عبدالغني سلامة - إسرائيل والإرهاب البيئي

بمناسبة انعقاد مؤتمر قمة المناخ بدورته الـ 27، والذي بدأت فعالياته يوم أمس في شرم الشيخ، بحضور 40 ألف مشارك من بينهم رؤساء وزعماء وملوك من 197 دولة حول العالم، أود توجيه الرسالة الآتية:
تستخدم إسرائيل البيئة كأحد أسلحتها الإستراتيجية، وذلك بتعمدها الإضرار بالموارد البيئية في الأراضي المحتلة، بأساليب مباشرة وأخرى غير مباشرة، وذلك بهدف إجبار الفلسطينيين، خاصة في مناطق C، على ترك أراضيهم من خلال التضييق عليهم، والتأثير على موارد رزقهم، وهذا أحد أشكال الترويع والإرهاب، ويأتي استمراراً لسياساتها العنصرية القائمة على الاضطهاد والتمييز.
وخلال العقود الماضية شهدت الأراضي المحتلة أفعالاً ومخالفات بيئية إسرائيلية عديدة، أضرت بجودة الأنظمة البيئية والموارد والثروات الطبيعية، وقد امتد هذا التخريب إلى دول عربية مجاورة.
وتشكل المستوطنات أحد أبرز تلك الأعمال التخريبية، فعلى طول محاور وأحزمة الكتل الاستيطانية قامت سلطات الاحتلال بتجريف مساحة 875 ألف دونم لإقامة المستوطنات، وتخصيص مناطق عسكرية، وجرّفت 55 ألف دونم لشق الطرق الالتفافية، بالإضافة لإقامة جدار الفصل العنصري، واقتلعت أكثر من نصف مليون شجرة، وقضت على مساحات واسعة من الغابات. وهذه الأفعال التخريبية أدت إلى تجزئة البيئة الفلسطينية، بما يمنع انتقال النباتات والحيوانات البرية ضمن بيئتها الطبيعية، وإعاقتها عن إتمام عملية التزاوج والتكاثر.
وفي مجال المياه، تسيطر إسرائيل على 86% من المياه الجوفية الفلسطينية، وتمنع الفلسطينيين من حفر أي بئر ارتوازية، بينما قامت بحفر أكثر من 300 بئر بالقرب من الخط الأخضر لاستنزاف مياه الحوض الغربي، وحفرت 51 بئراً في مستوطنات الضفة، ما أوجد خللاً واضحاً في معدلات استهلاك الفرد الفلسطيني (93 متراً مكعباً) مقارنة بمعدلات استهلاك الفرد الإسرائيلي (344 متراً مكعباً)، وفوق ذلك تقوم المستوطنات بضخ ملايين الأمتار المكعبة من المياه العادمة في الأودية والأراضي الزراعية الفلسطينية، ما يؤدي إلى تلويث المياه الجوفية والسطحية.
وقد بلغت كمية المياه العادمة التي يضخّها نحو نصف مليون مستوطن 40 مليون متر مكعب، 90% منها غير معالجة، وهي كمية أكبر مما ينتجه الفلسطينيون في الضفة الغربية والبالغ عددهم نحو 2.5 مليون نسمة.
كما لعبت إسرائيل دوراً غير مباشر في تلويث البيئة بالمياه العادمة عن طريق إهمالها لإدارة المياه العادمة طوال سنوات احتلالها للأراضي الفلسطينية، وما زالت تعيق وتعرقل كافة المشاريع التي تنوي السلطة تنفيذها في مجالات تجديد شبكات المياه والصرف الصحي أو إقامة محطات تكرير.
وذكرت تقارير متخصصة أن إسرائيل تلقي أسبوعياً نحو مليون متر مكعب من مياه الصرف غير المعالج في سواحل خليج العقبة الغنية بالشعاب المرجانية، ما أثر على إنتاجيتها وتنوعها، وانخفاض ثرواتها السمكية.
ناهيك عن الأسمدة الكيماوية ومبيدات الآفات الزراعية التي تفرط في استخدامها وتلوث التربة والمحاصيل، بالإضافة إلى النفايات الصلبة بأنواعها المختلفة، ودفن النفايات الخطرة والمواد السامة في قلب الأراضي الفلسطينية، ونقل المصانع من مناطق سكنية إسرائيلية إلى مناطق حدودية قريبة من القرى الفلسطينية حيث تلقي مخلفاتها هناك.
وأيضاً ما تتركه من تلويث إشعاعي، سواء من مفاعل ديمونا، والذي يخلف إشعاعات ناتجة عن تسرب الماء الثقيل المشبع بالإشعاعات إلى المياه الجوفية، حيث سُجل مستوى نشاط إشعاعي بدرجات متفاوتة في صحراء النقب ووادي عربة على طول الحدود مع الأردن. وكذلك مخلفات صناعة الذخائر المنضبة ياليورانيوم، وصناعة دروع الدبابات المدعمة باليورانيوم.
ولعل أخطر تدمير للبيئة ما قامت به إسرائيل من تجفيف بحيرة الحولة، ونهب مياه نهر الأردن، لدرجة أنه بات مجرد وادٍ هزيل بالكاد تجري فيه المياه، وهذا الأمر من أهم أسباب تدهور البيئة في الأغوار، واختلال توازنها الحيوي، والأهم: حرمان البحر الميت من أهم عناصر تجديد مياهه، فضلاً عن نشاطات المصانع الإسرائيلية التي تستنزف أكثر من 250 مليون متر مكعب من مياهه، ما فاقم من معدلات تبخره وانحساره، حتى أنه أخذ يتراجع منسوب المياه فيه بمعدل 1 متر سنوياً، لدرجة أن علماء البيئة أكدوا أن استمرار هذا الانحسار سيؤدي إلى اختفاء البحر الميت في غضون عقود قليلة.
وتصادر إسرائيل نحو 650 مليون متر مكعب سنوياً من نهر الأردن، وتحولها إلى صحراء النقب عن طريق سد «دغانيا»، وقد انخفض منسوب مياه النهر إلى مائة مليون متر مكعب سنوياً حالياً من أصل 1.1 مليار متر مكعب قبل خمسين عاماً، ما يهدد في جفاف حوض النهر، وجفاف بحيرة طبرية نفسها، وبالتالي تحويل منطقة الأغوار الفلسطينية التي كانت تشكل في السابق سلة غذاء فلسطين إلى صحراء قاحلة، وتهجير أهلها، وإحكام السيطرة العسكرية الإسرائيلية عليها.
والغريب أن إسرائيل تزعم أن ذلك من أجل تخضير الصحراء! في حين أنها تقوم سنوياً بإتلاف آلاف الدونمات الزراعية التي يزرعها فلسطينيو النقب، ورشها بالمبيدات الكيماوية من خلال طائرات خاصة..
وتزعم إسرائيل أنها تتبنى سياسات بيئية صارمة لحماية الحياة البرية وضمان التوازن البيئي، وهذا فقط ضمن حدود 1948، ولكنها في أراضي الضفة الغربية والقطاع تفعل كل ما بوسعها لتخريب البيئة، فهي تتبنى سياسة عنصرية ضد الفلسطينيين وضد كل ما يمت لهم بصلة من نباتات وحيوانات وعناصر البيئة المختلفة، ومع ذلك، تمتد أعمالها التخريبية حتى داخل الخط الأخضر، ففي تقرير لمركز «مدار» ونقلاً عن «هآرتس» عدّد خبراء بيئة إسرائيليون عشرة كوارث بيئية سببتها سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وفقاً للمعايير البيئية التي وضعتها باربرا توخمان، مؤلفة كتاب «موكب الحماقة»، وهي: تجفيف بحيرة الحولة (55 ألف دونم، كانت محطة استراحة للطيور المهاجرة، وموطناً لعشرات أنواع الكائنات الحية)، ومصادرة مياه نهر الأردن، والمساهمة في تجفيف البحر الميت، وشق الطرق السريعة وبناء الجدار الفاصل، وتلويث وإهمال الوديان، وإقامة مدينة موديعيم وإنشاء الضواحي، وإنشاء محطة حافلات تل أبيب المركزية، وتلويث خليج حيفا، والبناء على الساحل، وانعدام السياسات البيئية والافتقار إلى التخطيط طويل الأجل لحماية الأنواع الحيوانية والنباتية، وغير ذلك.
وقبل ذلك، وبعده، ارتكبت جرائم بحق الإنسانية، وهي بممارساتها كمشروع استعماري، استيطاني، عنصري لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تشكل خطراً على العالم بأسره.


عبد الغني سلامة 2022-11-07

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...