نقوس المهدي - رواية (مملكة الجواري) لمحمد الغربي عمران بين رواية التاريخ والنص العابر للأجناس

يعد الروائي محمد الغربي عمران من أهم الروائيين الأكثر حضورا بالعالم العربي، لجدية طروحاته وتجريبيته، وتنوع انشغالاته الأدبية والفكرية، وأثرائه المكتبة العربية بالعديد من الأعمال الروائية الجادة، توزعت على الرواية والقصة القصيرة بداية يشدنا عنوان رواية (مملكة الجواري)[1] الذي يحاول خلخلة وتقويض مفهوم الرواية التقليدية بغرائبيته وفرادته، نظرا لصعوبة اختياره، وآخر ما بفكر فيه الكاتب بعد الإنتهاء من الكتابة، ولما أولته الدراسات السيميائية من أهمية بوصفه عتبة للنص، وعلامة فارقة له دور فعال في تحديد مقصدية النص، والبوصلة التي نستهدي على هديها لولوج عالمه وسبر خباياه وأغواره، فالعنوان كأيقونة إلى جانب (صورة الغلاف، والخط، والاهداء، والعناوين الفرعية، والتصديرات)، علامات ذات حمولة هادفة، كونها أشد دلالة وأكثر إيضاحا بثراء وتنوع خطابها، وشيفراتها، لأنها تخرج عن إطارها البلاغي لتتحول لمرآة عاكسة نستبصر من خلالها خبايا النص، وتثير في النفس نوعا من الفضول المعرفي، وقد ورد في لسان العرب في تعريف العنوان على أنه مرتبط بالمعنى والإظهار: «عنت القربة تعنو إذا سال ماؤها»، وقال الأصمعي: عَنوْتُ الشيء: أبديته، وأعني الغيث النبات كذلك، ومنه المعنى وهو القصد والمراد، ومنه اشتق في ما ذكروا عنوان الكتاب. قال إبن سيده: العُنوان والعِنوان سمة الكتاب. والعنوان تعريف للمكتوب، به يُعرف الكتاب ويتميّز عن غيره، وهو تجميع واختزال لنُوى كتابيّة متناثرة وموسعة في فضاء الكتاب. وقد قال السيوطي: «عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة موجزة في أوله»[2]
وياخذنا المتن السردي في رواية (مملكة الجواري) الصادرة عن دار “أنطوان هاشيت / نوفل”، على مدى 265 صفحة من القطع المتوسط. بدون تاريخ إصدار، إلى عالم غريب لم نألفه في السرود العربية والإسلامية، إذ استغل الروائي محمد الغربي عمران خبرته ومعرفته بالتاريخ وبفلسفته وثقافته الشمولية، ليزج بنا في عالم مشوب بالدهشة والتشويق والمفاجأة والعجائبية، ويثير فينا كوامن التلهف والتشويق لمعرفة أخبار هذه المملكة العجيبة وأسرارها، ودسائسها، فقد قرأنا وسمعنا عن عاهلات حكيمات وحصيفات وقويات، وعن مملكات حكمتها امرأة في سورة النمل إسمها بلقيس في مملكة سبا باليمن السعيد، وعن كتاب ألف ليلة وليلة والأميرة شهرزاذ التي أنقذت بنات جنسها من القتل، وعن الملكة زنوبيا، أو الزباء في تدمر، والملكة الامازيغية الثائرة الكاهنة ديهيا التي حكمت شمال إفريقيا، وعن مدينة النحاس، التي يزعم أن موسى بن نصير اكتشفها في أيام عبدالملك بن مروان. ويسميها ابن الفقيه بـ”البًهْت” ويكتب أنها من “عجائب الأندلس”. ومدينة “لم يرَ الراؤون مثلها ولم يسمع السامعون بمثلها”[3]، لكننا لم نسمع عن مجتمع كل رعاياه من النساء تحكمهن أمرأة، تدعى الملكة الحرة، وتقع في حصن ذي جبلة المعزول المحصن ضد الرجال إلا قلة من سدنة المذهب الإسماعيلي.. وتنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء، مجزأة إلى عدة مقاطع أسماء 470 – 29 مقطعا – ص4 سيدة 510 – 25 مقطعا – ص 116 أروى 532 – الأيام الأخيرة.. 17 يومية – ص200 يستهل الروائي محمد الغربي عمران روايته (مملكة الجواري) بإهداء جميل إلى الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح، (إهداء: إلى الأستاذ دكتور عبدالعزيز المقالح.. إنسانا ومبدعا. هامة وطنية سامقة. من مثل للمبدعين وطناً فزمن عزت فٌيه الأوطان.. ومنحنا رعاية نعتز بها ونثمنها دوما.. بكل إجلال أقدم إليك أستاذنا هذا العمل الروائي المتواضع تقدٌيرا وتبجيلا لمقامكمً السامي.. سائرون على نهجك لعزة الإنسان وقٌيم الحرية والعدالة..ً في زمن برزت فيٌه دعوات التطرفؾ بالتكفٌر والقتل والتدمير) ص3[4] تجري أحداث الرواية كما يدل عليها عنوانها وتاريخها في حصن حصين إسمه “ذي جبلة”، على مدار خمسين سنة، في الحقبة الممتدة ما بين نهاية القرن الخامس 470 هـ، والربع الأول من القرن السادس الهجري 532 هـ، التي عاشت تفاقم الصراعات المذهبية والعقائدية بين الامارات والزعامات في اليمن، وتتركز على الحباة في إمارة شعبها كله من النساء، وتحكمها الملكة أروى الصليحية، ملكة مستبدة متسلطة، مدعومة من جيش كله من النساء المدربات والمحنكات على فنون الغواية والحديث والتسلل الى قلوب الطامعين، بتطبيق (إحدى تعالٌيم الهامش: المال.. والخمر.. والنساء.. من أكثرهزائم الرجال). ص185[5]، المملكة لا يعيش فيها رجال، ولا قوانين تنظم العيش فيها، والجواري يتفانين في خدمة الملكة الحرة، والولاء لها بمفردها فقط، وليس بها مدافن، وتقتصر على رمي الجثامين في أقباء لتقضمها الجرذان كما تتناول أحداث الرواية في خط مواز سيرة الجارية الساحرة شوذب، الخبيرة بفنون العشق، والخط والنقش، التي ألحقها والدها في خدمة الملك محمد الصليحي (قتله الأحباش في تهامة وهو في طريقه إلى مكة ثم مصر) ص14[6]، وذلك بعد أن (تفرق إخوتي، وألحقني أبي صغيرا بخدمة بخدمة مولانا الملكً محمد الصلٌيحي بعد الجهر بدعوته. وهكذا ابتعدت عنً أخوتي. وسارتً بي الأقدار بعيدا) ص14[7]، لتأخذ أسماء أخرى طبقا لقانون القصر، “فندة، وشوشانة، وعطش” أو فارعة، فتوعز لسيدتها الملكة الحرة سيدة بارسال القزم اليامي، (شاعر بلاط مولاتي الحرة وأبرز مستشاريها.. رجل يؤتمن عليه) ص15[8]، بمِؤامرة خفية من تدبيرها ليهدم حانوت الخطاط “جوذر” أو “عصفان” واقتياده بالقوة والترهيب من صنعاء إلى القصر، ليكون قريبا منها.. وأسير هواها، وتحت رعايتها وحمايتها لعشق قديم بينهما، جوذر الفتى اليهودي، الشخص المسكون بالعشق والوساوس والتشظي بين الام اليهودية والمعلم المسلم، والعشق، (بعد أن أوصل مستشار سيدتي إليها كتاباً في الحب بخطك. وأنها أعجبت بجمال حرفك.. فأشارت عليها إحدى جواريها المقربات بجلبك. واستخدامك لنسخ رسائلها ص132[9]، ليقبع مدة اثنثين وعشرين سنة في العزلة، وذلك ليكون قريبا منها، تستأنس بالكتابة إليه، وتوقعه في حبها، إذ أنهما عاشا معا في صنعاء، وكانا قريبين من بعضهما البعض الى درجة التحاب، (كنت في تلك الأيام تسأليني عن صلاة أمي.. وأعيادها.. ثم تحكٌين لي عن ربكم رب العالمين. وبدوري أحدثك عما تمارس أمي من صلوات، ونتحدث معا عن والدك (ًمعلمي)، وأذكرك بأنك كنت تسألٌين لماذا لكل منا رب مختلفؾ. وإذا كان الله رب الجميع.. لماذا كل مناٌ يعتقد برب خاص) ص31[10]، فتنجح خطتها، ويتحول من ناسخ في حانوت بسيط إلى ناسخ الملكة، والرجل الثاني في القصر المؤتمن على أسرار المملكة، والمطلوب منه نسيان اسمه وماضيه (مرحبا بك.. اطلعت على ما تخطه يداك، من اللحظة أنت كاتبنا.. ستحظى برعايتنا وعليك إنجازما يٌصلك من رسائل ومخطوطات.ْ صمتت لهنيهات.. ثم عاد صوتها: وما دمتً في خدمتنا علٌيك أن تنسى ماضيك.. حتى اسمك.. وتنسى من تكون.. وتلك العلاقاتً التي تنشأ مع سنوات العمر.. حتى المشاعر والعواطؾف. من الآن أنت صفحة اللحظة. وإن لم تستطع فاحتفظ بماضيك لنفسك.. لكنك أمام الغير
ؽأنت لست كائن الأمس.) ص17[11] النظام الملكي في حصن ذي جبلة توليتاري مستبد وصارم ومنغلق، الأسماء فيه لعبة، والزلل فيه محسوم العواقب، والصفح عنه غير وارد، ويعتمد على النساء في تدبير أموره من دفاع وحراسة ومنهن الهدايا، والجاسوسات، والعشيقات، والرسلات، والخادمات، كما تتعدد فيه أسماؤن وتتغير كل حين، بحسب الظروف والملابسات والمهام المنوطة بهن، مجتمع يعتمد على ولاء نساء مسترجلات، قويات، لا دور للرجل في حياتهن، ولا أثر للعاطفة والأنوثة والليونة والعشق، والهشاشة والميولات الجنسية، يقتصر دورهن على استمالة الأعداء، وإغرائهم، وابتداع الوسائل للايقاع بهم، والقيام بما يمكن تشبيهه بالعمليات الانتحارية بتعبير الحاضر، حيث أن (الرجلٌ يؤمن بضعف المرأة.. يعاملها بتلك القناعة الراسخة منذ الأزل.. وعلينا أن نستثمر تلك القناعة الزائفة.. وأن تستثيري مكامن قوة المرأة، فكل يحمل نقيضه) ص107[12]، وعدم الاستئمان للرجل، والتصرف معه بحزم وحيطة وحذر، (بعض النساء كأنثى العنكبوت تلتهم زوجها بعد حفلة غرام ثم تحزن ما تبقى من الوقت) ص 151[13]، عالم الأنوثة فيه.. ما ورد عن “علية بنت المهدي” أخت هارون الرشيد.. قولها: (نحن نساء مع رجالنا، ورجال مع غيرهم) في “عيون الاخبار” لابن قتيبة الدينوري حاول الروائي محمد الغربي عمران تجريب صياغة نص سردي عابر للأجناس، ذلك (إن النص العابر للأجناس هو النص الذي لا تنطبق عليه المعايير البنائية للأجناس المتداولة والمتعارف عليها قديمها وجديدها، ويخلق قوانينه الداخلية المستقلة بذاته)[14]، ويضعنا إزاء رواية حداثية مغايرة للرواية التاريخية التقليدية، يختلط فيها التاريخ كمادة وحوادت بعلم الاجتماع والاتثروبولوجيا والأسطورة، والفلسفة، باللاهوت، والمادي بالروحي والصوفي، كما تتناول موضوع التثاقف، وقيم التسامح، وحوار الحضارات، والديانات السماوية، فجوذر مواطن يجمع بين الدينة اليهودية وبين تبني تعاليم المعلم المسلم، لكنه يخفي إيمانه ليتعايش مع أهل القصر، كما يتعالق السرد الحديث بالاسلوب الفقهي القديم بأدب الرسائل والأداب السلطاني،والريبورتاج الصحفي، وتراوح فيها سيرورة الأحداث بين الواقعي والتخييل، إذ (لا وجود لحقائق، إنها مجرد تأويلات فحسب)، بحسب نيتشه[15]، مستعينا بترسانة من الأدوات الأسلوبية جمع فيها السرد التاريخي الملحمي المعتمد على الوصف المتصاعد للأحداث، والواقعية السحرية مستلهما الحكي الغرائبي الضاج بالمفاجأة والدهشة في عوالم ألف ليلة وليلة، وسيرة سيف بن ذي يزن، والاميرة ذات الهمة والسيرة الهلالية، وكتابات غابرييل غارسيا ماركيز في تركيبيتها وفي تعدد الهويات، والتخييل المفعم بالسحر والتشويق، عبر تنوع الرواة الرئيسيين شوذب بهوياتها وألقابها الاخرى، وجوذر من خلال المراسلات الملآى بالأسرار، وأخبار العشق، والمناجاة، والشوق، واليامي وذي الساق وابنه (اللذان ينكر كلاهما أبوته وبنوته تحاه الأخر)، وحياتهم المحاطة بالغموض والريبة، فمن خلال إحياء أدب الرسائل، تخبرنا الجارية شوذب عن ظروف العيش وملابسات الحياة في جنبات القصر بكل تفاصيلها، وما يكتنفها من غموض وأسرار، واستعان أيضا بتعدد الأصوات (البوليفونية) من خلال تداخل العديد من الشخصيات، وتوالد عدة أحداث عبر تقنية الحكاية العنقودية كما في حكايات الليالي العربية على هامش المتن الرئيسي لمملكة الجواري يكتب الروائي محمد الغربي عمران نصأ موازيا، تدور أحداته حول الربيع العربي، والحراك الشعبي في اليمن ضد الاوضاع الاجتماعية والسيسية والاقتصادية، والصراع الدائر على السلطة، والفساد الإداري السائد، واستغلال النفوذ، يرويها بطل يتعرض للقمع والتعذيب العنيف كل أربعاء من طرف جلاوزة النظام ثم يجد نفسه مدفوعا في صفوف الثورة منخرطا فيها، ليتبوأ مرتبة قيادية، فيصاب في كتفه بطلق ناري، ثم يفكر في الهرب مع عشيقته، بعد فرار العديد من الأشخاص من الوضع الأمني المتردي، بعد احتدام الصراع بين الفصائل وتسلط الجماعات الدينية المتطرفة تتناول الرواية أيضا عملية الرق والاستعباد النسوي، عبر شراء المزيد من الجواري من طرف الملكة الحرة بالتشديد على لقب الحرة لأنها هي السيدة المطلقة، وما عداها عبيد وإماء، والإتجار بهن، وارسالهن عيونا لها في الممالك المجاورة، وخادمات جنس للايقاع بالطامعين في مملكة ذي جبلة، كما أنهن محرومات من انوثتهن، غير مسموح لهن بالعشق والتصرف في حياتهن كنساء، بحيث أنهن وما ملكن ملك للملكة الحرة، ويقتلن بطرق مختلفة إذا اخطأن، بينما يرسل الرجال المخطؤون في مهامات مدبرة ليلاقوا حتفهم بعيا عن المملكة نجح الروائي محمد الغربي عمران من خلال روايته في تخطي مفهوم الرواية الكلاسيكية كتابة وموضوعا، عبر نص روائي عابر للأجناس، من خلال أسلوب منفتح، تتداخل وتتعالق فيه الأنماط السردية، بعيدا عن أي اعتبار للسيرورة الزمنية وتراتبيتها الكلاسيكية، أو نية اجتراحها، وذلك باستحضارها في صيغة مغايرة، وقولبتها في أساليب تعبيرية جاهزة، واسقاطها على الزمن الحاضر وما يتناوشه من أزمات، ومشكلات اجتماعية وافتصادية، وصراعات سياسية وعقائدية، وذلك من خلال الوصف المباشر للأحداث، والإخبار، والريبورتاج الصحفي، وتنويع الضمائر، والمونولوغ، والمناجاة، والفكر الروحي والصوفي، والفلاش باك يجري نهر السرد في رواية مملكة الجواري عبر محورين إثنين الرواية الرئيسية، التي تتخذ التاريخ القديم كمادة لها، وتستعين بأدب الرسائل، بما تتميز به من غنى وتنوع أسلوبي، ولغة جزلة، وبما فيها من متعة وإخبار وتشويق ورموز والرواية الموازية، على شكل الريبورتاج الصحفي، الذي يتابع تطورات الثورة الشعبية في اليمن المعروف يكثرة الخلافات العشائرية والقبلية، والصراعات العقائدية والدينية.

المصادر
[1] محمد الغربي عمران: مملكة الجواري- رواية، بدون تاريخ إصدار – عن دار “أنطوان هاشيت / نوفل”، 265 صفحةا.
[2] في تعريف العنوان، لسان العرب
[3] ربيع جابر: لغز “مدينة النحاس” بين روايات الأقدمين واقتراحات
المعاصرين . فاتح الأندلس موسى بن نصير أول من اكتشف المدينة العجيب 1 من 2
[4] محمد الغربي عمران، مملكة الجواري، مصدر سابق، ص3
[5] محمد الغربي عمران – مملكة االجواري، ص 185
[6] نفس المصدر، ص14
[7] نفس المصدر، ص14
[8] نفس المصدر، ص15 132
[9] نفس المضدر، ص 31
[10] نفس المصدر، ص
[11] نفس المصدر، ص17 107
[12] نفس المصدر، ص 151
[13] نفس المصدر، ص
[14] عبد علي حسن – ارىٰ… في (النص العابر للأجناس.. مقال بفيسبوك
Log in or sign up to view) –
[15] فريدريك نيتشه، إرادة القوة، محاولة لقلب كل القيم، ترجمة وتقديم: محمد الناجي، إفريقيا الشرق

نقوس المهدي/ المغرب
.. 11/11/2022





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...