لحسن أوزين - بيتنا الكبير: أنثروبولوجيا القهر الأبوي

مدخل:
وأنت تقرأ رواية بيتنا الكبير لربيعة ريحان، فإن عشرات النصوص تجعلك ترفع رأسك وتتذكر ما اختزنته الذاكرة من ذخيرة ثقافية.فتفرض أسئلة محددة نفسها، وهي تتدخل بشكل أو بآخر خلال سيرورة القراءة. وتحضر بقوة بعض هذه النصوص التي تناولت المجتمع الأبوي بنزعته الذكورية المتسلطة والاستبدادية. هكذا يعتلي من حين لآخر مثلا كتاب فاطمة المرنيسي صدارة الانطباع " نساء على أجنحة الحلم". وتستغرب أن تغيب النساء مرتين، مرة في الحياة، ومرة ثانية في هذا البناء لسردية التحكم القهري الذكوري للنظام البطريركي. لكنك وأنت تحاول بناء المعنى وإنتاج الدلالة لا تتورط في هذا الفهم الأحادي، رغم معقوليته الظاهرية. لأن تعرية عالم الحريم والاستبداد السياسي، يمكن أن يكون أشمل من خلال بيوغرافية نشأة النظام الأبوي، ممثلا بمستواه البنيوي السياسي، والاجتماعي التاريخي: المخزن.
هذا ما تورطت فيه حفيدة حاصرتها صور الذاكرة، الممسوسة بشغف جنون عشق السرد والحكي. والحلم ببساط السناريو السحري، الذي يمكن أن يعيد انتاج الوقائع والاحداث والمواقف واللحظات الهاربة من قبضة التاريخ المنسي، في دهاليز الذاكرة. والسفر في مراكب الكتابة الروائية برغبة جامحة في التوثيق الدقيق والتفصيلي لمرحلة من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، لا يقوى فيها السيناريو على حمل الواقع الذي فاض وغطى على الخيال .
1- انثروبولوجيا القهر
صار من الواضح بالنسبةللمشتغلين في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، مدى قوة الادب وقدرته على سبر أغوار التاريخ المنسي. وتأسيس معطيات وضعية أقرب الى الملفات الميدانية، التي يمكن أن تقدم خدمة جليلة في مجال البحث العلمي السوسيولوجي والانثربولوجي. لذلك يكتشف قارئ رواية بيتنا الكبير"، عبر التوسط الجمالي الادبي عمق كفاية الادب، وقدرته الساحرة فنيا على تسليط الأضواء على السيرورات التاريخية المغيبة والمهمشة، في تاريخ البلاطات والعائلات والحروب. تاريخ القهر المنتصر الذي اعتلى منصة الوعي التاريخي، مخلفا وراءه حقائق مذهلة، ووقائع وأحداث، وسيرورات طمست وأقبرت. وصارت جزءا من التاريخ المجهول، المسكوت عنه، في تاريخية التناقض المجتمعي، وما يفرزه من توترات ومنعطفات وصراعات وتغيرات سوسيولوجية. وما ينتج عنها من تحولات اجتماعية.
هكذا يتبين للقارئ وهو يتصفح الرواية بهدوء وتفكير عميق في القراءة والبلورة لفرضيات التأويل، مدى الإمكانات الفنية والمعنوية، الأدبيةوالفكرية التي تمتلكهاالرواية، وهي تقوم ببناء سردية الانسان المقهور، في علاقتها بالتشكل التاريخي الاجتماعي لما يسميه ابن خلدون التغلب والاستبداد القهري.
بلغة أدبية جميلة في الاشتغال السردي للحكايات عبر الذاكرة، تؤسس الرواية أدواتها الفنية والجمالية للحفر عميقا في تاريخية القهر. ومحاولة بناء رؤية أكثر موضوعية في التفكيك والتناول الدقيق، المهتم بكل التفاصيل. قصد تكوين صورة واضحة بوجوهها المختلفة، والحاملة لكل التناقضات التي تجمع بين الخير والشر، الترغيب والترهيب، الولاء والحماية، التمرد والتصفية، التسلط والحرية، القهر والاعتباط والعنف المادي والرمزي...
وذلك قصد التعرف على أرضية القهر ودينامياته المادية، الاجتماعية والرمزية، ومنطق وآليات اشتغاله، كبنى اجتماعية سياسية تاريخية، وعلاقات اجتماعية عمودية تكرس السيطرة والتغلب والعنف والظلم والفساد، من خلال التماهي بقيم وأحكام ونمط حياة المستبد في تحكمه القهري بالناس.
ولذلكتتبعت الرواية الوجوه المختلفة للقهر، الذي يؤسس وجوده كنظام على مثلث: القوة، والمال، والسلطة. ومن يفتقر الى أحد هذه الأسس، فهو بالضرورة من فئة المغبونين، والمقهورين، والمنبوذين، والمتروكين على حافة الهامش والنسيان. وللقهر امتدادات متشعبة ومعقدة من المعيش اليومي، في التحكم في لقمة العيش، الى انتشاره في العلاقات الاجتماعية، بشكل عمودي تسلطي بين الحاكم والمحكوم، بين الرجل والمرأة، بين الكبير والصغير، بين المسؤول و الفئات الاجتماعية المقهورة. وهذا ما يتضح في العنف الشرس الذي يمارسه الجابي في حق البسطاء والفقراء. الشيء الذي يدل على ما يتمتع به رجال السلطة كالجابي من صلاحيات قهرية وتسلطية واسعة، وغير مقيدة بأية قوانين مدنية تحمي الناس من الظلم، والتعسف، والفساد والقهر. " زمن كان فيه الجباة والشيوخ والمقدمية والسعاة والمخازنية، يضعون أنفسهم سواسية مع السلطة الأعلى منهم."23
تضعنا الرواية أمام طبيعة المجتمع الأبوي في انتصاره لتسلط سطوة وعنف الذكورة، في التحكم القهري بحياة ومصير النساء الى حد الامتلاك، بدعم اجتماعي ثقافي ديني، يجعل العلاقة العمودية بين السماء والأرض نموذجا لمختلف أنواع التحكم والقهر في العلاقات الاجتماعية، خاصة مع النساء، كأمر طبيعي يباركه تأويل رجال الدينلقداسة السماء. مما يستلزم خضوعا وخنوعا وسمعا وطاعة، من طرف النساء، في الزواج والطلاق والاسترقاق...
الرواية تقتحم بذلك باب الحكاية المحظور" الحريم". فنرى كيف تتم عملية الزواج القسري دون أدنى اختيار( حالة نساء كبور نموذجا)، وكيف يحدث الهجر النفسي والعاطفي الجنسي، والانساني( أحمد مع زوجته الثانية) والطلاق المغبون، والعزل والاقصاء، وفرض الحدود والمجال الخاص(الحرملك) باسم الشرف الرجولي الرفيع ، المشبع زورا بثقافة مكارم الاخلاق.
2- صراع المقهور مع المخزن
تحيل الرواية على مرحلة من تاريخ المغرب الحديث، حيث فرضت السلطة احترامها وهيبتها بالقوة والعنف السياسي الاجتماعي والاقتصادي. وكانت جميع أدواتها السلطوية شرسة وعنيفة في حق الناس، خاصة الفقراء والبسطاء منهم. فيد السلطةعمياء وعشوائية، تطال الأبرياء. تنهب وتستغل وتضرب بقوة، لتنشر الرعب والخوف، منعا لأي اعتراض أو تمرد. استنادها الى العنف السياسي في وجودها، هو ما يجعل زبانيتها متحررين من أي التزامات إنسانية. والغريب في الأمر أن هذا التعسف يجد دعما من البسطاء الذين استبطنوا رعب السلطة." أولئك الذين سيتركون دعم القروي الفقير، وينضمون الى الجابي، حدث ذلك كثيرا، وحدث ما هو أكثر، أن من يرفع يده في اتجاه السلطة تقطع رقبته وتعلق على حربة، ذلك شيء مفروغ منه، وكان كبور قد شاهد بنفسه حالات من التأديب، أو سمع عنها، وكانت من القسوة والعنف، كمؤشر على أن السلطة لا ترحم، وأن الناس في تلك القفار وفي البوادي، مجال معرض لذلك". 19
لا يملك المقهور في هذا الصراع غير بؤسه ومرضه وخوفه المزمن. فوجود السلطة قائم على التلازم البنيوي بين العنف القاتل والبؤس والخنوع والخضوع. لهذا يستحيل أن يفكر هؤلاء البؤساء، المهددون في حياتهم اليومية، في الدفاع عن كرامتهم المهدورة. " بدا لكبور أنه من العار السماح بشيء كهذا، كيف يقبل رجل سوي بأن يفعل به آخر مثل ما فعل ذلك الوغد، وأن تهان كرامته، دون أن تمتد يده ليقتله أمام الملأ، ويخسف بمثل أقرانه الأرض؟
ربما كان الرجل من النوع الذي يخاف من خياله، هكذا فكر جدي، الخوف الذي هو توغل كريه في مفازة الصمت والخنوع، عقدة السلطة التي تعطى من الاهتمام فوق ما تستحق، حينما يهيمن الفقر والجهل والمرض."22
تضيء الرواية جدل هذا الصراع غير المتكافئ، والبعيد عن توفير شروط وظروف خلق المجتمع المنتج، القادر على الحسم مع مشكلات الفقر والجهل والمرض. فالخوف المزمن يولد عدم الاستقرار والأمن والأمان. ويتخلى الناس عن طبيعتهم البشرية الإنسانية في التراحم والتآزر والتعاطف، وفي التعبير عن كرامتهم. لقد مسخهم القهر والبؤس، ولم يبق فيهم القدرة على الاحتجاج والوقوف في وجه الظلم. أقصى ما يمكن أن يفعله المقهور، " أن يظل هناك مثل الآخرين يتفرج، منتهزا الفرصة كي يصرخ ببضع الشتائم أو تعليقات، أو يعوي كذئب، عوووو، مثلما كان يفعل البعض، بروح مفعمة بالكره والشماتة، والخوف المزمن."21
هذه هي الديناميات النفسية والوجودية التي يخلقها القهر. ويجعل من الصعب بروز العلاقات الاجتماعية الصحية والايجابية التي يمكن أن تحقق ثراء الانسان، نفسيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا. كما يمكن أن تحقق التحول النوعي للمجتمع. وفي هذه التعرية للبنى النفسية والاجتماعية للقهر، التي تقوم بها الرواية، تحاول أن تؤسسفهما لسيكولوجية الانسان المقهور في علاقته بالسلطة. وهذا ما يذكرنا بالكتاب القيم لمصطفى حجازي، وهو يحفر عميقا في البنى النفسية الاجتماعية للقهر والهدر التي تقف في وجه الاعتراف بالإنسان في مجتمعاتنا. وتعرقل مشاريع ومخططات التنمية الاجتماعية الإنسانية الشاملة.
تذهب استراتيجية الكتابة في الرواية في هذا الاتجاه الجنيالوجي لكشف الجذور العميقة لتشكلالتسلط والقهر والعنف السياسي الاجتماعي والجندري،لإضاءة الكثير من الظواهر المرضية النفسية والاجتماعية المنتشرة اليوم. والتي تأخذ مظهرا طبيعيا واعتباطيا، وبل وتعتبر جزءا من الهوية والخصوصية. وهنا تكمن خطورتها حين تتلبس قناع التطبيع والطبيعة، متحايلة عن وصمتها التاريخية، متسترة عن جذورها العفنة التي تطاولت مع الزمن بفعل التحكم القهري الاستبدادي.
3- بيوغرافية المخزن الصغير
كل ماضينا، أنا ووالدي وأعمامي وإخوتي، مختزل في الجد، تاريخ متداخل محوره الحاج كبور، لم يسلك أحد أبداسبيلا في الحياة خارج إرادته، ولا قرر شيئا ضد رغبته، ولم يكن أحد في منأى عن أوامره ونواهيه، حتى ولو لم يكن هنالك في الهضبة."14
وللإمساك بجذور تشكل القهر عملت الساردة على بناء سردية الجد المؤسس. إنه الرمز الأسطوري، الخارق والشجاع الى حد التهور والمغامرة. وصاحب البطولات التي كانت وراءها الصنعةالفنية للمتخيل السردي، لذاكرة حفيدة/فريدة ( اسم على مسمى) طفلة الضرة عقيدة التي تعرضت للتزويج القسري، والهجر النفسي والعاطفي والجنسي. وعاشت تجربة سيكولوجية الانفصال والقهر، بجانب مجموعة من النساء تفاوتت عذاباتهن في صمت القهر المدقع إنسانيا.تحت وطأة عنف سلطة ذكورية لا تعترف بإنسانية المرأة. بل ينبغي في نظر الجد كسر أنفها بالزواج بامرأة ثانية وثالثة ورابعة.
هذا التسلط والغطرسة الفحولية المخزنية، هي ما جعلنا نعتقد أن ما يبدو إعجابا من طرف فريدة بسيرة الجد المؤسس، هو في حقيقته الفنية والجمالية فضح وتعرية ونشر للغسيل القذرللمخزن الصغير. هذا يعني الحفر السوسيولوجي والانثربولوجي في الطبقات المطموسة والمكبوتة، للتشكل التاريخي الاجتماعي للإقطاع، ذلك المعادل الموضوعي لبروز ووجود المخزن.يحدث هذا ليس من خلال آليات التوسط الأيديولوجي المباشر الفج، بل انطلاقا من توسط فني جمالي للشكل الروائي، بكل خصائصه الفنية والمعنوية والفكرية والدلالية. إننا أمام السرد الجميل الساحر الأخاذ بعمقه الأدبي القادر على شد القارئ، بشكل إيجابي. سحر السرد هذا يتمثل في القدرة على التشخيص و التعبير عن الأسئلة الجارفة لمتاريس الصمت الذي سيج تاريخية القهر، و هي تنزل على الناس كقوانين طبيعية يستحيل نقدها ونقضها، وبالتالي بناء السرديات الممكنة، الأكثر انفتاحا وإنسانية وتقبلا لحق التحكم في زمام المصير، وصناعة المستقبل المتحرر من جائحة القهر والهدر الإنساني التي عمرت طويلا، حتى أخذت أبعادا ميتافيزيقية مفارقة للتاريخ.
مع الحفيدة فريدة نتعرف على سيرورات القهر بكل تناقضاتها. وما يؤسسها من تلازم بنيوي بين القهر والبؤس، أي بين العنف الأعمى والتجويع والتخلف والجهل، قصد توليد الخوف المزمن الضامن لتأبيد وديمومة واقع القهر والتسلط. ففي ظل هذا الواقعبشروطه المجحفة وسياقاته الاجتماعية والسياسية المحكومة بالعنف، لا يمكن أن ينتج عنها إلا العنف المتماهي بقيم وأحكام وممارسات المخزن. فالقوة/ العنف الأعمى، والمال و جنون التملك، هي الأرضية الموضوعية التي أنتجت المخزن الصغير، وساعدت المخزن الكبير على تكونه وتطوره وترسيخ جذوره، كنظام اجتماعي سياسي تاريخي.
قدمت لنا فريدة بيوغرافية الجد كبور، بما في هذا الاسم من ايحاءات ودلالات القوة الوحشية، و الجاه والهمة والرفعة والسمو، والفحولة الذكورية، الجامحة عنفا وسطوة. فقد نشأ وتكون وتطور الجد، وهو يعيد إنتاج الشرط الذاتي والموضوعي لولادة المخزن. كإقطاعي مسكون بعدوى حمى القهر المخزني، كما وصفه ابنه أحمد، حين فرض عليه الزوجة الثانية. " زوجة هنا وزوجة هنالك، عملية حصار للوالد، لا شأن فيها لجدي بتلك الحمى الفظيعة التي انتابت أبي، حين استقدمه ليضعه أمام الأمر الواقع، حمى القهر."215
فلم يكن الجد كبور بعد ضربه بعنف للجابي،وهروبه من عنف المخزن الى المنفى، إلا تعبيرا صارخا عن استبطانه لعنف السلطة في قمعه للأبناء والأحفاد، وممارسة شهوة البطش والصيد، وترهيبه الصريح العدوانية للغرباء العابرين لهضبته. مانعا أي شكل من الحريات الفردية أو الجماعية في اتخاذ القرارات، والتعبير عن الإرادة في التفكير والممارسة. فكما يملك الأرض، فهو أيضا يملك من وما فيها من الأشياء والحيوانات والبشر. فلا صوت يعلو على صوت الجد كبور، وكل من في البيت الكبير تابع له. وعليهم جميعا السمع والطاعة والتنفيذ دون أدنى اعتراض أو نقاش. ومن يفعل ذلك مصيره عنف الرصاص للبندقية الجاهزة باستمرار للقتل.
" تخلص والدي بصعوبة من حالة الخرس التي أصابته، ومن حالة الحنق، ومن كل ما من شأنه أن يورطه في موضوع قلة الادب، مواجها أبا بميول ديكتاتورية، يفعل ما يشاء وقتما يشاء."216
هكذا مارس الجد عنفه السلطوي في تأسيس هوية جماعته، باعتباره الجد الرمزي والحقيقي المؤسس للبيت الكبير الأبوي. يتزوج كما يشاء، ويزوج أبناءه كما يشاء، بل يختار لهم الزوجات تبعا لقرارته وإرادته واختياراته. بمسوغات الأب الكبير الذي يعرف مصلحة الأتباع من الرجال والنساء، من الصغار والكبار. وكان مهووسا بالذكورة الى حد القداسة." يقف أمام حجرة النفساء، مطالبا بولده، وممارسا تلك الطقوس التي لا غنى عنها، يؤذن في أذن الصغير اليمنى، ويقيم في اليسرى، حتى ( لا تعره، أم الصبيان)، أو تجتذبه أصوات الشيطان، فقد أخبره الفقيه أن ذلك سنة، بينما هو في الأصل، كان يتمنى لو يذهب به الى مراتع الخيل، المحاطة بالسور، ليريه فرسا من أفراسه، وهو ينظر باستلطاف الى يديه وقدميه، ومكان ذكورته."277
بفضول معرفي ، ولذة في تتبع مسارات الحكي تنقلنا الرواية، بلغتها الجميلة في تركيب تفاعلي رائع يجمع بين صنعة الصياغة الفنية والرؤية الفكرية، من حكاية لأخرى تؤرخ وتوثق، تكون وتطور سيرورة ولادة المخزن الصغير، الذي ولده رعب رهاب العنف المخزني.فمنذ أن غرس شتلته الاقطاعية بنزعتها البطريركية على هضبة نهرتانسيفت، وهو يمارس عنف قوته على الطبيعة والبشر والحيوان. ممسوس بجنون التملك والسطو والسيطرة على المساحات القريبة والبعيدة. مستأثرا بالتفكير والقرار والممارسة. واضعا خطط التوسع والانتشار في الجمع بين القوة والمال والسلطة. مدافعا عن قيم مادية ورمزية وطنية، من زاوية البطولة الذكورية التي تعلي من شأن القيم البطريركية للنظام الأبوي. مبخسا حق النساء في الوجود والحضور والقيمة الإنسانية. واضعا حدود المجال الخاص للحرملك. ولم يكتفي بحصار الأجساد، حيث جن جنونه المرضي، وسكنته هلاوس تملك العقول والقلوب الى حد الوسواس القهري. وهذا ما دفعه الى التجسس عليهن من خلال أحد أبنائه( عمر) الذي اتخذ عينه وأذنه الخفية.
" كان كبور يغار على نسائه غيرة عمياء، ليس من العطارين وأبناء السبيل والرعاة والحصادين، ومن كل ذكر يمكن أن يعبر بالقرب من الباب، بل حتى منالكلاب، وربما ألحت عليه فكرة امرأة محرومة، يمكن أن تراود كلبا، مع أن زوجات الجد، لم يكن محرومات على كل حال، وهو يعرف ذلك جيدا، لكن الحكايات الشعبية الجنسية، التي تروى مصحوبة بالبذاءات، هي ما كان يثير حفيظته."198
ومن داخل هذا البيت الأبوي الكبير خرجت كل التناقضات المجتمعية بين الرغبة والحلم بالحرية والفاعلية والاستقلال الذاتي في بناء الذات وعيش الحياة. وبين التزمت والكراهية والتكريس للنظام القهري الأبوي في العلاقة مع الذات والآخر، خاصة النساء. فشتان بين أبناء الجد بين أحمد المتنور والمتسامح ، الى حدما، وبين الحبيب المتصلب الحاقد على نفسه وعلى النساء، كأحد ضحايا عبء التسلط الذكوري في حرمان الفرد من معانقة الحياة في كل قيمها الأصيلة ، بما ذلك العلاقة مع المرأة." إن المسؤولية العملية تعود الى جدي، فهو الآمر الناهي، وصاحب القرارات التي لا رجعة فيها، لكن ذلك لم يكن يعني، أن تلك القرارات التي كان يصدرها لم تهيئ بالمقابل، شخصيات أخرى مستقلة، استقلالامعنويا، وليس ماديا، ولم تحرض البعض على تبنيبعض الاختياراتالخاصة، حتى وإن افتقرت الى الإمكانات."211
4- نساء في أقبية السرد
"أما أنا، فللتاريخ، سأكون قد دونت كل ما أحببت وما لم أحب، عن طواعية واختيار، في واحدة من الطموحات الطارئة، بما تستثيره في نفسي من نفحات صادقة، وضحكات متقطعة، ودموع وفرح ومهابة وخوف واشتياق ورجاء وحنين، بدلا من صراع الانتقاء المنهك، الذي عانيت منه، مما أمضني كثيرا، وأعطاني الدليل، أن احترامي لذاتي، وأصالتي، هو ألا أطم ذاكرتي."300
نحن نساء الهضبة نصرخ ونحتج و نستغيث، من هذا القتل المزدوج الذي عشناه في الهضبة. كحريم مبتور الحاجات والرغبات النفسية والعاطفية والجسدية، ناهيك عن الأحلام والطموحات، التي اغتصبت مع العمر الهارب في عتمة سطوة العنف الذكوري، الذي غيبنا باستمرار باسم الرجولة والعرض والشرف الرفيع. كنا مجرد بغلات متصلبات الذهن في نظر الجد ومن معه، وآلات للمتعة والإنجاب. وغالبا ما يستعملنا الرجل كأدوات لكسر الأنف والعظم فيما بيننا." اسمعني جيدا يابني، وانتبه الى ما سأقوله، لا تقضي على سم المرأة إلا المرأة، هل تود أن تبقى لعبة في يد زوجة واحدة، تفعل بك ما تشاء."214
هكذا طوقتنا الأسوار المادية والرمزية، وحاصرتنا العقلية البطريركية المثقلة بأعباء الذكورة، في التملك والحجر، والتبخيس. لم نكن سوى مجرد أدوات قابلة للاستعمال الفجائي والظرفي حسب إرادة جدك كبور . ولم يكن يعنيه وجودنا الإنساني. فمرت حياتنا في العتمة والازدراء والدونية القصوى. حدث هذا بين الخوف والعنف، كحريم يشهد ولادة المخزن الصغير في رعبه وإرهابه.
والآن.. نعم الآن يافريدة لم شاركت في هذا القتل المزدوج في الزج بنا في أقبية السرد. أليس هذا انتقاء وطمس لجزء مغيب في ظلال الذاكرة؟ ولم هذا الانتصار بشكل مقرف لبناء سردية الجد كبور؟أ إلى هذا الحد كانت ذاكرتك مثقوبة، ومنزوعة الخيال؟ ما هكذا تطمس الذاكرة، وتهجر الشهادة الصادقة، وتزيف الحقائق. صحيح أننا كنا جاهلات وغير متعلمات، لكن الكم الهائل من الآلام والعذاب كنا نحمله بصمت في أرواحنا. وينعكس أحيانا في صورة شكاوى وأمراض تلهب أجسادنا بأسياخ من النار الحارقة، ولا من رأى وسوى وصدق العشرة بالحسنى.
كانت فاطمة في بساطها السحري الجميل، على أجنحة الحلم، كريمة وسخية معنا، ومنحت أصواتنا حق الكلام، واعتلينا منصة السرد بامتياز كبير. فلم هذا الجفاء والبخل والانتقاء الفظيع؟ ما الذي كان ينقصك في العثور على ممرات آمنة لتسريب محرقة نساء الهضبة المغيبات في تفاصيل السرد الأبوي الرهيب؟
دعك منا قد نختلق لك الأعذار، وأنت تحفرين، وتنبشين في الزبل المخيف لتاريخ التسلط الاستبدادي القهري، الذي مثله المخزن وزبانيته، وأعيانه من الاقطاعيين أمثال كبور. لا يُولّد عنف الجابي المخزني غير عنف الاقطاعي الجد كبور.
كنا ننتظر كلمة تنصفنا وتشير الى كل ما كنا نعانيه بصمت موبوء، في ذلك الربع الخالي. على الأقل أن تشيري بشكل أو بآخر، الى عذابات أمك عقيدة. المنبوذة والمهجورة والمتروكة للنسيان والأرق، وعشرات صنوف الآلام الرهيبة التي كانت تقتات من روحها ولحمها الحي. تمتعنا بخيالك الخلاق في فضح بشاعة الذكورة في عنفها وقهرها البطريركي. كنت رائعة في ذلك الى أبعد الحدود. وهذا ما لا ينكره إلا جاحد بنعمة الحكي الفتان الجميل. لكن، للأسف لم تكتفي بإسدال الستار على ذاكرتنا بانتقاء مغرض، وجعلت تاريخنا القهري مجهولا، كما لو أننا مررنا ليلا بهذه الحياة.لم نكن نستحق هذا الاعتقال التعسفي في أقبية السرد، ولن يرانا إلا من حباه الله علم التأويل، وما يعلم تأويله إلا من خبرت محرقة النساء .
يتبع....
ربيعة ريحان بيتنا الكبير دار العين للنشر ط1س20022

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...