"مقدمة إبن خلدون" تأليف العلاّمة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون.. راجعه وقدّم له العلامة الموسوعى الدكتور السيد الجميلي

ابن خلدون .. هو عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (1332 - 1406م) ، ولد في تونس عام 1332/732هـ بالدار الكائنة بنهج تربة الباي رقم 34 .. وأسرة ابن خلدون أسرة علمٍ وأدب ، حفظ القرآن الكريم في طفولته ، وكان أبوه معلمه الأول ، شغل أجداده في الأندلس وتونس مناصبَ سياسيةً ودينيةً مهمةً وكانوا أهل جاهٍ ونفوذٍ ، نزحت عائلته من الأندلس منتصفَ القرن السابع الهجري إلى تونس خلال حكم الحفصيين.
شب ابن خلدون في تونس ، وعاش بعد تخرجه من جامعة الزيتونة في مختلف مدن شمال أفريقيا ، حيث رحل إلى بسكرة حيث تزوج هناك ، ثم توجه عام 1356 إلى فاس حيث ضمّه أبو عنان المريني إلى مجلسه العلمي واستعمله ليتولى الكتابة مؤرخاً لعهده وما به من أحداث ، ثم قُدّر لابن خلدون رحيلٌ آخر عام 1363م إلى غرناطة ومن ثمّ إلى إشبيلية ليعود بعد ذلك لبلاد المغرب ، فوصل قلعة ابن سلامة (تيارت في الجزائر حالياً) فأقام بها أربعة أعوامٍ وشرع في تأليف كتاب العبر الذي أكمل كتابته بتونس ورفع نسخة منه لسلطان تونس ملحقاً إيّاها بطلب الرحيل إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج ، ثم ركب سفينةً إلى الإسكندرية وتوجه من ثَمَّ إلى القاهرة حيث أمضى بقية حياته في مصر ، حيث أكرمه سلطانها الظاهر برقوق ، وقلده فيها قضاء المالكية بوصفه فقيهاً متميزاً خاصةً أنه خريج المدرسة الزيتونية العريقة .. وكان في طفولته درس بمسجد"سيد القبة" قرب منزله سالف الذكر .. وكان من أساتذته الفقيه الزيتوني الإمام ابن عرفة في جامع الزيتونة المعمور منارة العلوم بالعالم الإسلامي آنذاك.
استقال ابن خلدون من منصبه وانقطع إلى التدريس والتصنيف فكانت مصنفاته من أهم المصادر للفكر العالمي ، ويعتبر ابن خلدون مؤسّس علم الاجتماع وأوّل من وضعه على أسسه الحديثة ، وقد توصل إلى نظريّات حول قوانين العمران ونظرية العصبية ، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها .. وقد سبقت آراؤه ونظرياته ما توصّل إليه لاحقًا بعدّة قرون عدد من مشاهير العلماء كالعالم الفرنسي أوجست كونت.
وعدد المؤرخون لابن خلدون عددا من المصنفات في التاريخ والحساب والمنطق غير أن أشهر كتبه كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" (تاريخ ابن خلدون) .. في سبعة مجلدات أولها المقدمة المشهورة أيضاً بمقدمة ابن خلدون ، وتشغل من الكتاب ثلثه ، وهي عبارةٌ عن مدخلٍ موسعٍ للكتاب وفيها يتحدث ابن خلدون ويؤصل لآرائه في الجغرافيا والعمران (علم الاجتماع) والفلك وأحوال البشر وطبائعهم والمؤثرات التي تميز بعضهم عن الآخر .
اعتزل ابن خلدون الحياة بعد تجارب مليئة بالصراعات والأحزان على فقد الأعزاء ، من أبويه وكثيرٍ من شيوخه إثر وباء الطاعون الذي انتشر في جميع أنحاء العالم سنة 749هـ / 1348م تفرغ بعدها أربع سنواتٍ في البحث والتنقيب في العلوم الإنسانية ، حتى اعتزل الناس آخر عمره ، ليكتب سفره أو ما عرف بـ (مقدمة ابن خلدون) مؤسساً لعلم الاجتماع بناءً على الاستنتاج والتحليل في التاريخ وحياة الإنسان .. واستطاع بتلك التجربة القاسية أن يمتلك صرامة موضوعية في البحث والتفكير .
مقدمة ابن خلدون
بسط ابن خلدون في المقدمة كل ما لديه من علم ومعرفة ، فجاءت شيئًا ثمينًا ، بل متقدِّمة جدًّا على العصر الذي كُتِبَتْ فيه ، وهي تحتوي على ستَّة فصول كما يلي :
الأول : في العمران البشري : وهي تقابل (علم الاجتماع العام) ، وقد درس ابن خلدون ظواهر المجتمع البشري ، والقواعد التي تسير عليها المجتمعات.
والثاني : في العمران البدوي ، وقد درس الاجتماع البدوي ، كاشفًا أهمَّ خصائصه المميِّزة ، وأنه أصل الاجتماع الحضري وسابق عليه.
والثالث : في الدولة والخلافة والمُلْك : وهو يقابل (علم الاجتماع السياسي) ، وقد درس قواعد الحكم ، والنُّظُم الدينية ، وغيرها.
والرابع : في العمران الحضري : وهو ما يقابل (علم الاجتماع الحضري) ، وقد شرح جميع الظواهر المتَّصلة بالحضر ، وأصول المدنية ، وأن التحضُّر هو غاية التمدُّن.
والخامس : في الصنائع والمعاش والكسب : وهو ما يقابل (علم الاجتماع الاقتصادي) ، وقد درس تأثير الظروف الاقتصادية على أحوال المجتمع.
والسادس : في العلوم واكتسابها : وهو ما يقابل (علم الاجتماع التربوي) ، وقد درس الظواهر التربوية ، وطرق التعلم وتصنيف العلوم.
كما درس ابن خلدون الاجتماع الديني والقانوني ، رابطًا بين السياسة والأخلاق .
والحقيقة الظاهرة أن أحدًا قبل ابن خلدون لم يَعْرِض لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة تحليلية أَدَّتْ إلى نتائج ومُقَرَّرَات مثل تلك التي أَدَّتْ إليها دراسة ابن خلدون ، ذلك أن المفكِّر المسلم الفقيه درس الظواهر الاجتماعية من خلال الإخبار التاريخي السليم ، مثلما يدرس العلماء علوم الفيزياء ، والكيمياء ، والرياضيات ، والفلك ، وهو بذلك يكون أول مَنْ أخضع الظواهر الاجتماعية لمنهج دراسي علمي ، انتهى به إلى كثير من الحقائق الثابتة التي تشبه القوانين ، وعليه فإن ما توصَّل إليه ابن خلدون من نظريات يظلُّ عملاً رائدًا في ميدان الدراسات الاجتماعية في مسيرة الفكر الإنساني.
ظلَّ ابن خلدون بمصر ما يناهز ربع قرن (784- 808 هـ) ، حيث تُوُفِّيَ عام 1406م عن عمر بلغ ستة وسبعين عامًا ودُفِنَ قرب باب النصر بشمال القاهرة تاركاً تراثاً ما زال تأثيره ممتداً حتى اليوم شاهدا على عظمة الفكر الإسلامي المتميز بالدقة والجدية العلمية والقدرة على التجديد لاثراء الفكر الإنساني.
له قصيدة في الحنين لموطنه تونس :
أحن إلى ألفي وقد حال دونهم *** مهامه فيح دونهن سباسب
وللحديث بقية مع مؤلف ومحقق كتاب "مقدمة إبن خلدون" العلامة إبن خلدون والعلامة السيد الجميلى .. نسأل الله له ولوالدى الغفران على ما قدما للإنسانية من جهد في سبيل الله .. والله الموفق فهو نعم المولى ونعم النصير.





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...