أمل الكردفاني - لا يحفل القانون بمن يتَّبعه بقدر ما يحفل بمن يخالفه

إنني أتوق لإنشاء وإدارة قرية نموذجية. أقول قرية، لأنني لا أملك طموحات تسلطية، بل املك طموحات لإنجاز منتج حقيقي للإنسانية يتمثل في عينة نموذجية. خلافاً لطموحات الآيدولوجيين اليمينيين واليساريين، الدينيين والعلمانيين، فإن هؤلاء أرادوا تغيير العالم لصالحهم وهذا مستحيل، لكن من الممكن أن نؤسس نماذج اختبارية. من ضمن مبادئ هذه النماذج هو التوجهات المعاصرة لتحويل اهتمام القانون بتوقيع جزاءات على من يخالفه، إلى تقديم منح ومحزفات لمن لا يخالفه.
فالمواطن -داخل تلك القرية النموذجية- الذي لا يخالف القانون وتخلو صحيفته القضائية من أي شائبة، لمدة عشر سنوات ينال امتيازات وحقوق أكثر ممن تتلوث صحيفته بشائبة. وأقول صحيفته القضائية حتى لا نكتفي فقط بخلو السجل الجنائي من الجرائم ، بل أيضاً خلو سجله من الدعاوى المدنية المحكوم عليه فيها. أما لو تلوثت صحيفته القضائية، فتكون هناك درجات للانتقاص من امتيازاته (حتى بعد رد الاعتبار). فنحن يجب أن نمنح أصحاب السجل النظيف مزايا، ليس فقط لنميزهم عن اولئك المنتهكين للقانون، بل لنشجع المواطنين على مراعاة القانون. يمكن أن يوضع نظام كامل لمكاسب سنوية وخمسية وعشرية وفضية وذهبية لكن من يمضي يوماً دون انتهاك للقانون. فمثلاً ستكون جائزة قيادته للسيارة بدون قطع الاشارة لمدة سنتين متواصلتين هو إعفائه من رسوم الترخيص لمدة سنتين أخريين. وهكذا..
يمكننا دوماً أن نقرأ القانون باعتبار أن القاعدة القانونية تتكون من عنصرين: عنصر الفرض، وعنصر الأثر أو الحكم. لكن غالباً ما كان عنصر الاثر هو فرض جزاءات: (جنائية، مدنية، إدارية..). ولكنه لم يكن أبدا منح جوائز على امتناع عن مخالفة القانون (ربما لأن فكرة الإمتناع أو الفعل السلبي لا تجد حقها من التقدير). ربما نجد نظاماً قريباً في الخدمة المدنية وتقارير الكفاية، لكنه على مستوى ضيق جداً. أما ما نتحدث عنه فهو على مستوى واسع. (المواطن ذو السجل الأبيض، أو السجل الذهبي، أو الفضي أو الأسود..الخ).
كذلك على مستوى الشركات، ومن يديرون هذه الشركات، والمساهمين ورؤساء مجلس إدارتها.
فنظام الجوائز، أو التحفيز القانوني للمواطن الذي بحترم القانون أهم من العقوبات الجنائية والجزاءات المدنية والإدارية.
لكن بالتأكيد يتطلب ذلك وضع منظومة متكاملة داخل تلك القرية النموذجية، منظومة إدارية ومالية وقانونية وفنية وسياسية متكاملة ومحكمة.. إنه التفعيل الحقيقي ليوتوبيا أفلاطون.
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...