دكتور علاء أبو المجد - الذات الأنثوية والبوح في صمت.. قراءة نقدية لقصة “فراغ” للكاتبة مرفت يس

للقصة القصيرة مجموعة من السمات الفنية التي تميزها عن غيرها من الأنواع الأدبية، وربما كان من أهم هذه السمات أن القصة القصيرة تتميز بالاقتصاد في استخدام اللغة التي تتسم بالإيجاز والتكثيف والعمق، إلى جانب استخدام الإيحاء والرمز، والصور البلاغية الدقيقة[1]؛ ففي القصة القصيرة مزج بين الدرامية والشعرية مما يؤدي إلى التعبير عن أكبر عدد من المعاني بأقل عدد من الألفاظ، وبأكثر دلالات ممكنة متحققة، وهذه الخواص جعلت كاتب القصة القصيرة “لا بد أن يرى الدنيا بصورة معينة ومحددة لأن الفن الأدبي الذي يستعمله يدعو بطبيعته إلى الإيجاز”[2]،

وقصة (فراغ) للكاتبة المبدعة (مرفت يس) حققت هذه السمات بامتياز، فالقارئ للقصة يجد البراعة في استخدام الألفاظ والتراكيب التي تعبر عن المعنى بطريقة معبرة وموحية، مما جعل القصة تقول الكثير من المعاني والدلالات، برغم كونها (قصيرة جدًا).


(الفراغ) الروحي والعاطفي:

يقولون: قبل النص يكون العنوان، وبعد النص يبقى العنوان، فالعنوان ركن أساسي من أركان النص الإبداعي، ومكون مهم؛ تنبع أهميته من كونه العنصر الأساس “الذي يحدد هوية النص، وتدور حوله الدلالات، وتتعالق به، وهو بمكانة الرأس من الجسد، والعنوان في أي نص لا يأتي مجانيًا أو اعتباطيًا”[3]، وإنما لكي يقوم بعدد من الوظائف والأدوار المهمة، فهو عتبة مهمة للولوج إلى عالم النص، يساعد على الوصول إلى مضمونه وكشف غوامضه وفتح مغاليقه، فهو “يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته”[4]، من أجل فهمه وتفسيره وإيضاحه.

وفي قصة (فراغ) نجد أن قراءة النص تنطلق من العنوان: (فراغ)، من خلال ملاحظة الإيحاءات الرمزية النابعة من الحقل الدلالي لكلمة (فَرَاغ) والمعنى الذي يدور حول الخلوّ والخواء، والحيز أو المسافة التي تفصل بين شيئين أو شخصين، فالربط بين العنوان وموضوع القصة يشير إلى توتر العلاقة بين تلك المرأة وزوجها، وأنه ثمة حالة من الفراغ الروحي والوجداني، والجفاف العاطفي، والهوة الكبيرة التي تفصل بينهما، فهذه المرأة وإن كانت حاضرةً بجسدها، فإنها بعيدةً بروحها.

فالفراغ ههنا يعني دلالتين متداخلتين؛ الدلالة الأولى: (الفَرَاغُ) أي المساحة التي باتت تفصل روحيًا بين الزوجين، والدلالة الثانية: (الفَرَاغُ) العاطفي الذي تشعر به المرأة جرَّاء إهمال الرجل وعدم اكتراثه بها.

الشخصية والزمان النفسي:

يعد الزمان واحدًا من أهم المفاهيم المرتبطة بالإنسان، فهو يصاحبه في رحلة بقائه في هذه الحياة، منذ المولد وحتى الوفاة، فتمضي الأيام، وتمرُّ السنون، وينقضي العمر دون تحكم أو سيطرة من قبل الإنسان في الزمان، وبرغم ذلك “فإن الإنسان هو الذي يعطي الزمان دلالاته الموضوعية والذاتية “[5]، من خلال الحالة النفسية التي تؤثِّر على إحساس الإنسان بالزمان.

ومن هذا المنطلق عرف النقد الحديث مصطلح (الزمان النفسي)؛ حيث يفقد الزمان أبعاده ويكتسب دلالاته من الحياة النفسية للشخصية، بما يعني أن هذا الزمان أصبح يستمد أبعاده وقياساته من ذات القاص، مما ينعكس على الشخصية القصصية وإحساسها بالزمان، وفي هذه الحالة نجد أن الزمان “يزداد طوله على النفس في حالة الشدة والضيق والقلق، ويقل طوله عن مداه الحقيقي على هذه النفس حتى كأن الأسبوع يوم، واليوم ساعة، والساعة مجرد لحظة من الزمن في أحوال السعادة والغضارة، والمتاع والنعيم”[6].

وفي القصة القصيرة (فراغ) نجد الزمان يتخلى عن أبعاده الموضوعية، ويتسم بكونه زمان نفسي، من خلال بالإيحاء بحالة الرتابة والملل التي تشعر بها المرأة في هذه الحياة التي تعيشها الأنثى مع زوجها، ففي: (في مشهد دائم التكرار) تعبير عن الديمومة والاستمرارية، وأن ذلك المشهد بدا قديمًا معادًا، ومرت سنوات طوال بنفس الرتابة، ونفس طريقة الحياة.

فقراءة النص تكشف عن حضور الزمان وتمثُّله، بيد أن هذه الزمان – أولًا – اكتسب بعده من ذات الشخصية، وثانيًا نجد دلالات المغايرة والاختلاف على الأشياء بمرور الزمان، وأثر الحالة النفسية للشخصية في رؤية هذه الأشياء، يتمثل ذلك في: (فوتيه قديم) للتعبير عن دلالات القدم ومرور الأيام والسنين، وفي قولها: (كانت في يوم من الأيام وردية) تعبير عن أثر الزمان المتمثل في تغيير الأشياء وتشويهها، وسلب البريق منها، فيحولها إلى اللون الباهت الكئيب.


الأنثى/الذات المتألمة:

عند الحديث عن الصورة الفنية فإنه يمكن القول إن الصورة تعد من أهم مكونات التجربة الإبداعية، وتنبع تلك الأهمية من كون الصورة تمثل الأداة الرئيسية التي يستخدمها الأدباء في التعبير عن تجاربهم، ونقل مشاعرهم للمتلقي؛ فهي “الوسيلة الفنية الجوهرية لنقل التجربة نظرًا لما تقوم به في العمل الأدبي؛ حيث التمثيل الحسي للتجربة الإبداعية الكلية، ولما تشتمل عليه من مختلف الإحساسات والعواطف والأفكار الجزئية[7]، فالصورة الفنية “عنصر حيوي من عناصر التكوين النفسي للتجربة “[8].

وفي قصة (فراغ) ثمة صورة رئيسية تحتل حيزًا مهمًا عبَّرت بصورة موحية عن تجربة الشخصية وألمها الصامت؛ حيث صورة الأنفاس التي يسحبها الرجل من دخان سيجارته، ثم يعاود نفثها مرة أخرى في فضاء الغرفة، والمعلوم أن هذه الأنفاس المعبئة بدخان السيجارة تكون خانقة، وتجعل مَن يرافق إنسانًا مدخنًا يشعر بالضيق والاختناق، فهذه المرأة تشعر بالضيق من مرافقة هذا الرجل والعيش معه؛ بسبب انشغاله بقهوته وسيجارته، ولا شيء غيرهما، فقد ساد الصمت، واختفى الحوار بين الزوجين، وعمَّ الفراغ، وقد انعكس ذلك على الأشياء من حولها، فأصبحت هذه الأشياء كئيبة باهتة، بعد أن كانت وردية مبهجة، والأبيض الذي كان ناصعًا استحال لونًا مائلًا للصفرة، والكرسي لونه أزرق قاتم، مع ملاحظة أن هذه الألوان لها دلالاتها؛ فالأصفر يوحي بالمرض والتلاشي والشحوب والذبول، والأزرق يوحي بالحزن والكآبة.

وفي رأيي إن القراءة المتعمقة للقصة تكشف عن ذلك الفراغ الروحي والعاطفي والوجداني بداخل تلك الأنثى التي تشعر بالضيق والاكتئاب والحزن من مرافقة هذا الرجل المنشغل عنها، غير المكترث بها، فبدا كأنه يحرقها كما يحرق سيجارته، ويسحب أنفاسها ويسلب الهواء منها، فيكاد يخنقها ويميتها، وقد عبَّرت الكاتبة عن ذلك المعنى من خلال صورة المرأة التي تلفظ الآهات المتقطِّعة مع كل نفس طويل يأخذه من سيجارته.

فقد استعملت القاصة (السيجارة) رمزًا يُعبِّر ضمنًا عن معاناة المرأة، وإن القارئ للقصة، المتأمل فيها يجد عدة ملامح تربط بين تلك الأنثى والسيجارة؛ ففي: (بشبق غريب يلتهمها) تلميح إلى حالة الشبق والرغبة المتضخمة داخل هذا الرجل في التهام السيجارة/الأشياء، من أجل تحقيق متعه ورغباته الخاصة، بطريقة توحي بالذاتية والأنا المتحكمة في كل شيء، مع ملاحظة (يلتهمها) و(يعتصرها) والإيحاء بالسعار والنهم.

فالقصة عبَّرت عن حالة الاحتراق والاشتعال الذاتي بداخل الأنثى، وإن المتلقي عندما يتأمل صورة السيجارة المشتعلة التي في يد المدخن، ومع كل نفس تشتعل السيجارة فتتصاعد الأدخنة الخانقة، تلك الصورة توحي بحالة المرأة التي تختنق عواطفها وتتأجج انفعالاتها، وتعلو صرختها المكتومة التي عبرت عنها الراوية بقولها: (تخرج آهات متقطعة مع كل نَفَس)، فهي تعاني في صمت، وتئنُّ من الألم، وكأنها تكاد تختنق.


الهوية الأنثوية والاستعمار الذكوري:

يقولون إن الهوية تتحدد من خلال الاختلاف مع الآخر، وإننا نعرف ملامح ذاتنا من خلال التناقض مع الآخر/الغير، وفي قصة (فراغ) للكاتبة المبدعة (مرفت يس) توجد ثنائية ضدية أقامتها الكاتبة من خلال التضاد بين الأنثى والذكر، ومن خلال البحث في ملامح قطبي هذه الثنائية يتجلى لنا حالة الاختلاف والمفارقة التي جعلت الذات الأنثوية تصرخ بلا صوت، وتئن في صمت، وتهتف ثائرة من أجل التحرر والانعتاق، فهذه المرأة بدت منزوية ومتلاشية وليس لها حضور إلا تلك الآهات المتقطعة التي تخرجها من حين لآخر، أما الرجل فقد بدا مسيطرًا ومتخذًا حيزًا كبيرًا في فضاء الغرفة؛ فهو يجلس على كرسي ويمدد رجليه على طاولة، ويدع كِرشه ينتفخ وينتفخ حتى يكاد يحتل مساحة كبيرة من أرجاء الغرفة، وفي قولها: (يلقيها على الأرض غير عابئ بالطفاية أمامه) إشارة غاية في البراعة والإيحاء، والتعبير عن الإهمال، والأنا الذكورية الي تكاد لا ترى المرأة، ولا تحفل بوجودها، فالمعنى المباشر يشير إلى أن الرجل يلقي بالأشياء ويجعل المكان متسخًا، أما المعنى الضمني فهو إهماله لأنثاه وذاته المتضخمة في مقابل ذاتها المتألمة المنهكة، فهو لا يعبأ بها وبوجودها، ولا يهتم بما يتعبها أو يسعدها.

إنها ذات تشعر بالاختلاف الذي يصل حدَّ التناقض مع الشخص الذي تعيش معه، فداوم بإهمال ولا مبالاة على أذيتها وإلحاق الضرر بها، وفي قولها: (استعمرها بسلوكه السيكوباتي) إشارة إلى ذلك الكائن الذكوري المسيطر على ذاتها، والمعتدي على وجودها ووجدانها بأفعاله وسلوكياته التي تنمُّ عن الظلم والإجحاف، وربما تحميلها ذنوبًا وأوزارًا لا يد لها فيها، كتأخر الإنجاب أو عدم الحمل بالأولاد، فهذه المرأة تعاني من الظلم والإهمال من جانب الرجل، فضلًا عن عدم الاكتراث بأحاسيسها ومشاعرها، وإيذاء روحها وإلحاق الضرر بكيانها، لاسيما في صورة الفأس الذي ينغرس في الأرض فيهشمها ويكسرها ويسبب لها الألم، برغم كون الفأس – بالأساس – يرمز إلى الحرث واستزراع الأرض من أجل الإنبات والخير والنماء، وفي (يوهم نفسه أن الأرض أرضه) تعبير عن الذات المتضخمة والشعور بالامتلاك والاستيلاء على الأنثى، فصار يشعر أنه المالك المستعمر، وهي مستعمرته الخاصة، فهي الأرض التي يحرثها ويستنبتها، بيد أنه موهوم لأنها ليست ملكًا له، وإنما هي ملك نفسها، وتعطيها لمن يستحقها، أما الإهمال أو التجاهل فإنه يولِّد الفراغ والجفاء.


ملامح الذات الأنثوية

لقد عبَّرت كثير من مفردات القصة وصورها عن الذات الأنثوية المهملة، التي تتحكم فيها الذات الذكورية المسيطرة، بدءًا من أبيها الذي زوجها وجهز عفشها وأشياءها دون أن يحفل برأيها ورغباتها، فقد اشترى جهازها دون استشارتها، وفي الجملة الخبرية (تم شحنه معها) تعبير يوحي بتشييء الأنثى، وجعلها كالأثاث والمتاع الذي تم شحنه في سيارة من قِبل المُرسِل/الأب ليسلمه إلى المُرسَل إليه/الزوج، فقد قام الأب بشراء الأشياء وشحنها في طرد أو صندوق وأرسلها للزوج.

لقد عبَّرت الكاتبة عن آلام تلك الأنثى، وصمتها الممزوج بالوجع، لا سيما إذا عانت الإهمال من رجل ينهكها ويفني روحها، فتبدوا كأنها مقيدة بقيد يخنقها ويكتم أنفاسها، وقد عبَّرت عن ذلك المعنى بجمل موحية غاية في الروعة مثل قولها: (علب المساحيق التي جفت) تعبير عن ذبول روح تلك المرأة، وذهاب بهجتها وحبها للحياة، بسبب معاشرتها ذلك الرجل الذي قتل البهجة في روحها، فمساحيق التجميل والزينة عند المرأة هي رمز الحياة والإقبال عليها، وجفاف هذه المساحيق دليل عن عدم الاستعمال، ومن ثم تعبير عن عدم إقبال تلك المرأة على التزين والتمتع بالحياة، وفي: (رقتها التي اختفت) تأكيد على المعنى نفسه؛ فقد اختفت رقتها وجمال روحها وانطلاقها في الحياة.




[1] يمكن تلخيص أهم السمات الخاصة للقصة القصيرة في كل من: (التكثيف والإيجاز، اللغة، وحدة الانطباع، الاختيار، لحظة التنوير).
انظر: عبد المنعم أبو زيد عبد المنعم: جماليات السرد المعاصر – نماذج من الرواية والقصة القصيرة، دار العلم، الطبعة الأولى، 2009 م، ص 88 وما بعدها.

وللاستزادة انظر كلًا من:

الطاهر أحمد: القصة القصيرة دراسة ومختارات، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1999 م، ص 93 وما بعدها.
عبد الرحيم الكردي: البنية السردية للقصة القصيرة، مكتبة الآداب، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2005 م، 2 121 وما بعدها.
هاشم ميرغني: بنية الخطاب السردي في القصة القصيرة، مطابع السودان للعملة المحدودة، الخرطوم، الطبعة الأولى، 2008 م، ص 61 وما بعدها.
إ. م فورستر: أركان الرواية، ت: موسى عاصي، لبنان، 1994م، ص 9 وما بعدها.
آيان رايد: القصة القصيرة، ترجمة: منى مؤنس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990م، ص 24 وما بعدها.
صبري حافظ: الخصائص البنائية للأقصوصة، فصول، الهيئة العامة للكتاب، العدد الرابع، المجلد الثاني، سبتمبر 1982م ص 31 وما بعدها.
ماري لويز برات: الطول والقصر، فصول، الهيئة العامة للكتاب العدد الرابع، المجلد الثاني، سبتمبر 1982م، ص 49 وما بعدها.
وليم جي هاندي: القصة الحديثة في ضوء المنهج الشكلي، ت شفيع الدين السيد، مكتبة الشباب، ص 39 وما بعدها.
[2] آيان رايد: القصة القصيرة، ص 12.
[3] خليل الموسى: قراءات في الشعر العربي الحديث والمعاصر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000 م، ص 28
[4] محمد مفتاح، دينامية النص: تنظير وإنجاز، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1990 م، ص 72.
[5] كريم زكي حسام الدين، الزمان الدلالي، ص 17.
[6] عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، ص 208.
[7] انظر: محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث، ص 417.
[8] كمال أبو ديب، جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1995م، ص 19.

دكتور علاء أبو المجد
11 سبتمبر، 2022



منقول عن:


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...