باسم المرعبي - بصرياثا.. اليوتوبيا والديستوبيا

البصرة أو بصرياثا أو باصورا، هي "باب جنة عدن"، كما في أحد أسمائها الآرامية، هذه المدينة تستدعي، على الدوام، العودة إليها وتحيّتها، إذ أن قدرها، وكي تكتمل أُسطورتها، أقامها في المهب، عند الحافة القلقة لوجودها وهويتها، وهذا من خصائصها المستحيلة، فلا منطق يجاري أطوارها المتقلبة حدّ التنافر كما في الموت والانبعاث، وقد خبرتهما مراراً خلال (تاريخها الذي تبدأه متى تشاء)، بتعبير راويها ومواطنها الأبدي محمد خضير وقد تمثّل، في جذرية انتمائه لمدينته، سقراط في محنته، وتفضيله الموت على الهرب من أثينا والعيش منفياً، أو (باسترناك الذي آثر البقاء في الاتحاد السوفييتي على الخروج إلى المنفى، بعد حصوله على جائزة نوبل، لأن النفي، كما قال، هو الموت بعينه). ومحمد خضير الذي ستحضر المدينة من خلاله، واحد من أهل باصورا (الذين لا يسافرون إلى أي مكان في العالم، فهم يعتقدون أن مدينتهم سرة العالم وسرّ الأكوان المغلق، وعقدة الطرق البرية والبحرية). فمن لم ير البصرة لم ير العالم ولم يقارب شيئاً من سر الأكوان، ومن لم ينطلق منها لن يصل إلى شيء. وهنا، للبصْري الحق في إبداء التعجب بل حتى الاستنكار في وجه مواطنه العراقي، بشكل خاص، الذي لم يجعل من رؤية البصرة أُمنية وهمّاً وهدفاً. موقف كهذا وجدتني فيه، شخصياً، متلبساً بالقصور أمام دهشة الشاعر الراحل مهدي محمد علي وعدم تصديقه بأني لم أر البصرة، بعد سؤالي عن ذلك حين التقيته في دمشق العام 1991. فـ (الدنيا بصرة) كما رآها الزبير بن العوام ووصفها بكلمته هذه، التي قلَب فيها السياق المعتاد في الوصف والتعريف، وهي أجمل وأدل كلمة قيلت في حق مدينة. والبصرة هي أم العراق، وخزانة العرب، وعين الدنيا. وهي ديريدوتس، باليونانية، وتعني باب البحر أو المياه، وهي بهشت أباد بالفارسية، أي "مدينة الجنة"، وسوى ذلك من أسماء ذات مدى فردوسي. لكن هي أيضاً "الخريبة"، تصغير خربة، وهي بصرة (التاريخ المتقلب والمآسي الجماعية). بصرة السراب والخراب، الذي ذهب مثلاً، حتى قبل أن تتفصّد أرضها نفطاً، ولم تشفع لها (ستمِائة من أنهارها الكبيرة وعشرة آلاف قناة فرعية ومِائة وعشرين ألف نهر). فـ (حائكات النار المجنونات) يتربصن بها أبداً. ومثلما لا تكتمل هوية البصرة بدون كتابها الشاهد من لغة وفلسفة وتصوّف وأدب، يمكن القول أن لا وجود لهذه الهوية، بالأصل، من دون النخلة، شجرة فردوس ونفْس من نفوسها، سويةً مع البشر. يذكر صاحب كتاب "البصرة جنة البستان" الشاعر مهدي محمد علي موقفاً يشف بعمق عن روح البصري، كما يتبين من الواقعة التي يسردها عن المُزارع سيد حبيب وقد أُطيح بمجموعة من نخلاته حين اخترق شارع جديد بستانه، يقول: ظلت جذوع النخل القتيلة مطروحة على أرض البستان أياماً وظل سيد حبيب شيخ الثمانين يأتي كلّ مساء يجلس قبالتها وينشج! لم يستطع أحد أن يثنيه وهو لا يفتأ يبكي ويردّد: إنها مثل أولادي! إنها مثل أولادي! آصرة الدم والتراب والماء والهواء هذه، بالنخلة، هي ما دفعت شاعراً بصرياً آخر هو جمال مصطفى إلى تسعير كتاب شعري له صدر عام 1988 في الدنمارك، بخمسين خوصة أو سعفة واحدة. وهو ثمن، فضلاً عن نفحته الشعرية، يحتمل رمزية قصوى، على سبيل الحنين وتبيان قوة الانتماء.

فالانتماء بنفَس صوفي إلى المكان، يكاد يكون سمة بصرية، مثلما يمكن أن يكون محمد خضير مثالاً متقدماً انساناً وكاتباً، على نموذجية التوحد بمدينته، فهو يُعلي صورة المدينة/ سيرتها فوق سيرته، ولا فصل بين السيرتين، إذ لا دخول إليه إلّا عن طريقها لتكون السيادة في الأخير للمكان، فحضوره يُلحَظ عبر الأمكنة التي يقود قارئه إليها، لكأنه يأخذ هنا دور الدليل، منقباً في طبقات المدينة عمقاً وأُفقاً. بهذا المعنى فهو آثاريّ يبحث عن طبقات البصرة وأطوارها، وجوّال في الآن ذاته، في رأسه (خريطة المدينة، شارعاً وبيتاً ونهراً ومجذافاً وشراعاً..)، ضارباً في أنحاء مدينته مستعيداً لها من التفاصيل، وكأنه مفارق لها، على قربه منها، (وقد أبلى وحده أزواجاً من الأحذية لا يُبليها عشرة مشّائين مجتمعين).

إن الاندغام بالمدينة أو التواري بين مشهدياتها أو خلفها، صريحةً، معلنة كانت هذه المشهديات، أم سرية، مبطنة، يتوافق ونزعة محمد خضير الذاتية إلى الاستتار، وهو وفي هذا يتشارك بل يتماهى ومواطنه، مكاناً وهاجساً، الشاعر محمود البريكان، الذي ألقى بأكثر من ظل في "أحلام باصورا" عدا عن تجسده الطيفي في نص "شبحٌ لشبح".. وهو عنوان إحدى قصائد البريكان التي تقوم عليها "رؤية ـ رؤيا" محمد خضير في استلهامه الشاعر ومصيره الفاجع، في إنشاء درامي احتفالي بَصَري. الألفة التي يستشعرها الكاتب مع البريكان، يجدها أيضاً مع كاتبين آخرين، هما محمود عبد الوهاب ومهدي عيسى الصقر وها هو يُرينا من خلال عيني الأول وصفاً لعربة قطار، باستعارة مقطع من قصته "القطار الصاعد إلى بغداد"، مندغماً في نصه "مدينة متنقلة" في كتاب "بصرياثا"، ولهذا أكثر من دلالة، أقلّها العوالم المشتركة، فضلاً عن أن القطار والمحطة هما من مفردات ووحدات محمد خضير الأدبية الأثيرة، مثلما هما من العلامات الجوهرية لباصورا في نسختها الحديثة. وكما كان لعبد الوهاب حضوره في بصرياثا، فإنّ وجوده يتجدّد في "أحلام باصورا"، عبر "حُلْمية" حملت اسم "القانون". أما الكاتب الصقر فيتمثل هنا من خلال حلم ـ كابوس لم يبرح ذاكرته لأربعين سنة، حسب قوله، وهو حلم "أدبي" بامتياز، سبق أن سرده في يومياته "وجع الكتابة". يستعير الكاتب من الصقر حلمه ويحل محله كشخص مطارَد، محاصر، متقمصاً رعب ولهاث الصقر. ولأن ما مِن حديث يتم عن بصرياثا أو باصورا بدون "شاعرها"، أي السياب، وهكذا يحضر في حُلميَّتين انضوتا تحت عنوان "شاعر باصورا"، كانت الأولى "أمام باب الله"، وهو عنوان قصيدة معروفة للسياب، وظِّفت كما مع البريكان للتعاطي الحُلمي معها. والثانية "الحياة اللذيذة" تنطلق من واقعة وجود الشاعر في روما للمشاركة في مؤتمر الأدب العربي العام 1961.

ان الرسوخ والثبات في المكان لدى محمد خضير يقابله سفر وترحلات كونية، رمزية اجترحها الكاتب ليعبُر ركود الزمان والمكان، وما استحضار رجال باصوراء الخمسة: البريكان، السياب، مهدي عيسى الصقر ومحمود عبد الوهاب، مضافا إليهم سعدي يوسف في حُلْمية "الشيوعي الأخير"، سوى تجذير لهوية المكان وترسيخ تعريفه مجدداً، لكأنّ الكاتب أراد أن يَكونهم مجتمعين، وقد (تجذّرت أقدامهم في أديم باصورا).

وكما الحال مع شاعر باصورا يكون الكاتب، بدوره، منطرحاً أو واقفاً أمام لوح الكتابة، اللا نهائي، في انتظار تحوّل الكلمات واقعاً مجسّداً، ليستردّ يوتوبياه من طبقات الديستوبيا. وهذه مهمة أركيولوجيا السرد والسارد كما تبدّت في سِفرَي "بصرياثا" و"باصورا"، أو كما أوحيا لنا بها.



ـ كل ما بين هلالين مأخوذ من كتابَي محمد خضير، "بصرياثا ـ صورة مدينة" و"أحلام باصورا"، وثمة تعديل في بعضه، خصّ الصوغ، دون المعنى، لمواءَمة السياق.


عن ضفة ثالثة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...