د. محمد عبدالله القواسمة - الزلازل وجدل السياسي والإنساني 1/2

الزلازل التي حدثت في 6/ شباط 2023 بجنوبي تركيا وشمالي سوريا خلفت عددًا كبيرًا من القتلى والمصابين، وهدمت العديد من المنازل والبنايات على رؤوس ساكنيها. مما دفع كثيرًا من الدول إلى تقديم المساعدات لهذه المناطق، وإرسال فرق الإنقاذ لإزالة الأنقاض، وتخليص الأحياء وسحب الجثث من تحتها.

من اللافت أن بعض تلك الدول بينها وبين المسؤولين عن المناطق المنكوبة علاقات عدائية، نتج عنها مصائب وكوارث من قتل وتدمير وتشريد، قد تزيد على ما أحدثته الزلازل. وقد أطلق بعض مسؤولي هذه الدول تصريحات بأنهم يقدمون تلك المساعدات بدواع إنسانية؛ فهم يفصلون بين ما هو سياسي وبين ما هو إنساني.

من المعلوم أن تقديم المساعدات للمناطق المنكوبة إنما هو التزام دولي استنادًا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام1991م الذي تُقدّم في إطاره القانوني المساعدات، وتنظم عمليات الإغاثة والتنسيق بين الأطراف، سواء المقدمة للمعونات الإنسانية أو المستفيدة منها؛ لتقديمها لمستحقيها في أسرع وقت؛ للتخفيف من وقع الكارثة عليهم.

لا شك أن تصريحات المسؤولين السياسيين بالفصل بين الناحية الإنسانية والسياسية، وسماحهم بتقديم المساعدات للمناطق المنكوبة تطرح أسئلة مهمة عن العلاقة بين السياسي والإنساني، وهل حقًا يوجد انفصال بينهما؟ وإذا كان بينهما انفصال لماذا تسعى السياسة إلى الاهتمام بالجانب الإنساني؟

في البداية يحسن المرور على مفهومي: السياسة والإنسانية.

تعني كلمة السياسة في اللغة" القيام على الشيء بما يصلحه". كما تعني الترويض والتربية والعناية، والتدريب على وضع معيّن، والاهتمام بالشيء ، والقيام عليه. وفي المعنى الاصطلاحي: عرّفها سقراط "فن الحكم ". وعرّفها أفلاطون بأنّها "فن تربية الأفراد في حياة جماعية مشتركة، وهي العناية بشؤون الجماعة، أو فن حكم الأفراد برضاهم". ومفهوم السياسة في الإسلام قريب من معناه اللغوي. فكلمة سياسة عمل يتعلق برعاية الأمة، وتدبير شؤونها، أو إدارة الدولة، أو نشاط الأفراد، أو القضاء وغير ذلك من أمور.

أما كلمة الإنسانية فهي من الناحية اللغوية مصدر صناعي من كلمة إنسان، وهي في معناها نقيض الحيوانية أو البهيمية. وتُعرف بأنها مجموعة الصفات التي تُميّز الجنس البشري عن غيره من المخلوقات، وتقوم على قيم الأخوة والتفاهم والاحترام والإحسان، والتعاطف والإيثار، وقبول الآخر. وهي تُعزّز لدى الفرد القيم الأخلاقية كالعدالة والنزاهة، وتدفعه إلى التفاعل مع بني جنسه، والعيش معهم في سلام وأمان. وقد ارتبط بالمصطلح كثير من المفاهيم العصرية مثل: التنمية وحقوق الإنسان، والأمن البشري.

والإنسانية عند الفيلسوف إيمانويل كانط هدفُ الأخلاق وأساسُ فكرة الواجب، وعند عالم الاجتماع والفيلسوف أوجست كونت كائن جماعي متطور مع الزمن.

نستنتج مما سبق أن بين السياسة والإنسانية علاقة وثيقة، فهما توأمان لا ينفصلان. وقد فهم الفكر العربي الإسلامي السياسة بأنها لا تنفصل عن الإنسانية بالمفهوم الذي يعبر عنه بالأخلاق؛ فالسياسة الفاضلة أو علم تدبير المدينة عند ابن رشد لا ينفصل عن الأخلاق الفاضلة، التي غايتها الوصول إلى التطبيق العملي، فأن أعرف الشجاعة لا بد من إبرازها بصورة عملية متحققة.

يعود النظر إلى الترابط بين الأخلاق (الإنسانية) والسياسة في الفكر الإسلامي إلى الدين، والإفادة من الفلسفة اليونانية. فقد جاء الدين الإسلامي بمجموعة من التشريعات لتنظيم حياة الإنسان بجوانبها المختلفة من خلال القيم الأخلاقية السامية التي بعث من أجلها الرسول صلى الله عليه وسلم" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وقد جسدها بصفاته الحميدة، التي امتدحها الله سبحانه بقوله:" وإنك لعلى خلق عظيم" وبهذه الأخلاق أحبه الناس والتفوا حوله، وآمنوا برسالته:" ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...