضاء الإليكتروني. وهو فضاء مناسب لقراء القصص. جرت العادة أن ننشر قصصنا في الجرائد والمجلات، لكن النشر الإليكتروني يتيح فرصة أكبر للقراء والانتشار السريع، البعض مازال متمسكا بنشر قصصه في جريدة، لكن الجرائد لا توزع ، وتفرش على ترابيزة السفرة في اليوم التالي. لهذا ففرصة النشر على موقع متخصص في القصة وقضاياها أفضل من النشر في جريدة ورقية أو إليكترونية. لكن الأهم أن موقع صدى لم يكتف بنشر القصص، بل يعد ملفات أرشيفية لقدامي الكتاب ولا سيما الراحلين، فضلا عن برنامج فريد من نوع ( قصة أونلاين ) عبر البث المباشر كل يوم خميس في الثامنة مساء نناقش فيه قصة لكاتب ما، مناقشة جادة وحرة يشارك فيها كبار الأدباء والنقاد والأكاديميين من دول مختلفة عربية وأوربية، وليس عليهم تكبد مشقة الانتقال من بيوتهم. فهل هناك أفضل من ذلك؟؟
أما سؤالك عن الشعر فربما عليك أن توجهه للشعراء. أنا سارد وناقد ولا أتدخل في ما لا اعرفه.

***

* حضرتك مبدع متفاعل مع الساحة هل أنت راض عن الإنتاج الأدبي بوجه عام في هذه الفترة وهل تراه تراجع أم تطور؟
المشهد الأدبي الآني متسع ومتنوع بشكل لا يمكن أحدا من إطلاق حكم عام عليه، ولا تنس أننا في مرحلة تحول خطيرة، مع دخول التكنولوجيا كفاعل رئيس في إنتاج الثقافة بأنواعها كافة، لهذا أفضل ألا اتسرع في الحكم، أنا اقرأ للشباب وأرى بينهم مواهب حقيقية بغض النظر عن طرائق الكتابة، والموضوعات التي يتطرقون لها. من قبل كان الأدب نخبوي، محصور على فئة خاصة، فيمكن رصده، وفهم اتجاهاته، الآن المشهد متسع للجميع، كل شخص يستطيع أن يكتب ما يشاء، وينشر حتى لو على صفحته الخاصة، وسيجد له قراء ومعجبين، فمن الطبيعي أن تجد بينهم الجيد والرديء، لهذا فالرهان على المستقبل أصبح ضرورة، تدعونا للمراقبة بصمت بدون انحيازات أو أحكام مسبقة.

***

* عملت في الصحافة الأدبية وعملت في سلاسل للنشر بوزارة الثقافة تقييمك للصحافة الأدبية والسلاسل من ثلاثة عقود والآن؟
هل ترى هذا له دور في مستوى النصوص؟
ليس كل مبدع كبير جدير بإدارة عمل ثقافي، إنها خبرة وموهبة خاصة، لقد تدربت على العمل الثقافي حد الاحتراف، شاركت وأشرفت على إدارة عشرات المؤتمرات، ولك أن تسأل عن النجاح المبهر لمؤتمر أدباء مصر 2008 بمرسى مطروح. وهناك عشرات من الأدباء الموهوبين قدمت أعمالهم الأولى للحياة الأدبية منهم: طارق إمام ومحمد عبد النبي وأحمد أبو خنيجر ووائل سعيد.. إلخ. باختصار، لدى مهارة في اكتشاف المواهب الأدبية في بدايتها، وأحرص على تشجيعها بكل الطرق. وهذا أفعله الآن على موقع ( صدى )
من قبل لم تكن هناك دور نشر خاصة، كل ما ينشر تحت وصاية الدولة، وكان علينا انتظار دورنا في النشر لسنوات طويلة ، وفي التسعينيات، اكتسبنا مساحة من الحرية، فشاعت ظاهرة الجماعات الأدبية. وأنا نشرت مجموعتي الأولى من خلال جماعة نصوص 90 بتمويل وجهد ذاتي. كان هذا وقتها تحولا كبيرا. ومع الوقت بدأت دور النشر الخاصة في الانتشار. فأقبل الشباب بلهفة طمعا في الدعاية وحفلات التوقيع، حتى أصبح النشر الحكومي عارا. (كثر الصيد فأشرعت الفخاخ ) وظهرت عيوب النشر الخاص، ورهانها على البيست سيللر والجوائز، ولعبت دورا خطيرا في استبعاد الشعر والقصة بدعوى زمن الرواية، وبعضها توحش في تكلفة الكتاب. لهذا فثمة عودة جارفة للنشر المؤسسي، وعودة لقوائم انتظار أكبر من طاقة أي مؤسسة. لهذا أدعو القادرين من كبار الكتاب وحاصدي الجوائز الثمينة، أن يتركوا الفرصة لغير القادرين والشباب.. على أي حال نحن في نهاية عصر الورق، لهذا اقترح على كبار المسئولين في وزارة الثقافة أن يفتحوا مسارا للنشر الإليكتروني مع ضوابط تضمن حقوق الملكية والنشر على مستوى المواقع العالمية الكبرى بأسعار مناسبة للقراء. أظن أن المستقبل سيكون هكذا شئنا أم أبينا.

***

* من معلوماتي أنك رغم تاريخك العملي والإبداعي فلم تتلق ما تستحق من تكريم؟ هل يؤثر ذلك عليك كمبدع؟ وهل ترى أنك كنت أولي من بعض الذين كرموا بجوائز الدولة.
ربما في البداية تمنيت جائزة، ولكني الآن زاهد في الأمر تماما بعد تجربتين. أحدهما غير مفهومة حتى الآن إذ حجبت فيها جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة، على الرغم من كثرة عدد المتقدمين لها وحسن مستوى الكثير منهم. الطريف أن اللجنة كانت تتكون من عنصرين (أكاديميين، وصحافيين) ولا واحد منهما كتب قصة واحدة في حياته ولا يعرف عن أسرار الكتابة أي شيء!! هكذا فتحكيم الجوائز مجرد عمل وظيفي أو تقدر تقول هدايا، أنا لا أشكك في قيمة أي كاتب حصل على جائزة أبدا، لكن أشكك في معايير المنح، فليس لها علاقة بالقيمة، ربما تعتمد على العلاقات، التي تبرر نفسها بنوع من التراحم الإنساني، فهذا الكاتب غلبان أو مريض ويستحق قرشين.. الجوائز هكذا تصبح إعانة، وبما أني بصحة جيدة، فلا أضع صوري على الفيس وأنا طريح الفراش، ولدى معاش يكفيني لآكل وأشرب واشترى الدواء ولا أطالب بالعلاج على نفقة الدولة، فأنا لا استحق جائزة. الآن.. صرفت النظر عن هذا الأمر تماما.. وحاولت إقناع نفسي بأني أكبر من الجائزة.

***

* لو أنك تضع خطة الآن مع وزير الثقافة لإصلاح حال الأدب والثقافة في مصر، فماهي أولوياتك؟
هذا سؤال صعب، فأمر كهذا لا يناسبه مبادرة فردية، لا أنا ولا حتى وزير الثقافة، هذا يحتاج لفريق عمل بحثي، ميداني يرصد اتجاهات الأدب الحديثة، والمؤثرات التي إضافتها التحولات من الواقع المعاش إلى الواقع الافتراضي ، ومنافسة الصورة للأدب (السينما ـ الدراما) بإمكاناتهما المتفوقة على الكتابة، وإلى أي مدى يمكن أن تحتفظ الرواية الرقمية بمعنى الأدبية الذي عاشت عليه الكتابة. إن كل شيء يتغير وبسرعة، بحيث لا يمكننا اعتماد استراتيجية واحدة وحاسمة في غمار الانتشار السريع وآليات التسويق المدعومة بدور نشر وجوائز عابرة للقارات تتنافس فيما بينها لتحويل الثقافة إلى سلعة، أفضت إلى تغيرات فادحة في معايير القيمة للمنتج الأدبي، إنها معايير تلتزم بشروط للمقروئية، تناسب نمطا من المستهلكين لا علاقة لهم بمفهوم القارئ ولا الكاتب الذي عرفناه. معايير جديدة تناسب البيست سيللر والترندات والجوائز التي أصبحت مجرد ورقة سياسية في يد الأنظمة لاحتواء المثقف المزعج لها. فكيف نفهم تنافس الدول على منح الجوائز بسخاء، إنها بورصة الجوائز.. وأخيرا نحتاج إلى إعادة نظر في الخطاب النقدي المدرسي العاجز عن التطور لارتباطه بشروط مناهجية ونظرية. إنها عملية تغيير كبرى، ويبقى السؤال هل نحن المثقفين مستعدين للتغيير فعلا، أم أنه مجرد شعار نردده؟



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...