د. علي زين العابدين الحسيني - علاقة أحمد الزيات بالمنفلوطي

يعدّ أحمد الزيات أحد الكُتّاب الأربعة الذين يَنصح بقراءة آثارهم أستاذنا الكبير وديع فلسطين، فهو من القلائل الذين يكتبون مقالاتهم عن علمٍ، ويفهمون اللغة عن ممارسةٍ، ويعالجون أمراض المجتمع عن وعي، وبموته فقدت الأسرة الأدبية رجلاً قلّ نظيره في كتاباته وأسلوبه، ولم يخلفه أحدٌ في قوة بذله الأدبيّ، هو كغيره من أبناء زمانه كانت له معارك وصراعاتٌ أدبية، وربما أستطيع أن أؤرخ لأولى صراعاته مِن اصطدامه بالأزهريين -وقد كان منهم- حيث ترأس المعارك الطاحنة على نظم التعليم في الأزهر، وأقام مدرسة التمرد على القديم فيه مع صديقيه طه حسين ومحمود الزناتي.
وأما موقفه من "المنفلوطي" وأدبه فلا بدّ من التعريج أولاً على موقف زميله الدكتور طه حسين من المنفلوطي، فقد تأثر طه حسين في بداية حياته الكتابية بالشيخ عبد العزيز جاويش، وكان مذهب الأخير -كما وصفه طه حسين- الغلوّ في الرد، والإسراف في النقد، وهو ما ورثه عنه، فكان يغري طه حسين بالنقد اللاذع، ويحرضه عليه تحريضاً شديداً، ويسانده بنشر مقالاته في صحف الحزب الوطني آنذاك، وهو الذي دفعه للكتابة عن "النظرات"، اعترف بذلك طه حسين في "الأيام" بقوله: "وفرح الشيخ عبد العزيز جاويش بما كتب الفتى أشد الفرح، واستزاده من الكتابة، وحرضه عليها، وألحّ في التحريض، حتى ألقى في روعه ألا يدع فصلاً من فصول المنفلوطي إلا اختصه بفصل من النقد".
أجل تغيرت نظرة طه حسين لأدبيات المنفلوطي بعد اتصاله بالشيخ جاويش، وقد كان مع صاحبيه في بداية حياتهم الأدبية وأيام الأزهر متعلقين بأسلوب المنفلوطي البياني الناصع، وهو ما أبداه الزيات نفسه في مقاله "مع المنفلوطي" في مجلة الرسالة، (العدد: 210)، كان الثلاثة يجلسون أمام الرواق العباسي بالأزهر يترقبون جريدة "المؤيد" يوم الخميس من كلّ أسبوع "ليقرؤوا مقال المنفلوطي خمُاس وسُداس وسُباع، و"طه" مرهف أذنيه، و"زناتي" مسبل عينيه، و"الزيات" مأخوذ بروعة الأسلوب، فلا ينبس ولا يطرف، وكلهم يودون لو يعقدون أسبابهم بهذا المنفلوطي الذي اصطفاه الله لرسالة هذا الأدب البكر".
وأما سبب العداء بين المنفلوطي وجاويش فيرجع إلى مقال المنفلوطي "طبقات الكتاب"، انتقد فيه كتابات الشيخ عبد العزيز جاويش، وحكم عليه حكماً شديداً، ويُرجع الزيات أصل هذا التحامل الشديد إلى الزعيم سعد زغلول، حيث قال: "ورطه فيه على ما أظن صلته بالمؤيد وبالمغفور له سعد باشا"، وما بين سعد زغلول وجاويش في أصله يرجع إلى خلافهما السياسي، فزغلول وفدي، وجاويش ينتمي إلى الحزب الوطني، وبينهما من التراشق اللفظي والاختلاف المعلن كما بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وورث طه حسين هذا عن جاويش.
صارت كتابات طه حسين عن المنفلوطي عائقاً من التواصل معه، ومن أسباب عدم التعارف المبكر بين الزيات والمنفلوطي، وهو ما أعلنه الزيات بقوله: "ولطه حسين به (أي جاويش) اتصال، فحرضه على أن ينقد "النظرات"، فنقدها ذلك النقد الغاضب الصاخب في ثلاثين مقالة ونيفاً لم تدع سبيلاً إلى التعارف بيننا وبينه".
زاول "الزيات" مهنة التدريس فتغير الحال، ولتعلقه بأسلوب المنفلوطي واعترافه بنبوغه كان يحث طلابه في المدرسة على قراءة مقالاته، وبعد ترجمة "آلام فرتر" سنة 1920م رغب الزيات بكلّ قوة في الاتصال المباشر به، ساعده وجود صديق مشترك بينهما، فجمعهما في داره، وبهذا الاجتماع بدأ الاتصال المباشر بينهما، على أن الزيات منذ عرف نظرات المنفلوطي في "المؤيد" كان كثيرة القراءة له، دائم الاتصال القلبي به.
وفي الحقيقة لعلّ من مميزات الزيات الشخصية أنه رجل هادئ الطبع، فلم يلتفت لمناوشات صديقه طه حسين مع المنفلوطي، بل وصف أسلوب المنفلوطي حينما ظهر في "المؤيد" بأنه سطع سطوع العبير في أندية الأدب، ورن رنين النغم في أسماع الأدباء، بعد التعارف توثقت علاقتهما، واستفاد منها كثيراً الزيات، وأشاد بها في بعض مقالاته، وله في المنفلوطي كثير من الأوصاف والانطباعات الشخصية، من أميزها قوله إنه: "موزع العقل والفضل والهوى بين أسرته ووطنيته وإنسانيته".
فيما بعد تراجع أيضاً طه حسين عن هجومه الشرس على "النظرات"، وأقرّ بذلك في "الأيام"، إلا أنه حاول التخلص من ذلك بإلقاء اللوم على الشيخ عبد العزيز جاويش، مبدياً أنه سبب هذه المشاكل في قوله: "كان بعض تبعة هذا السخف يقع على الشيخ عبد العزيز جاويش"، وذكر قبلها أنه كتب مقالاً ذات يوم ودفعه للشيخ جاويش، فأبى إلا أن يقرأه قراءة جهرية بصوته العذب على جلسائه، كلما ذكر طه حسين بداية هذا المقال "طأطأ من رأسه ومن نفسه، وسأل الله أن يتيح له التكفير عن ذنبه ذاك العظيم"، وفي هذا التراجع سمو لشخصية طه حسين.
إنّ الأفضل للكاتب أن يتجرد من عوامل القطيعة التي تنشأ بين المشتغلين بالكتابة، وأن يكون على مسافة واحدة من الجميع في العلاقات الإنسانية، وأن يربأ بنفسه أن يُستغل من قبل أشخاص أو فصيل للنيل من آخرين، وهو ما ارتضاه الزيات لنفسه مع المنفلوطيّ رغم صداقته الحميمة بطه حسين.


د. علي زين العابدين الحسيني - كاتب أزهري
العدد (49) من ملحق أوروك الأدبي، يوم الثلاثاء 2022/1/4، كل الشكر لأسرة التحرير.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...