الدكتور عماد علي الخطيب - المطر في الشعر العربي الحديث رمز البطولة والمستقبل.. دراسة موازنة لثلاث قصائد لــ منذر أبو حلتم.. دراسة نقدية

هذه الدراسة جزء من كتاب : العين والمرآة في النقد والتطبيق ” موازنات ومقارنات في الأدب الحديث “



يمكن أن نقارن علاقة اللغة بالتفكير بعلاقة الجسم بالنفس واللفظ بالمعنى. فالفكر هو الصورة واللغة هي المادة أما اللفظ فيكون حاملا للمعنى وموصلا له والمعنى مستقل عن اللفظ ومتأثر به، ويستقيم باستقامته وينعدم باستعماله في غير محله… و هذا ما سيحاول المؤلف التوصل إليه في بسط الدراسة النقدية ،هذا من جهة، و من جهة أخرى هل قدم التابع إضافة للمعنى المطروح و المعروض فهمه على السابق، كما نرى ذلك في قصائد منذر ابو حلتم ( مطر ملون ) و ( عدوى المطر ) و ( أمطار السأم ) .. و إنما اخترت قصائده الثلاثة؛ لأنها تعنى بالمضمون نفسه، و ليس فيها ضرب من التكرار.

لهذا فإن محاولتي – إن استطعت – فيها تحويل القول إلى فعل والتلفت عن الاهتمام بمصدر الكلام عن ( المطر )، لتفتح الكلام على اللغة في نضجها الأول.. ولتفيض بالدلالات والمعاني ولتستعيد تلك الشاعرية والمجاز والرمز والإيجابية التي كان يمتلكها الشاعر و هو يرسم قصيدته..

و سيتحقق له ذلك أين وقع اجتيازه لقضبان المقولات المنطقية وقواعد القول البرهاني والهجرة من الظاهر إلى الباطن ومن العبارة إلى الإشارة وأين أفاضت الحروف عن معان لم تفدها جمل بأكملها.

فهل يستعيد الشاعر عافيته ويحقق صحوته بتخير الألفاظ وتخليص المعاني وتحسين الكلام لما كان الكلام متكونا من لفظ ومعنى ؟

و لعل خير ما يمكن فعله في الكشف عن معيارية اللاحق على السابق هو النظر مرة أخرى إلى المعاني، و قراءة التالية من المعاني التي يمكن استنباطها من تحليل القصائد الثلاثة فإن أردنا معرفة معنى للفظ استخدمه الشاعر منذر أبو حلتم فنحن أمام خيارين :

إما تخليصه من المعنى القديم الذي استخدمه السياب.. و إسناده لشيء جديد أو أن نحرره من المعنى القديم ونسند له معنى جديدا، و هذا لن يتم بسهولة .. فما زال الشاهد الشعري المعروف لبدر شاكر السياب يطفو على الذاكرة و لا يمكن تجاهله، و قد عمق هذا المفهوم استخدام أبي حلتم له، انظر إلى استخدامه لـ ( الصدى ) و ( القمر ) و ( النهر ) و ( النشيد ) و ( سؤالها عن القادم ) و ( الحياة ) و

( اليأس ) .

و بعيدا عن القراءة المؤولة يتقدم النقد الحديث، وفي جانب من جوانب نشاطه البحثي، ليحلل النص الأدبي تحليلا يتناول هيكل البنية. و يمكن للناقد أن يشتغل على مادة النص ليقدم معرفة بالوظائف الداخلية التي تمارسها عناصر البنية خلاله، والتي بحركتها ينبني النص.. أي أن التحليل الذي يتناول هيكل البنية يكشف أسرار اللعبة الفنية؛ لأنه تحليل يتعامل مع التقنيات المستخدمة في إقامة النص).. فجماليات التشكل الإبداعي الخلاقة، تتمثل في ذلك الانبعاث للتعبير الكلي للبناء النصي، الذي يمثل الإيقاع الخفي لتجربة سحرية تتحرك بصورة دائمة وبخصوصية تحمل وعيا يمتد أو يتقلص ليبعث الحياة في أرجاء النص.. انظر إلى إيقاع نصوص أبي حلتم تجده قد لوّن المطر من خلال الإيقاع التالي:

– غنّى نشيد السّحر،

– ثم لملم حلما جميلا،

– ثم جمّع قطر الندى،

– ثم بنى جسرا، و أعاد بهاء القمر،

– ثم حلق فوق الغيوم،

– ثم خبأ سر الغيوم،

– ثم سافر و ترك ما فات،

– ثم حمى حلم الحياة،

– ثم جمع نور الصباح،

و أخيرا صمد مثل الشجر ضد الريح.

و في قصيدته ( عدوى المطر ) ، تمثل الإيقاع باتجاه المستقبل، و ما يرسمه طريق الهوى له، فاتجه الشاعر لرسم الحياة على طريقته، و هو يقول :

– ها قد أتى أيلول يحمل

في ثناياه الرياح

وأنا إذا جاء الشتاء

تصيبني عدوى المطر ..!

ثم يصور :

الليل يمضي مثل قلبه، و .. هو مثقل ملّ السفر !

ثم يجلب صورة أخرى تحاور الأولى :

وإذا بكت هذي الغيوم

ودغدغ الريح الشجر

سأكون دونك موحشاً ..

متوحداً ..كما القمر ..!

و تكون النتيجة التي يرتضيها :

كوني معي إن زار ليلي

بغتة صوت المطر ..

كوني لنشعل نارنا ..

ونعيد إنشاد السهر

الليل يمعن في السفر

وعلى بدايات المدى

تحلقين .. كما القمر!

فهي معه، و هما معا يصنعان المستحيل زمانا و مكانا ..

و تسير القصيدة الثالثة ( أمطار السأم ) على خطى القصيدتين السابقتين، و يبقى المطر المخلص و باعث الخير و رمز العطاء و المحبة و المستقبل الآخر و قد يتجاوز ذلك إلى ثورة خامدة تحتاج إلى من يحركها.. فيقول أبو حلتم ملخصا ما يريد و مستثمرا معرفتنا برمز ( المطر ) و ما يتصل معه من ( صدى ) و ( مدى ) و ( بحر ) :

مثل غيم من دخان وغبار

مثل أصداء الفراغ ..

ومثل وقع خطى الهزيمة

والتشقق والدوار

تثقل الأيام عمري

والمدى بحر انتظار ..

فهذه الهندسة المتحركة تحتاج إلى استنتاج متجدد لقاعدة تأولية ودلالية. توضح الإطار المرجعي والشيفرة النصية لبنية الشعور العميق في القصيدة، فيخرج الصدى الإنساني المعبر عن الموقف من الحياة والكون، انظر إلى قوله :

رسالة نصية واضحة مفادها :

أكاد إذ يهوي على قلبي

جليد الموت أن أبكي

و لماذا البكاء ؟

إنه من :

.. شمعة الذكرى ..

ثم ننقل الفكر ومضامينه ورمزيته بالفعل الإنساني، بوحدة بنائية متكاملة لتؤدي غرضاً إخبارياً و هذا من قول الشاعر :

أكاد أرسم بسمة أو زهرة ..

فالأمل قادم و المطر يبشر به. و لعل أمطار السأم لا تعود، بل تأتي مكانها أمطار الخير. لأنه غير معروف أن نربط المطر بالسأم .. أما و قد أجراه الشاعر فالمسألة في المفارقة : أن تكون الأمطار صاحبة خير رغم ما يحسه من سأم.

و نتابع فاللغة بوصفها أداة للتواصل بين المبدع والمتلقي تعد المصدر الأساسي في بناء القصيدة. فلا تتحقق العلاقة بين الطرفين ( المبدع والمتلقي ) إلا بها. و يجب أن تعكس القصيدة إلى أقصى حد ممكن الجو النفسي لمبدعها .. فهي ليست مجرد كيان لغوي قائم بذاته، أو مادة خام يتم تحويلها إلى رموز وعناصر لتؤدي وظيفة إخبارية. بل هي طبيعة متحللة لعالم داخلي هو جزء من عالم محيط محمل بالإشعاعات الفكرية والعاطفية والشعورية، و يخضع لعلاقة عكسية متكاملة لفعل الاتصال والنص، وانطلاقا من ذلك ننظر في الخاتمة، فنراها :

لكنه بحر عقيم ..

والسحابات السقيمة

لم تزل في الروح تمطر ..

كل أمطار السأم ..

و إن الترميز أو الرمز هو عرين اللغة ومهربها، فالقصيدة في جملتها تستعمل اللغة بطريقة رمزية ودلالية، والكلمات في مدلولاتها هي رموز لمعان، فالنص لا يقتصر همه على تصوير معاناة الشاعر وإظهار انفعالاته، وإظهار ذاته ، وإنما تتجاوز كل هذه المعاني إلى خلق رموزه الخاصة، و أمطار السأم واحدة من تلك الرموز.

و تبقى الأحلام تنطلق من طلبه المستمر للتغيير الذي لا يحصل عليه ، فيقع الشاعر تحت وطأة الأحلام التي تفعل فعلها فيه، فتذهب به بعيدا عن الواقع وظروف الحياة الاجتماعية ،والسياسة ، والاقتصادية ، فهو يبحث عن مجتمع جديد، يعمه الخير والأمان و السعادة، ولكن هذا الحلم سرعان ما يزول ويرجع إلى سوداوية الواقع وهمومه ، بل ربما يذهب بالذات الإنسانية إلى الانطواء داخل النفس والاستسلام والعجز وعدم القدرة على التغير وصناعة التحدي.

د.عماد علي سليم الخطيب
قسم اللغة العربية و آدابها / جامعة البلقاء التطبيقية – الاردن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...